الجزائريون يتمسكون بالتغيير... وحوار سياسي مرتقب

مبادرات للسلطة تنتظر رأي الحَرَاك
* أكد بن صالح أن المؤسسة العسكرية لن يكون لها أي علاقة بالحوار السياسي، والهدف إبعاد أي سوء فهم، فكل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش، لن تكون طرفًا في هذا الحوار وستلتزم بأقصى درجات الحياد
* المتابعون لخطاب بن صالح رأوا فيه مؤشرًا واضحًا على تمسك السلطة بالمخارج الدستورية للأزمة، بتفادي الشغور في مؤسسات الدولة وأبرزها رئاسة الجمهورية
* من الانتقادات التي طالت منتدى الحوار تغافل منظميه عن مطلب رحيل الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح الذي انتهت فترة ولايته وفقا للدستور في التاسع من يوليو الجاري
 

الجزائر: مثلما كان متوقعا، لم تكن احتفالات ذكرى الاستقلال لهذا العام بالجزائر المصادف ليوم الخامس من يوليو (تموز)، من كل عام، مثلما كانت في سابق عهدها، بل كانت حدثا ويومًا بارزًا عبّر فيه مئات الآلاف من الجزائريين في الشوارع عن تمسكهم بتغيير النظام، وتحقيق كل مطالب الحَرَاك الذي انطلق في الثاني والعشرين من فبراير (شباط) الماضي.

فلأول مرة، ومنذ استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1962. كان احتفال الجزائريين مبهرا ومؤثرا على وقع شعارات تتغنى وتمجد الحرية، فبعد أن كانت احتفالات الخامس من يوليو 1962 على وقع فرح الجزائريين بمناسبة استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي، فقد كانت احتفالات هذا العام احتفاء بانتهاء حكم الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة الذي اضطر لتقديم استقالته على وقع احتجاجات الشارع في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي، لينهي بذلك حكمًا دام عشرين عامًا.

ورغم دعوات متكررة بعدم الخروج للتظاهر في هذه المناسبة من طرف نشطاء يساندون الجيش، ويعتبرون أن الحراك حقق هدفه بذهاب بوتفليقة ومحاكمة رموز من نظامه، إلا أن تلك الدعوات فشلت، بل وعلى العكس، كانت مسيرات الجمعة الماضي الأضخم منذ بداية الحَرَاك، وشهدت العاصمة الجزائر ومختلف المدن الكبرى مسيرات حاشدة رغم الحرارة الشديدة، حيث رفع المتظاهرون شعارات تطالب برحيل من تبقى من رموز النظام، أبرزهم رئيس الدولة عبد القادر بن صالح، والوزير الأول نور الدين بدوي.

وقبل الجمعة بيومين، وليلة الأربعاء تحديدًا، أطلّ الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح بخطاب للجزائريين في محاولة منه لتطمين الشارع، وعلى عكس خطاباته السابقة فقد حمل الخطاب الأخير مقترحات وآليات محددة للخروج من حالة الانسداد السياسي الذي وقعت فيه البلاد بعد استقالة بوتفليقة، حيث اقترح إسناد مهمة الحوار الوطني لشخصيات وطنية وتاريخية، وفي السياق قال بن صالح «الحوار ستعهد قيادته وتسييره إلى شخصيات وطنية مستقلة ذات مصداقية دون انتماء حزبي وتحظى بشرعية تاريخية وسياسية وأكاديمية، وليس لها أي طموح انتخابي»، مشيرًا إلى أن «هيئة الحوار ستكون لها سلطة معنوية وكامل الحرية في استدعاء المكونات السياسية والمدنية والشعبية إلى الحوار، وفي مناقشة كامل القضايا المرتبطة بآليات تنظيم الانتخابات الرئاسية المقبلة».

وأكد بن صالح أن المؤسسة العسكرية لن يكون لها أي علاقة بهذا الحوار، والهدف حسب حديثه «إبعاد أي سوء فهم، فإن كل مؤسسات الدولة بما فيها الجيش لن تكون طرفًا في هذا الحوار وستلتزم بأقصى درجات الحيادوستكتفي فقط بوضع كل الوسائل اللوجستية اللازمة لإنجاح هذا الحوار».

وبخصوص الحوار السياسي المرتقب، أكد بن صالح أنه سيكون حول آليات تنظيم الانتخابات الرئاسية المقبلة وموعدها والظروف الواجب توفرها، وحول الهيئة المستقلة التي سيعهد إليها بتنظيم العملية الانتخابية ومراقبتها وكيفية تسيير هذه الهيئة وتحديد مهامها وصلاحياتها وطريقة سير عملها وتركيبتها، وباختيار الشخصيات التوافقية التي ستديرها.

