لماذا يصرّ باسيل على جولاته بين المناطق رغم تداعياتها السلبية شعبياً وسياسياً؟

جولات حبران باسيل توتر الأجواء في لبنان... وتجمد العمل الحكومي
* حبشي: نحن لا نبني إيجابية توسع قاعدتنا على سلبيات غيرنا
* الحجار: باسيل يتعمد استخدام بعض المفردات والمواقف التي تعود بلبنان لمرحلة ما قبل الطائف واسترجاع صلاحيات وكلام استفزازي يثير مشاعر الكراهية
* جبور: زيارات باسيل طبيعية جداً كونه رئيس أكبر تكتل نيابي ووزاري في لبنان ورئيس تيار وطني منتشر في كل المناطق وبين كل الطوائف

بيروت:في وقت بدأ لبنان يحضّر للاستحقاقات القادمة ويعدّ العدة لمؤتمر «سيدر» والإصلاحات المطلوبة منه من قبل الدول المانحة، جاءت زيارات وجولات وزير الخارجية جبران باسيل على المناطق اللبنانية لتشتت وتعرقل محاولات النهوض بالبلد والتي بحسب ما يقول العارفون هي آخر «خرطوشة»، إما النهوض وإما السقوط في القاع.
هي جولات وزيارات تأتي تحت عنوان «التلاقي والانفتاح على الآخر» بحسب الوزير باسيل وفريقه السياسي ولكن ما نراه على أرض الواقع مغاير تماما، إذ بدأت تداعيات هذه الزيارات بتوتير الأجواء حتى تفجّرت الأوضاع مع سقوط ضحايا وعدد من الجرحى، حيث اهتزّ جبل لبنان قبل أسبوعين بحادثة أمنية خطيرة سقط فيها قتيلان وجريحان تطورت إلى قطع طرق واحتجاجات واسعة كادت أن تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه بمشهد أعاد إلى الأذهان صور ‏الحرب المشؤومة التي كان شهدها الجبل عام 1983 وسقط فيها عشرات الآلاف من القتلى وخلّفت دمارًا هائلاً ما زال العمل جاريًا ‏حتى الآن لمحو آثاره.
 
