هل ترغب إيران في المواجهة؟

* تحاول إيران تحذير الأوروبيين. وهي تحتاج أوروبا بشدة للتخفيف من أزمتها الاقتصادية، واتخاذ موقف دبلوماسي أكثر صرامة لإنقاذ الاتفاق وتخفيف العقوبات
* سمحت روسيا لإسرائيل بتدمير جزء كبير من البنية التحتية الإيرانية في سوريا، ولم يرد «حزب الله» تاركًا الجيش السوري بمحاولاته الضعيفة

واشنطن: أصدرت إيران إعلانًا بداية الشهر الجاري بأنها تجاوزت الحد الأقصى لليورانيوم منخفض التخصيب الذي تستطيع تخزينه بموجب الاتفاق النووي المبرم عام 2015. على الرغم من أن هذا الإعلان من الجهة التقنية لا يُعد تصعيدًا كبيرًا، فإن رسائله ونتائجه قد تكون كبيرة.
صرح وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف بأن خطوة تخزين اليورانيوم بتجاوز الحد المقرر بثلاثمائة كيلوغرام المنصوص عليه في الاتفاق تبعث تحذيرًا إلى أوروبا. وأشار إلى أن إيران قد تخفض أيضًا التزامات أخرى وقعت عليها إذا لم تبدأ أطراف أخرى – يقصد بها الأوروبيين – في أداء ما عليها من التزامات بموجب الاتفاق.
تلعب إيران بالنار حقًا كما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولكن لا يبدو أن النظام لديه خيار في الأمر. إذا لم يستجب الإيرانيون لحملة «الضغوط القصوى» التي تشنها أميركا، فسوف ينهار اقتصادهم، وعندما يردون، سواء عسكريًا أو بقرارات تنتهك الاتفاق النووي، فسيخاطرون بفقدان الدعم الأوروبي، أو الأسوأ من ذلك، بحرب قد تؤدي إلى خسارتهم وربما إبادة ميليشياتهم في المنطقة.
 
لماذا تلجأ إيران إلى التصعيد؟
تحاول إيران في الأساس تحذير الأوروبيين. وهي تحتاج أوروبا بشدة للتخفيف من أزمتها الاقتصادية، واتخاذ موقف دبلوماسي أكثر صرامة لإنقاذ الاتفاق وتخفيف العقوبات. بيد أن النظام يسعى أيضًا إلى أن يبعث برسالة إلى واشنطن.
حتى وقت قريب، كانت استراتيجية إيران هي قبول الضربات التي تسببت بها العقوبات والعزلة الدبلوماسية، والانتظار حتى الانتخابات الرئاسية الأميركية في عام 2020. على أمل أن تغادر إدارة ترمب الساحة. في الوقت ذاته، يحاول الإيرانيون الحفاظ على الاتفاق، آملين في أن يبدأ الأوروبيون في الوفاء بما وعدوا به من إنقاذ اقتصادي.
لا يبدو أن هذا سينجح، ويبدو أن إيران قررت تغيير الاستراتيجية. لم تف أوروبا بوعودها. وزادت العقوبات الأميركية، ولا يبدو أن إدارة ترامب ستعيد النظر في اتخاذ نهج مختلف.
بدأت إيران باختبار ردود الفعل الأميركية باستخدام عملائها في اليمن (الحوثيين) لشن هجمات متعددة ضد السعودية، ثم استهدفت ناقلات نفطية في مضيق هرمز، وأخيرًا أسقطت طائرة درون أميركية. وبعد كل حادث، توقع كثير من المراقبين ردًا عسكريًا من إدارة ترامب، لا سيما بعد إسقاط الدرون. ولكن لم تختر الولايات المتحدة ضرب إيران أو أي من منشآتها العسكرية المتورطة في هذه العمليات.
بالنسبة لترامب، ترغب إيران في استدراج الولايات المتحدة إلى ضربة عسكرية، أملاً في أنها لن تكون كبيرة، ولكنها ستكفي للإضرار بترشح ترامب للرئاسة في 2020. يعرف النظام الإيراني أن الحرب ليست مقبولة في الرأي العام الأميركي، وقد يؤدي استدراج ترامب إلى رد عسكري إلى عواقب وخيمة على فرص ترشحه.
رفضت إدارة ترامب الرد عسكريًا، ولكنها ردت بطرق أخرى. بعد وقوع الحادث مباشرة، تم فرض عقوبات أخرى، منها عقوبات ضد المرشد الأعلى نفسه. بالإضافة إلى ذلك شنت الولايات المتحدة هجمة سيبرانية ضد إيران.
استهدفت الولايات المتحدة فريقا استخباراتيا لديه علاقات مع الحرس الثوري الإيراني أو هو جزء منه. وفيما يبدو أن هذا الفريق له صلة بالهجمات التي استهدفت ناقلات النفط في المنطقة. وبحسب ما ورد في تقارير إعلامية، تسبب الهجوم في إصابة القيادة العسكرية الإيرانية ونظام التحكم فيها بالشلل. وأفادت تقارير أخرى باستهداف نظم التحكم الصاروخي الإيرانية.
فشلت إيران في استدراج أميركا إلى إجراء عسكري، ولكنها واجهت ردًا. في الوقت ذاته، يبدو أن إيران هي الطرف الوحيد الذي يعتمد على تكتيكات عسكرية تؤدي إلى وقوع ضحايا. وبالتالي يزيد النظام في طهران من صعوبة الأمر على أوروبا كي تحافظ على صبرها وتلتزم بالاتفاق النووي.
ربما يصل الأوروبيون إلى مرحلة ينفد فيها صبرهم. وحينها سوف تفشل كل مساعي إيران للتفريق بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين إذا استمرت إيران في استخدام تكتيك الاستفزاز. ربما يقرر الأوروبيون في نهاية الأمر الانضمام إلى حملة «الضغوط القصوى» التي تمارسها واشنطن واتخاذ موقف ضد إيران.
 
