بالفيديو: صوت المرأة السودانية... ثورة

أكدن رغبتهن الأكيدة في مواصلة النضال من أجل الديمقراطية

* نبيلة كاشف: السيدات والفتياتْ كُنّ الأكثر معاناة وظلامة، طوال الثلاثين سنة الماضية، هي فترة حُكم نظام البشير، الممتدّة من 1989، وحتى 2019
* دُرّة قمبو: قمع هائل مُورس على المرأة طوال سنوات حُكم البشير، وبشكلٍ ممنهجٍ ومؤسّسٍ على المرأة
* ميرفتْ حمد النيل: الذهنية الذُكوريّة، ليستْ في النظام السياسي القديم الذي أطاحت به الثورة، فما يزال موجودًا، وتُعبّر عنه الصراعات السياسية، واحتكار الرجال للعمل السياسي
* سمر بُولس: المرأة السودانية ظلّتْ طوال السنوات السابقة مقهورة ومضيّقٌا عليها من خلال الممارسات المجتمعية، والسياسات الحكومية، عبر قانوني: الأحوال الشخصيّة، والنظام العام

الخرطوم: واحدة من الصورة الباهرة؛ التي لفتت نظر وسائل الإعلام العالمي، والإقليمي، وتوقّف عندها طويلاً، بل وأجبرتها على قبولها كـ«أيقونة»، هي صورة الفتيات السودانيات، بزيّهن المميز، وحُلوقهن الممتلئة بالهُتاف، أثناء المواكب الاحتجاجية التي انطلقتْ في ديسمبر (كانون الأول) 2018م، وانتهتْ بإسقاط أعتى الحكومات الأفريقية، ذات السجل المظلم والقامع. وهي صورٌ لخّصتْ حضور المرأة السودانية، ودورها ومشاركتها في الحِراك السوداني.
الإفادات في التقرير التالي، عكس قصصًا لرأي السودانيات في الثورة، منذ بدايتها، وصولاً إلى حاضرها ومستقبلها. وكذلك إلى رغبتهن الأكيدة في مواصلة النضال من أجل حقوقهن، التي قُلن إنّها لم تتحقق بعد، رغم سقوط حكم البشير، المتسبب في غصب هذه الحقوق منهن.
نبيلة كاشف، النّاشطة في مجال الوعي الحقوقي، وسط زميلاتها في العمل، ووسط مجتمع الفتيات، والتي ظلّتْ ما قبل اندلاع ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018م، تحدبُ على التوعية بضرورة التغيير، وإثراء مجموعات النقاش. تروي نبيلة لـ«المجلة»، ما اعتبرته أمرًا طريفًا، رغم ثوّريته. وهو أنّها وعدد من صديقاتها، وبنات أسرتها، عملوا في مرّاتٍ كثيرة، على تغيير مفردات الأغنيات الشائعة للفتيات، من مُفرداتٍ عاطفية ومشاعرية، إلى ثورية، ثم يقمن بتسجيلها بآلاتٍ موسيقية بسيطة، ثم ينشرنها على وسائل التواصل الاجتماعي.
تُعلّقُ نبيلة ضاحكة على الأمر: كان في البدء أمرًا طريفًا بالنسبة لنا؛ لا يخلو من لهو الفتيات، ولم تتوقّع لا هي ولا صديقاتها أنْ تنتشر هذه التسجيلاتْ بهذا القدر. لكن النتيجة بالنسبة لنبيلة، كانت مذهلة، عندما انتشرتْ هذه التسجلات، ولقيتْ رواجًا، وانفعالاً، وهو ما حرّضهُنّ مستقبلاً على تكرار الأمر، في تسجيل هذا النوع من الأغنيات.