كما أشار إلى أن الهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات التي ظلت أبرز مطالب قوى المعارضة خلال السنوات الأخيرة ستكون مستقلة ماليًا، وسيكون لها ممثلون على مستوى الولايات والمقاطعات الانتخابية للجالية بالخارج.

المتابعون لخطاب بن صالح رأوا فيه مؤشرًا واضحًا على تمسك السلطة بالمخارج الدستورية للأزمة، بتفادي الشغور في مؤسسات الدولة وأبرزها رئاسة الجمهورية، لذلك تعتبر أن العملية الانتخابية هي الوسيلة الوحيدة والواحدة للخروج من الوضع الحالي، ما يعني رفضها المطلق لدعوات تطالب بضرورة الذهاب لمرحلة انتقالية أو الذهاب لمجلس تأسيسي.

مبادرة بن صالح كانت محل تباين من طرف الطبقة السياسية ونشطاء الحراك، وفي بيان موقع من رئيس الحكومة الأسبق والرئيس الحالي لحزب «طلائع الحريات» المعارض علي بن فليس، أكد أن «المكتب السياسي للحزب يرى أن موضوع الحوار يجب أن يتمحور حول تجميع، من دون أي تأخر، الشروط السياسية والدستورية والقانونية لضمان استحقاق رئاسي لا يشوبه أي شك أو شبهة، ويضمن للشعب الممارسة الحرة لاختياره دون الخوف من تشويهه أو تحويله».

وبينما ثمنت «حركة مجتمع السلم» - حزب إسلامي - كل دعوة للحوار للخروج من الأزمة والوصول إلى التوافق الوطني، إلا أنها اشترطت أن «يكون الحوار جادا ومسؤولا وصادقا وملزما وغير مميع، وأن يكون الهدف هو تحقيق الانتقال الديمقراطي الذي يبدأ بالانتخابات الرئاسية الشفافة والنزيهة في أجل معقول غير بعيد».

في حين عبّر «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» رفضه القاطع للدخول في أي حوار مع السلطة، متمسكا بضرورة الذهاب إلى مرحلة انتقالية قبل أي انتخابات رئاسية.

وتأتي المبادرة السياسية الجديدة لبن صالح في أعقاب فشل مبادرتين سابقتين طرحهما إذ أخفق في إقناع القوى السياسية المعارضة بالمشاركة في ندوة حوار جرت في 23  أبريل الماضي، كما منيت بالفشل دعوة ثانية للحوار طرحها في الثامن من يونيو (حزيران) الماضي.

وعلى أهمية المبادرة الجديدة، إلا أنها حملت في طياتها مجموعة من التحديات وعلامات الاستفهام، حيث إن بن صالح لم يقدم الأسماء التي ستكون مشرفة على الحوار الوطني المنتظر، كما أنه تجاهل مطلب الحراك الأساسي وهو رحيله كرئيس دولة مؤقت انتهت فترة ولايته دستوريا في التاسع من يوليو الجاري، إلى جانب رحيل الوزير الأول نور الدين بدوي، وطاقم حكومته قبل بداية أي حوار مع السلطة.

خطاب بن صالح جاء قبل يومين فقط من لقاء هام جمع أحزاب المعارضة فيما سمي «منتدى الحوار الوطني»، والذي شارك فيه نحو 11 حزبا سياسيا، ونحو 30 منظمة مجتمع مدني بمختلف أطيافها وتوجهاتها، وشارك في المؤتمر أزيد من 700 شخصية من رؤساء أحزاب وممثلي المجتمع المدني وشباب الحراك الشعبي، وخرج المنتدى بستة مقترحات لتنظيم الانتخابات الرئاسية المقبلة، أبرزها تعويض رموز النظام التي ما زالت على رأس مؤسسات الدولة بشخصيات توافقية، مع تعيين حكومة كفاءات لتحضير انتخابات رئاسية حرة وشفافة في آجال معقولة، وإنشاء لجنة وطنية توافقية لصياغة الإطار القانوني للهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات، مع إبعاد كل المسؤولين المتورطين في الفساد خلال حكم النظام البائد وأولئك الذين دعوا للعهدة الخامسة ودعموها، من تسيير وتحضير الانتخابات الرئاسية المقبلة.