الحرب في كل مكان
بينما تختبر إيران الحدود الأميركية، وتحذر الأوروبيين، يتعرض وجود إيران وعملياتها في المنطقة إلى ضربات على نحو مختلف.
أصدر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أمرا لقوات الحشد الشعبي بوجوب الانتهاء من اندماجهم في الجيش العراقي بحلول يوليو (تموز) 2019. وصرح بأن قوات الحشد الشعبي يجب أن تغلق مكاتبها الاقتصادية وتبتعد عن المصالح خارج الجيش، وتجمد علاقاتها مع القادة السياسيين وتتخلى عن أسماء ميليشياتها. وكان مقتدى الصدر أول من وافق على دعوة رئيس الوزراء.
جاء هذا القرار بعد الاشتباه في أن الهجوم الذي استهدف البنية التحتية النفطية السعودية في مايو (أيار) مصدره العراق. بالإضافة إلى ذلك، توجد مخاوف من أن كتائب «حزب الله» متورطة في اقتحام سفارة البحرين في بغداد في 27 يونيو (حزيران).
ومع أنه من المبكر معرفة ما إذا كانت هذه الخطوة جادة من طرف عبد المهدي وما إذا كانت بقية قوات الحشد الشعبي ستؤيد هذا القرار، يحمل القرار ذاته عدة رسائل. حتى إن لم تتفكك الميليشيات التي تدعمها إيران في العراق ولم تنضم إلى الجيش العراقي، سيكون من الصعب على إيران استغلال العراق كقاعدة لمهاجمة المصالح الأميركية والخليجية في المنطقة.
وفي ليلة الأول من يوليو (تموز)، استهدفت إسرائيل عشر منشآت تابعة لإيران و«حزب الله» في سوريا، مما أسفر عن مقتل 16 من قواتهما. وكانت تلك واحدة من أكبر الهجمات التي شنتها إسرائيل في الأعوام الأخيرة. ويثير التوقيت الاهتمام؛ حيث جاءت الضربة بعد أيام من عقد اجتماع في تل أبيب بين مستشاري الأمن القومي الأميركي والروسي والإسرائيلي. وتوضح التقارير التي وردت بشأن توزيع المواقع التي تم ضربها أن إسرائيل استهدفت البنية التحتية لإيران في سوريا، وهي سلسلة لوجيستية تمد «حزب الله» بأسلحة متقدمة وتربط بين إيران ولبنان عن طريق سوريا.
لم يكن هذا ليحدث دون تنسيق وثيق مع الروس. وفي هذه المرة. لم يعمل النظام الصاروخي أرض جو إس–300 الذي قال الروس إنهم سلموه للجيش السوري. ومن جانبه، أطلق الجيش السوري مجموعة من صواريخ إس-200 ردًا على الهجوم، سقط أحدها على قبرص التركية.
وسمحت روسيا لإسرائيل بتدمير جزء كبير من البنية التحتية الإيرانية في سوريا، ولم يرد «حزب الله» تاركًا الجيش السوري بمحاولاته الضعيفة. وإذا كان هذا يعني شيئا، فهو أنه حتى إذا أرادت إيران الرد على العقوبات الأميركية، فلن يمكنها سوى شن هجمات محسوبة وضعيفة، لأن إيران لن تستطيع تحمل تكلفة الدخول في حرب مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة. ولا يمكن أن تغير هذه الهجمات الوضع الراهن، ولن تمنع الولايات المتحدة من زيادة الضغط على إيران، وسوف تجعل إيران تبدو يائسة.
ولكن الأكثر أهمية هو أن إيران ستفقد الدعم الأوروبي لاتفاقها النووي، وهو ما سوف يدفع بها إلى مزيد من العزلة. فخيارات إيران محدودة، ومستقبل النظام لا يبدو مُشرقًا.