بجانب نشر الوعي والنقاش، وبجانب الأغنيات الثورية ذات اللغة البسيطة، كانت نبيلة كاشف تطبعُ هي وصديقاتها قُصاصاتٍ ورقية صغيرة، وتوزّعها على المارة والراكبين للمركبات العامة، وأماكن التجمّعات. كُنّ يُضمّنّ هذه القُصاصاتْ دعواتٍ للمشاركة في المواكب الجماهيرية الاحتجاجية، التي انتظمتْ في السودان من ديسمبر (كانون الأول) 2018م، وحتى سقوط نظام الرئيس المخلوع البشير في أبريل (نيسان) 2019م.
هذا بالإضافة إلى التسجيلات الصوتية التي تُعدّها هي وزميلاتها، لهذا الغرض أيضًا، وتُنشر على نطاقاتٍ واسعة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تقول نبيلة، لـ«المجلّة» إنّ مشاركة المرأة السودانية في الثورة – بالنسبة لها - كانت الأكثر عددًا وفاعليّة، بالمقارنة مع الرجال والشبّان. وتستدلُ على ذلك بكثرة حُضورهن ومشاركتهن في المواكب واللقاءات والندوات الجماهيرية. وبتشجيعهن للجميع بضرورة الثبات في مُواجهة العنف الأمني، والغازات المُسيّلة للدموع، والهراوات الشرسة، وكذا الاعتقالات البشعة، والضرب الأبشع.
وتُرجع ذلك إلى أنّ السيدات والفتياتْ كُنّ الأكثر معاناة وظلامة، طوال الثلاثين سنة الماضية، هي فترة حُكم نظام البشير، الممتدّة من (1989)، وحتى (2019).وكانت المشاركة - بالنسبة لنبيلة - مطالبة منها بهذه الحقوق التي مُنعتْ عنها، بالعُنف، والعسفِ، والتنكيل، والقوانين الظالمة.
وهو ما توافقه فيها، دُرّة قمبو، الصحافية السودانية التي اُعتقلتْ مراتٍ كثيرة، أثناء مشاركاتها في المظاهرات، وتغطيتها لأحداث الاحتجاجاتْ. وتصف دُرّة هذه التجربة، بالقاسية والمميزة في آنٍ واحد. وتواصل في التفسير بأنّها قاسية في كونها ورفيقاتها واجهنَ بأيد عارية، وحُلوقٍ ممتلئة بالهُتاف، آلة قمعية، وقاتلة. تتخذُ من التحرّش، والاغتصاب، والتهديد بالسُمعة أسلحة تُواجه بها هُتافاتٍ المرأة العالية، المطالبة بحُقوقها. ومميزة لأنّهن استطعن أنْ يرفعن أصواتهن المطالبة بالحقوق، من نظامٍ باطشٍ، انتهى بسقوط البشير، الذي سامهن العسف.
تقولدُرّة قمبو، لـ«المجلة» إنّ قمعًا هائلاً مُورس على المرأة طوال سنوات حُكم البشير، وبشكلٍ ممنهجٍ ومؤسّسٍ على المرأة. وتُشدّد على أنّ القمع مُورس على المرأة السودانية البسيطة، التي تخرجُ لإعالة أُسرتها، فتتم مواجهتها بالمنع والتضييق، والمصادرة. وفي أحايين أخرى بالمحاكمة المتعسّفة، لمجرد أنّها خرجتْ لنُشدان رزقٍ حلالٍ، عبر بيع الطعام أو الشراب.
كما مُورس أيضًا على المرأة المتعلّمة، عبر الملاحقة في الزِي، والاختلاط بالآخرين، عبر قانون الأحوال الشخصية، وقانون النظام العام، الذي تصفه دُرّة بالقانون «سيئ السُمعة». كما طال الطبيبات - على سبيل المثال - بالملاحقة والتضييق في عملهن، والتحرّش بهن في أحوالٍ كثيرة وموثّقة.

وتُقرر دُرّة، أنّ الذي أخرج المرأة السودانية، للشارع محتجة، للدرجة التي شكّل خُروجها الغالبية؛ هو مُحاولتها تصحيح الأوضاع، ومُقاومتها للقوانين التي تحد من حريتها، وتنتهكُ كرامتها، وحقها في العيشِ الكريم الحلال.
وتُضيف أنّ مشاركة المرأة، في الأحداث الأخيرة، بالدرجة التي لفتتْ الأجهزة الإعلامية العالمية، فتنشرُ صورها، وأحاديثها وأشعارها، وتحتفي بها؛ ليس أمرًا جديدًا، وإنّما كان «استعادة للدور الطليعي للمرأة السودانية قبل ثلاثين عامًا، أُجبرتْ فيها المرأة – جبرًا - على البقاء في الصفوف الخلفية. وهي ثلاثين عامًا من محاولات الأسلمة والعُروبة القسريّة. للدرجة التي كان يُفتي فيها الكثير من رجالات الدين، بأنّ غلاء المعيشة، وضيق الحال، والحصار الاقتصادي التي عانى منها السودانيون. وكذا المشكلات السياسيّة سببه زي المرأة وتبرّجها، وعدم حشمتها، واختلاطها بالرجال، بالإضافة إلى عدم التزامهن بالشرع».
لهذه الأسباب، كانت مشاركة المرأة في الثورة السودانية - بحسب دُرّة - لافتة، ومميّزة. بل تواصلتْ هذه المشاركة، ليس في حُدود المواكب الجماهيرية الاحتجاجيّة، التي كانت تبتدئُ في الواحدة ظهرًا تمامًا، عبر الزغاريد التي تُطلقها الفتيات أو السيدات إيذانًا ببداية الموكب، وإنّما تعدّتها إلى لجان المقاومة، والمتاريس، والتأمين في ميدان الاعتصام، الذي انتظم أمام القيادة العامة للجيش السوداني، منذ السادس من أبريل، وحتى فضّ القوات الأمنية له، بالقُوّة الجبرية في الثالث من يونيو (حزيران).
من جانبها تعتقد ميرفت حمد النيل، السيدة الوحيدة من عُضوية التفاوض بين قوى إعلان الحُريّة والتغيير: «الذي يُفاوض المجلس العسكري الانتقالي لتسليم الحكومة لسُلطة مدنية»، بأنّها تُعاني من وجودها باعتبارها سيدة واحدة في لجنة تفاوضٍ كُلّها من الرجال. وتقول: «أنا أعاني جدًا باعتباري سيدة واحدة، داخل منظومة لجنة التفاوض. بل إنّ كل الممارسات الذكورية من عضوية لجنة التفاوض نفسها التي أنتمي إليها، ضدّي للأسف».