الدستور يكفل حق التنقل والتعبير ولكن..
يقول معارضو جولات باسيل إنه صحيح أن الدستور كفل حرية التنقل والتعبير، لكن الخطورة هي في أجواء الاستفزاز والتحدي التي تثيرها جولات باسيل في بعض المناطق المعارضة لتياره ولخطابه السياسي، دون أن يُراعي الخصوصية الحزبية والسياسية لهذه المناطق لا سيما في الجبل الذي يدرك الجميع حساسية الوضع فيه. ولكن السؤال الأهم هنا هو: ما الهدف من هذه الزيارات؟، ولماذا يصرّ باسيل على التجوال بين المناطق على الرغم من تداعياتها السلبية شعبيا وسياسيا خصوصا أن لا وجود لاستحقاقات أو انتخابات نيابية تتطلب لقاءات وجولات شعبية على المناطق؟ وبالتالي لمصلحة من التلاعب بمصالحة الجبل واللّعب بنار الفتنة ونبش القبور؟ وهل المقصود إعادة إشاعة أجواء الحقد والكراهية بين المكونات اللبنانية؟
عضو تكتل الجمهورية القوية أنطوان حبشي، علّق على جولات الوزير باسيل بالقول: «كل وزير أو مسؤول لبناني له الحق بزيارة كافة المناطق على الأراضي اللبنانية وهذا حق مكتسب لباسيل مثل غيره، لكن في نفس الوقت المجتمع اللبناني مجتمع مركب وله خصوصيته التي على الوزير باسيل أخذها بعين الاعتبار لتكون زيارته مفيدة له وللبنان في الوقت الذي نراها فيه اليوم تخلق تشنجات وتوترات في كافة المناطق».
وفي حديث لـ«المجلة»، قال: «برأيي، على الوزير باسيل استعمال سبل التواصل أكثر واحترام الطرق الرسمية من خلال إعلام السلطات المحلية وتحديدًا البلديات والمرجعيات التي تؤمن توفير الأمكنة له (أمكنة اللقاءات مثل الذي حدث في طرابلس)»، مؤكدا على أن «احترام القانون بهذا الاتجاه والتواصل الإيجابي يعفي المواطنين من الإحساس بإلزامية فائض القوة أو الفوقية»، لافتا إلى أن «هذا التواصل الإيجابي يسهل الأمور على معالي الوزير ويعطي نتائج إيجابية».
وحول سؤالنا إذا كان ما يحدث من انعكاسات سلبية لزيارات باسيل يصب شعبيا في مصلحة القوات اللبنانية والأحزاب المسيحية الأخرى، قال حبشي: «نحن لا ننظر إلى الموضوع من هذه الزاوية لأننا لا نبني إيجابية توسع قاعدتنا على سلبية غيرنا، ونتمنى أن تكون هذه الزيارات ناجحة حتى يعم جو من الإيجابية في كل الوطن»، وتابع: «ولكن للأسف نمط الإعلام التوتاليتاري لا يمكنه أن يبني إلا على منطق الضحية، وبالإجمال عندما يقدم أي مسؤول الحجج المنطقية وأساليب النقاش التقني أو عرض الإنجازات يذهب إلى نبش القبور حيث لا مبرر لها وهي قبور أردنا وقررنا كلنا أن نتخطاها مع طي صفحة الماضي الأليمة».
وأضاف: «طالما أن معالي الوزير جبران باسيل لا يستطيع أن يهاجم الآخرين خاصة من أقرب الأقربين إليه، من الطبيعي أن يوجه الطاقة السلبية ضد القوات اللبنانية لمحاولة الدخول من هذا الباب في سبيل إعادة إحياء مسائل تخطيناها من خلال تفاهم معراب وطي صفحة الحرب عبر الطائف»، مؤكدا «هذه نقطة ضعف لا نتمناها له ونتمنى أن لا يبقي عليها في مضامين خطاباته بل أن يكون مضمون كلامه السياسي حقيقيا في التوجه للمواطنين. أما إذا أصر على تناول الماضي من زاويته الخاصة فإننا ندعوه إلى أن يمتلك جرأة تكوين لجنة لتنقية الذاكرة الجماعية تظهر تخطيات كل فريق إبان المرحلة السابقة وتدعو كل الأفرقاء للاعتذار إلى الشعب اللبناني، خطوة قامت بها القوات البنانية منفردة»، مشددا على أن «كل تصرف ما عدا ذلك أو العودة إلى خطاب الكراهية هي دليل على ضعف الجلاد الذي يبرر أفعاله عبر لعب دور الضحية».
وحول الانتفادات الموجهة لباسيل وفريقه السياسي بالتعطيل والمس بصلاحيات رئاسة الحكومة، ختم حبشي بالقول: «إذا كان هناك أي تعد على صلاحية رئيس الحكومة، فهو الوحيد الذي يستطيع تقدير هذا الموضوع والكلام عنه ووضع حد له».
 
جولة باسيل في طرابلس
وبينما كانت جبل لبنان تشيّع سامر أبي فراج أحد القتيلين اللذين سقطا، كان الوزير باسيل يجول شمالاً في زيارة أصر على القيام بها، مع تقديم موعدها يومًا واحدًا (بطلب من رئيس الجمهورية)، بدءًا من طرابلس التي شهدت اتصالات مكوكية بين قادتها وفاعلياتها السياسية والأمنية لضبط ردات الفعل التي ملأت فضاء مواقع التواصل الاجتماعي، تحسبًا لاستغلالها من أي طرف قد يرى الجو مناسبًا لتوظيفها في بازار تعكير الأمن لإحداث فتنة في المدينة على غرار ما جرى في الجبل.
ووسط انتشار كثيف للجيش اللبناني والقوى الأمنية في مدينة طرابلس، زار باسيل عاصمة الشمال. ووصل الوزير المثير للجدل قبل الظهر إلى معرض رشيد كرامي الدولي، وأدخل بسرعة إلى قاعة المعرض للقاء الكوادر ومنع دخول الإعلاميين وسط حضور شعبي متواضع. واقتصر الاعتراض الطرابلسي الشعبي على اعتصام سلمي نفذه المحتجون في ظل انتشار عناصر الجيش وقوى الأمن في المنطقة، معربين عن رفضهم لهذه الزيارة.
 