وبالمقابل شدد المنتدى على أن يُسيّر الحوار من طرف هيئة توافقية مستقلة، وعلى أن يُفتح الحوار لكل من لم يساند الدعوة للولاية الخامسة لبوتفليقة أو حاول تمديد العهدة الرابعة له.

ورغم أن كثيرين كانوا يعتبرون أن هذا المنتدى يشكل فرصة كبيرة للرد على المبادرة السياسية التي أطلقها الرئيس عبد القادر بن صالح، إلا أن غياب أسماء وازنة في المشهد السياسي الجزائري مثل أحمد طالب الإبراهيمي ورؤساء الحكومة السابقين أحمد بن بيتور، ومولود حمروش، والمحامي والحقوقي مصطفى بوشاشي، إلى جانب مقاطعة أحزاب جبهة القوى الاشتراكية أحد أقدم الأحزاب المعارضة في الجزائر إلى جانب حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، أمر قلل من أهمية المنتدى، على اعتبار أن الشخصيات السابقة البعض منها كان مقترحا لإدارة المرحلة المقبلة، وبالتالي غيابها عن هذا الحدث السياسي قلل من أهميته وجدواه.

وأكثر مما سبق، لم تمر ساعات قليلة على انتهاء هذا المنتدى حتى بدأت الخلافات بين قيادات المعارضة تطفو إلى السطح، بعد حديث البعض عن عدم تمكينهم من الاطلاع على البيان النهائي للمنتدى، كما انتقد البعض إسقاط مطلب رحيل بن صالح من هذا البيان على اعتبار أنه مطلب أساسي وهام للحراك، ما سبق يفسر عدم توافق المعارضة بشأن مخرجات الندوة، وكثيرون منهم اعتبروها مجرد تدوير لمقترحات بن صالح.

المنسق الوطني لـ«الحركة الديمقراطية الاجتماعية» فتحي فراس أكد أن «الشعب الجزائري حينما خرج في الثاني والعشرين من فبراير الماضي رفع شعار القطيعة مع النظام، وأن الشعب بعد هذا التاريخ دخل مسارا ثوريا، وأن أي تسوية مع النظام تعتبر موقفا معاديا للإرادة الشعبية»، وهذا ما يسمى على حد تعبيره بـ«الثورة المضادة».

الشعب الجزائري، يضيف غراس لـ«المجلة»، يريد «الذهاب إلى عهد جديد، ويقطع العلاقة مع ممارسات النظام القائمة في الاقتصاد على ممارسات النهب والفساد، بينما الشعب يسعى لاقتصاد منتج، وفي السياسة ممارسات قائمة على الظلم، بينما الشعب ينشد دولة الحق والقانون والحريات».

الجزائر الجديدة التي ينشدها الجزائريون لا تتحقق حسب غراس إلا «برحيل جميع رموز النظام ومحاسبتهم، تطبيقا وتجسيدا لشعار الثورة (يروحوا قاع) أي يرحلوا جميعا». وذلك لا يتحقق برأيه إلا «بالذهاب لمرحلة انتقالية من أجل بناء مؤسسات انتقالية جديدة»، لذلك يرى أن «المسار الانتقالي التأسيسي هو الوحيد الذي يتناغم مع مسار الثورة الشعبية الجزائرية»، وأي «مبادرة برأيه تحت هذا السقف هي ثورة مضادة».

لذلك اعتبر أن «خطاب الرئيس بن صالح غير جاد لأنه يعتبر أن الأزمة أزمة شغور في منصب الرئاسة، في حين أن الأزمة والمشكل أعمق من ذلك بكثير لأنها أزمة نظام بأكمله وليست أزمة شخص فقط».

غراس شن هجومًا حادًا على المشاركين في ندوة حوار 6 يوليو للمعارضة حينما قال إن «مقترحاتهم لا تختلف عما تقدمه السلطة في شيء». بل أكثر من ذلك اعتبر أن «الندوة بمخرجاتها محاولة لإنقاذ النظام، حينما حصروا مسببات الأزمة الاقتصادية والأمنية والسياسية في عهد بوتفليقة فقط، في حين أن الأزمة لها جذور تمتد لسنوات الثمانينات والتسعينات».

ويعدُ مطلب الإفراج عن معتقلي الرأي الذين تم سجنهم منذ بداية الحراك بتهم متعددة وأبرزهم المجاهد المعروف لخضر بورقعة أحد أبرز مطالب النشطاء والمعارضين قبل بداية أي حوار مع السلطة.