وتواصلميرفتْ في حديثها لـ«المجلة» أنّ «الذهنية الذُكوريّة، ليستْ في النظام السياسي القديم الذي أطاحت به الثورة، وبرئيسه البشير، وإنّما ما يزال موجودًا إلى الآن، وتُعبّر عنه الصراعات السياسية، واحتكار الرجال للعمل السياسي العام في الأحزاب». فيما تنفي هذه الذهنية عن منظمات المجتمع المدني التي تنتمي إليها، باعتبارها موقّعة على ميثاق إعلان الحُريّة والتغيير، الميثاق الذي أتتْ عبره إلى لجنة التفاوض المنعقدة بينهم في الحرية والتغيير، والمجلس العسكري الانتقالي.
ويمتدُ الحديث مع ميرفت حمد النيل عن المعوّقات التي واجهتها، باعتبارها سيدة وحيدة في لجنة تفاوضٍ وصفتها بـ«الرجالية»، بسرد جزء من معاناتها، حيث واجهتْ معركة وتشكيكا في قُدراتها وخبراتها على التفاوض، وتعتقدُ أنّها لم تُواجه ذلك التشكيك في قُدراتها إلا لكونها امرأة، وليس لأمرٍ آخر. في الوقت الذي ترى فيه نفسها أفضل من كثيرين في لجنة التفاوض؛ لكن لم يثُر حولهم أي سؤالٍ أو تشكيك.
وتُضيف «كشعبٍ سوداني، كسبنا معركة الشّارع، وانتصرتْ الثورة، ولكن ما تزال أمام المرأة السودانية، معركتها التي تخصها، وهي معركة الحُقوق، والتي ستقف ضدّها وتنتصر عبر آليات كثيرة». وتنفي ميرفت أنْ يكون الحل في القوانين لوحدها، وإنّما أيضًا بالتركيز على تحريك الشارع للأجندة العامة، وليس الفئوية- الذكورية، التي تعمل على الدوام على إضعاف المرأة، وسلب حقوقها وإرادتها.
ميرفت ترجع للقول بأنّ قوة المرأة السودانية وتأثيرها في الواقع السوداني، لم يظهر في المسيرات والمواكب الاحتجاجية التي بدأتْ في ديسمبر (كانون الأول) فقط، وإنّما منذ العام 2009م، وما قبله، حيث كانت المرأة السودانية حاضرة في الوقفات الاحتجاجات الكثيرة، والبيانات المُطالِبة بحُقوق المرأة، والحُقوق الاقتصادية للمواطنين. وضربتْ المثل بمجموعة «لا لقهر النساء»، التي ظلّتْ تنشطُ في المواكب الاحتجاجية. وفي المبادرات النِسويّة، الداعمة والمتضامنة مع المعتقلات والسجينات، وكذلك المُناهِضة لقانون النظام العام، ولكافة القوانين التي تراها مُحِطّة لقدر وحق المرأة السودانية.