بعلبك
وقبل أحداث الجبل، وكذلك طرابلس، شهدت زيارة باسيل إلى بعلبك توترا، حيث انتشر تسجيل صوتي للّقاء الحواري الذي جمع باسيل مع عدد من أبناء المدينة خلال جولته، حيث وقع تلاسن بينه وبين إحدى السيدات على خلفية اتهامها رئاسة الجمهورية بعرقلة إصدار مرسوم تعيين الناجحين في مجلس الخدمة المدنية لصالح وزارة المالية بسبب ما يعتبره باسيل خللا طائفيا في النتائج متهمة التيار بأنه أكثر تيار طائفي.

 
ما بعد أحداث الجبل: تعطيل وعرقلة للحكومة

 




النائب محمد الحجار


 
أحداث الجبل انتقلت من الشارع إلى طاولة مجلس الوزراء، إذ انفجر الوضع سياسيا مع إصرار باسيل وفريقه السياسي إلى نقل ملف حادثة الجبل إلى المجلس العدلي، ما انعكس سلبا على الأجواء السياسية وأدخل البلاد في حالة جمود، وقد اشتعل التوتر السياسي في سابقة لم يعرفها لبنان من قبل مع إجراء الوزير باسيل اجتماعًا وزاريًا مصغرًا في وزارة الخارجية لوزراء تكتل لبنان القوي في موعد الجلسة المفترضة للحكومة، وبينما كان باسيل يجتمع بوزرائه بقي الرئيس الحريري و16 وزيرا بانتظار اكتمال نصاب جلسة مجلس الوزراء، لبدء الجلسة، ليقرر بعد ذلك الرئيس الحريري تأجيل موعد الجلسة ريثما يتم تنفيس الاحتقان. وهو ما رأى فيه البعض مؤشرا بالغ الخطورة لجهة الإساءة لمنصب رئاسة الحكومة وتعدياً على الصلاحيات.
عضو كتلة «المستقبل» النائب محمد الحجار، أكد لـ«المجلة» أن «الظرف الذي يمر فيه البلد والمنطقة بأسرها في ظلّ التحديات الكبيرة التي نعيشها بالداخل اللبناني والأزمات الاقتصادية والمالية والاجتماعية تحتم علينا التروي بالخطاب السياسي وأن يكون هادئا لا يؤدي إلى سجالات نحن بغنى عنها فالمطلوب اليوم خطاب فيه ترفّع عن المصالح الفئوية والحزبية ويصب في المصلحة الوطنية بدلا من تقاذف الاتهامات وتبادل الكراهيات والشحن وتوتير الأجواء».
كما لفت الحجار إلى أنه «لا يعلم سبب إصرار باسيل وغيره على وضع البلد بحالة توتر دائمة»، مشيرا إلى أنه «من الملاحظ بخطابات باسيل تعمّده استخدام بعض المفردات والمواقف التي تعود بلبنان لمرحلة ما قبل الطائف واسترجاع صلاحيات وكلام للأسف استفزازي يثير مشاعر الكراهية والنفور لدى الطرف الآخر وهذا الأمر يضر بالوضع العام ونرى تداعياته».
وفيما يتعلق بما حدث في الجلسة الحكومية الأخيرة، أكد الحجار على أن «الرئيس الحريري أكثر شخص في البلاد يدرك أهمية التهدئة وضرورة أن ينصب عمل الحكومة في معالجة الأولويات التي تم وضعها في البيان الوزاري الذي أتى على مجموعة أولويات تم التوافق على معالجتها إن كان على صعيد الإصلاحات المالية والقطاعية والهيكلية المطلوبة من الدولة وما يتعلق باستثمارات سيدر وغيرها وهو ما لا يمكن معالجته إلا في مجلس وزراء إلا أنه حتى الآن لم يتسنّ له القيام بالمطلوب منه في هذا الاتجاه».
كما شدد الحجار على أن «رأينا واضح فيما يتعلق بحادثة قبرشمون التي نتج عنها قتلى وجرحى، حيث من المفترض أن يترك هذا الملف للتحقيق، والقضاء هو من يبت في القضية ويبين الحقيقة، وبالتالي تحويل القضية إلى المجلس العدلي»، مشيرا إلى أن «محاولة تعطيل مجلس الوزراء وأخذه رهينة كي يربح هذا الطرف السياسي أو يحقق مكاسب أكثر وأكثر هو قمة اللاعقلانية لأن مشاكل الناس والوضع الاجتماعي والاقتصادي أهم بكثير من المصالح الخاصة وتحصيل مكاسب فئوية لا سيما أن البلد على شفير الهاوية».
وشدّد الحجار: «من هنا نحن نقول: إن الرئيس الحريري رأى الاجتماع الذي حصل في وزارة الخارجية كما أن النصاب في مجلس الوزراء كان يسمح بانعقاد الجلسة إلا أن في حال حصلت الجلسة كانت ستتفجر الأمور بسبب السجالات حول حادثة قبرشمون لذا ارتأى الرئيس الحريري تأجيل الجلسة وهو قرار حكيم وهو لا يزال حتى اليوم على قراره أنه إذا لم يكن هناك توافق لن يدعو إلى جلسة وفي حال أراد أحدهم وضع الشروط لن ينعقد مجلس الوزراء لأن أحدا لا يستطيع أن يفرض على رئيس الحكومة أي بند على جدول أعمال الجلسة».
 