وفي الطرف الآخر ثمنت «حركة مجتمع السلم» أحد الأحزاب المشاركة في منتدى حوار المعارضة الأرضية الشاملة التي انبثقت عنه، والحضور الذي وصفته في بيان لها نشر عبر موقعها الرسمي بـ«المميز والمتنوع ومن حيث قدرة الأحزاب والشخصيات ومنظمات المجتمع المدني على التحاور والتشاور والتوافق كسلوك حضاري ضروري للخروج من الأزمات».

ويعتقد الحزب أن أرضية المنتدى التي صادقت عليها لجنة الرؤية ووافقت عليها الجلسة العامة «خريطة طريق جماعية عملية وواقعية للخروج من الأزمة وهي تلقي مسؤولية كبيرة على السلطة الفعلية للتعامل معها إيجابيا».

من جانبه، يرى الطاهر بن بعيبش رئيس «حزب الفجر الجديد» وأحد المشاركين أيضا في منتدى حوار المعارضة في تصريح خصّ به «المجلة» أن «الطرح الذي تبناه المنتدى كان محل نقاش بالنسبة لمجموعة من الأحزاب السياسية والشخصيات المعارضة على مدار عدة أسابيع أخيرة، ومنذ بداية الحراك الشعبي».

ورفض بن بعيبش الحديث الذي يقول إن مخرجات المنتدى مجرد تدوير لمقترحات السلطة التي نقلها الرئيس عبد القادر بن صالح، ودليل ذلك أن تلك المخرجات تضمنتها مختلف البيانات السابقة للأحزاب المشاركة في المنتدى بعد اجتماعاتها الماراثونية التي تجاوز عددها 13 اجتماعا بمعدل اجتماع كل أسبوع.

بن بعبيش وإن اعتبر مبادرة بن صالح إيجابية، إلا أنه سجل جملة مآخذ عليها أبرزها عدم تسمية أشخاص بعينهم لإدارة الحوار الوطني حتى يمنح الفرصة للحراك والمعارضة بإبداء رأيهم في الموضوع ومناقشة الأمر، كما أن بن صالح كان عليه برأيه أن «يعلن عن إقالة حكومة بدوي كخطوة تبين حسن النية من طرف السلطة وتطمئن الشارع»، لأن اسم الرجل، يتابع: «مرتبط بالكثير من الملفات الثقيلة أبرزها تزوير الانتخابات وتزوير استمارات الترشح لبوتفليقة خلال نيته الترشح في الانتخابات السابقة التي تم إلغاؤها بسبب الحراك».

وبخصوص الانتقادات التي طالت منتدى الحوار تغافل منظميه عن مطلب رحيل الرئيس المؤقت عبد القادر بن صالح الذي انتهت فترة ولايته وفقا للدستور في التاسع من يوليو الجاري، وحديث عن إمكانية وجود اتفاقية بين السلطة والمعارضة بخصوص المرحلة المقبلة، يؤكد بن بعيبش أنه «لا يوجد أي تفاوض أو اتفاقية بين السلطة والمعارضة»، لكن الذي حدث على حد تعبيره هو أن «المعارضة وخلال اجتماعاتها التي ترافق الحراك درست الواقع والمستجدات في المشهد السياسي، ووصلت إلى نتيجة تقول فيها إن بقاء بن صالح لا يطرح إشكالاً لأنه خلال خطابه الأخير أعلن انسحابه من رعاية الحوار المنتظر، كما أعلن انسحاب الدولة من ترتيبات المشهد السياسي المقبل، من خلال تعهده بتعيين شخصيات مستقلة لإدارة الحوار، وتشكيل هيئة مستقلة لتنظيم ومراقبة الانتخابات، وأن دور الدولة يقتصر فقط على توفير الوسائل والظروف اللوجستية فقط، لأجل ذلك أعلنت الأحزاب المعارضة تمسكها بضرورة رحيل الحكومة، وبعد رحيلها وتشكيل الهيئة المستقلة للانتخابات سنوفر كل الأجواء التي تضمن انتخابات نزيهة أهمها تحييد الإدارة عن تنظيم الانتخابات».

وعن التحديات المرتبطة باختيار أسماء محددة لإدارة ندوات الحوار الوطني أكد بن بعيبش أن المعارضة لا تعتبر هذا الأمر معضلة، وأنها قادرة على اقتراح الكثير من الأسماء لقيادة هذا الحوار، تتمتع بالصفات المطلوبة، وأبرزها أن تكون نظيفة وغير متورطة في قضايا فساد، وأنهم الآن ينتظرون رد فعل السلطة تجاه مخرجات الندوة حتى يتم اتخاذ القرارات المقبلة وفقا لذلك.


اشترك في النقاش