في المقابل، تصف سمر بُولس، المهندسة القِبطيّة، بأنّ المرأة السودانية ظلّتْ طوال السنوات السابقة مقهورة ومضيّقٌا عليها عبر الكثير من الممارسات المجتمعية، والسياسات الحكومية، عبر قانوني: الأحوال الشخصيّة، والنظام العام. وتضيف في حديثها لـ«المجلّة» أنّ المرأة السودانية عانت من تضييق عنيف من النظام السابق، لكن التضييق الممارس عليهم كمسيحيين أقباط كان أعنف.
ذلك التضييق – بحسب سمر - كان واحدًا من الدوافع بالنسبة لها، أنْ تبتدر مع عددٍ من صديقاتها نقاشًا توعويًا، ودعواتٍ للمشاركة في المواكب الاحتجاجية، وصولاً إلى مشاركتها معهن في ميدان الاعتصام. تقول سمر إنّ مشاركتها وزميلاتها كانت عبر الصلوات التي كُنّ يُشرفن على إقامتها في ميدان الاعتصام، أو في كنائسهم. كما كانت بالنقاشات حول أوضاع الحريّات الدينية في الثلاثين عامًا الماضية، هي عُمر الإنقاذ. وكذلك عبر المساهمة في إفطار الصائمين من المعتصمين طوال شهر رمضان؛ عبر دعمه بالسُكّر، وخدمة الصائمين.
وتُضيف سمر بولس أنّ الأيام التي قضاها السودانيون في ميدان الاعتصام شهدتْ تفاعلاً جميلاً فيما بينهم، ساهم في إذابة الكثير من الفوارق اللونيّة والاجتماعيّة والدينيّة بينهم. بل وساهم في أنْ يتعرّفوا على بعضهم البعض بشكلٍ أكبر، لم يتوفّر لهم في مرّاتٍ سابقة. لدرجة مشاركة الكثير من غير المسلمين لهم في صلواتهم. وسؤالهم عن تلك الصلوات وماذا يقولون فيها.
تُجيب سمر على سؤال الاختلاف في واقع المرأة السودانية، قبل الثورة وما بعده، حيث تقطع بأنّ الذي تغيّر إلى الآن هو الوجوه، لكن النظام السياسي - بحسب تعبيرها - ما يزال قائمًا، فنظام الإنقاذ لم يسقط بعد إلى الآن. وترى سمر أنّ النضال للتغيير لإسقاط النظام يجب أنْ يكون مستمرًا، عبر الأدوات السلمية؛ وليس عبر العنف، حتى يتحقّق كامل التغيير للسُودانيين بشكلٍ مجمل، وللمرأة السودانية لاستعادتها حقوقها على وجه التحديد. لتكون حُقوقًا متساوية للرجل. ويجب أنْ تكون على أساس المواطنة، وليس أساس النوع، والخلفية الاجتماعية أو الدينية، أو السياسية أو غيرها.
 




امرأة سودانية تسلم جندياً زجاجة ماء أثناء تجمع يطالب هيئة مدنية لقيادة عملية الانتقال إلى الديمقراطية ، خارج مقر الجيش في العاصمة السودانية الخرطوم في 12 أبريل  2019.

هذا بجانب مواصلة الضغط الخارجي على المجلس العسكري خارجيًا عبر مجلس الأمن، والأمم المتحدة، وغيرها، على سبيل المثال. 
ورغم الصورة المشرقة، التي رسمتها كلٌ من: دُرّة قمبو، ونبيلة كاشف، وميرفتْ حمد النيل، وسمر بُولس، إلا أنّهن يتفقنْ على أنّ ما ثارتْ لأجله المرأة من حقوقٍ، ومطالباتٍ لم يتحقق إلى الآن. ربما لظروف تخلّق الثورة، وعدم اكتمال مراحلها، أو ربما لظروف أخرى. لكنّهن لسنْ متفائلاتٍ بما حدث بشأنهن، لكن في ذات الوقتْ، لسن متفائلاتٍ. ويُبرّرن هذا الموقف الموضوعي والنفسي، بأنّ هناك - ما تزال - الكثير من العقباتْ، وأوّلها البِنية الذكورية للسودانيين. وتضربُ نبيلة بذلك مثلاً، بأنّ اللجنة التي تُفاوض المجلس العسكري، من قوى إعلان الحُريّة والتغيير «قوى الثورة»، بها سيّدة واحدة فقط، في محيطٍ رجالي كثيف.
وتُضيف دُرّة مثلاً آخر، وهو أنّ الهياكل القيادية لتجمّع المهنيين «الجسم المحرّك لثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018م»، ليس فيه سوى سيّدة واحدة فقط. وحتى هذه، ليستْ في لجان التفاوض، وإنّما في اللجنة التنسيقية. وهذا الأمر ينطبق على عددٍ وافرٍ من القوى السياسية السودانية، التي تُهمل - عمدًا - مشاركة المرأة. 
وتختم دُرّة بأنّهن كنساء ما زلنْ بعيداتْ عن التغيير المنشود، لكنهن سيُواصلن النضال إلى اكتماله.
فيما تعتقد ميرفتْ أنّها متفائلة بمستقبل المرأة ما بعد الثورة، وتستدلّ بأنّ النساء صِرن واعيات أكثر مما مضى، واكتسبن أدواتٍ نضالية جديدة، ولديهن اتجاهات حديثة في العمل، لإحقاقحقوقهن.


اشترك في النقاش