التيار الوطني الحرّ: جولات باسيل طبيعية لكن ثمة أشخاص تخاف من الكلمة

 




رندلى جبور

استغربتْ عضوة المكتب السياسي في التيار «الوطني الحر»، رندلى جبور، السؤال عن الهدف من جولات يقوم بها مسؤول سياسي على كافة المناطق اللبنانية فيما لا يُسأل عن سبب حمل بعض الجهات السلاح حتى اليوم وأيضا ما السبب كي يستفز البعض من هذه الزيارات ولماذا هناك أشخاص تخاف من الكلمة».
كما أكدت جبور على أن «زيارات الوزير باسيل طبيعية جدا كونه رئيس أكبر تكتل نيابي ووزاري في لبنان ورئيس تيار وطني منتشر في كل المناطق وبين كل الطوائف، وبالتالي أقل واجب أن يقوم بجولات على هذه المناطق وأن يزور رعيته ويخاطب الناس».
هذا وتأسفت جبور على أنه «في لبنان لا يزال الفكر الإقطاعي يسيطر علينا... نعتقد أن المسؤول عليه فقط أن يبقى في قصره والناس هم من يأتون إليه كي يطلبوا الخدمات»، ولفت إلى أننا «في التيار لدينا عقلية مختلفة عن سائر الأحزاب اللبنانية، التيار الوطني هو من يقصد ناسه ولا يجب أن يكون هناك أي منطقة مغلقة على أي مسؤول كان».
وردا عما يقال عن خطابات فتنوية واستفزازية لباسيل، قالت جبور إن «نصوص خطابات الوزير باسيل لا تحتوي على أي أمر استفزازي، لكن إذا كان هناك شخص استذكر حدثا تاريخيا اعتبر فيه أن الشرعية اللبنانية آنذاك صمدت وسجلت عملا بطوليا وبالتالي لا ذنب لنا أنهم يخجلون من تاريخهم، والوزير باسيل لم يقم سوى بتوجيه تحية لأهالي الكحالة الذي صمدوا ودعموا الشرعية نحن لا نخجل من تاريخنا ولكن في الوقت نفسه نحن لا ننبش الماضي إنما هذه الواقعة تم ذكرها مرور الكرام وسائر الخطاب استند إلى موضوع التلاقي والانفتاح ومدّ اليدّ».
وفي الختام رأت جبور أن «الحملة الموجهة ضدّ باسيل هي بسبب رفض البعض للنهج الجديد الذي يرسيه الوزير بطريقة التعاطي، فهم اعتادوا منذ اتفاق الطائف حتى اليوم على حكم البلد بطريقة استئثارية وتقسيم المناطق والطوائف بحسب كل زعيم ولكن جاء التيار اليوم ليقول: «هذا النهج مرفوض... ويؤكد على الشراكة بين كل اللبنانيين على كافة أرض الوطن»، وتابعت: «أعتقد أن إرساء الشراكة وإعادة المسيحيين إلى شرايين الدولة تستفز وتزعج الكثيرين إضافة إلى مكافحة الفساد فضلا عن القانون النسبي الذي أعاد كل فريق إلى حجمه الحقيقي».
على الرغم من محاولات الإنعاش وامتصاص الاحتقان، لكن هل المقصود من إشاعة الأجواء المتشنجة تعطيل البلاد والعرقلة...


اشترك في النقاش