كولومبيا... تحديات داخلية وخارجية

بعد 10 شهور من تولى إيفان دوكي السلطة لولاية رئاسية واحدة تنتهي بحلول عام 2022
* استضافة كوبا لبعض قادة جيش التحرير الوطني أدت إلى إثارة التوترات بين البلدين. 
* ترى كولومبيا أن الحكومة الكوبية تلعب دورًا حيويًا في بقاء نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، وهو النظام الذي تسعى كولومبيا إلى الإطاحة به.
* خلال حملته الانتخابية، تعهد دوكي بتعديل بعض بنود اتفاق السلام الذي وقعه الرئيس السابق مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)
* مساعي دوكي لتعديل اتفاق السلام تواجه معارضة من قبل بعض مؤسسات الدولة ومن بينها المحكمة الدستورية التي رفضت التغييرات التي اقترحها الرئيس
* خلف الصراع المسلح الذي شهدته كولومبيا على مدار ما يقرب من نصف قرن، خسائر بشرية ضخمة، تقدر بنحو 220 ألف قتيل
* تُعد حوادث العنف في كولومبيا نتيجة لفراغ السلطة الذي خلفته فارك، والذي ولد حالة من الصراع بين مختلف الجماعات المسلحة التي تتنافس على السلطة
* على الرغم من فوز دوكي بفارق 12 نقطة مئوية، فقد عكست نتائج الانتخابات استقطابًا جغرافيًا شديدًا
* يُعد اقتصاد كولومبيا ثالث أقوى اقتصاد في أميركا اللاتينية، بإجمالي ناتج محلي بلغ 314 مليار دولار عام 2017. وفقًا لبيانات البنك الدولي
* ثمة تحديات تواجه الاقتصاد الكولومبي، حيث فقدت العملة الوطنية (البيزو) 15 في المائة من قيمتها، خلال شهر مايو 2019
 

في 17 يونيو (حزيران) 2018، فاز إيفان دوكي، من حزب المركز الديمقراطي اليميني، في الانتخابات الرئاسية في كولومبيا، بعد تغلبه على منافسه المرشح اليساري وعمدة بوغوتا السابق غوستافو بيترو، بـ54 في المائة مقابل 42 في المائة، ليحصد دوكي بذلك نحو 10 مليون من أصوات الناخبين، بينما أيد منافسه ما يقرب من 8 ملايين ناخب. وتُعد كولومبيا واحدة من أكثر الدول المحافظة في أميركا اللاتينية، كما يُمثل انتصار دوكي استمرارًا للانتصارات التي حققها اليمين المتطرف في كولومبيا على مدار العقود الماضية.
وتولى دوكي السلطة في أغسطس (آب) 2018 لولاية رئاسية واحدة تنتهي بحلول عام 2022، في ظل ظروف سياسية واجتماعية صعبة تواجه كولومبيا، التي تمر بمرحلة حرجة من إعادة البناء بعد عقود من الصراع المسلح. علاوة على التحديات الإقليمية الهائلة التي تفرضها الأزمة في فنزويلا، على كولومبيا التي تعتبر أقرب جار لفنزويلا، إضافة إلى بعض المشكلات التي تعوق تطور العلاقات الكولومبية مع الولايات المتحدة، وكذلك التوترات التي تشوب علاقاتها مع بعض الدول الكبرى والإقليمية.
وفي ضوء ما سبق، يستعرض هذا التقرير أبرز التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها إدارة الرئيس دوكي، مع التركيز على الجهود والإجراءات التي اتخذتها لمواجهة هذه التحديات، وكذلك تقييم مدى فاعلية تلك الجهود.


 
أولاً: التحديات على الصعيد الداخلي
1 - تنفيذ اتفاق السلام: خلال حملته الانتخابية للرئاسة، تعهد دوكي بتعديل بعض بنود اتفاق السلام الذي وقعه الرئيس السابق خوان مانويل سانتوس، مع القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، وهي جماعة يسارية متمردة، في عام 2016. وهذا الاتفاق الذي تعهد بموجبه المتمردون بتسليم أسلحتهم ونبذ العنف مقابل ضمان تخصيص 10 مقاعد لهم في البرلمان، والعفو عن الجرائم التي ارتكبوها، باستثناء أولئك الذين ارتكبوا أخطر الجرائم.
وكان بيترو، من جانبه، يدعم اتفاقات السلام، واعتبرها ليس فقط شرطًا أساسياً للتنمية الاجتماعية والاقتصادية للمناطق الفقيرة في كولومبيا، ولكنها أيضًا بديل للسياسات الاقتصادية الليبرالية. لذا فقد حذر تيار اليمين وكذلك وسائل الإعلام الموالية له من أن البلاد ستتحول إلى فنزويلا ثانية تحت قيادة بيترو.
وبعد توليه السلطة عمل الرئيس دوكي على إعادة دمج أعضاء فارك السابقين، وكذلك إعادة بناء المناطق التي مزقتها الصراعات في كولومبيا، حيث أنجزت إدارته 23 مشروعًا للسماح للمقاتلين السابقين بإعادة الاندماج، كما تسعى لتحقيق الاستقرار وتوفير الفرص الاقتصادية في البلديات الـ117 الأكثر تضررًا من النزاع، كما يهدف الرئيس دوكي إلى زيادة عدد الضحايا الذين يتمتعون بمزايا التعويض الكامل بنسبة لا تقل عن 35 في المائة بحلول نهاية ولايته الرئاسية.
غير أن دوكي عليه الموازنة بين تعهداته الانتخابية بتعديل اتفاق السلام مع فارك، والرغبة الواضحة لدى الكثير من الكولومبيين في حماية عملية السلام، ذلك لأن أولئك الأشخاص الذين صوتوا لصالح بيترو أرادوا الحفاظ على السلام، ويُمثل هؤلاء رقمًا مهمًا من إجمالي أصوات الناخبين، علاوة على أن بيترو هو أول مرشح يساري في التاريخ الكولومبي يصل إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، مما يعكس قوة حضوره ونفوذه السياسي.
إضافة إلى ذلك، فإن مساعي دوكي لتعديل اتفاق السلام تواجه معارضة من قبل بعض مؤسسات الدولة ومن بينها المحكمة الدستورية التي رفضت في يونيو 2019 التغييرات التي اقترحها الرئيس دوكي بشأن «السلطة القضائية الخاصة من أجل السلام» التي أُنشئت لمقاضاة المتمردين السابقين والمسؤولين العسكريين بتهمة ارتكاب جرائم حرب، وذلك عقب التوقيع على اتفاق السلام. ودفع الرئيس بأن التغييرات ستضمن المزيد من العدالة لضحايا الصراع، لكن منتقدين اتهموه بمحاولة إضعاف «السلطة القضائية الخاصة من أجل السلام» لمنع فتح تحقيقات في انتهاكات حقوق الإنسان تطال بعض المسؤولين الموالين له.
وفي ذات الوقت، فإن الحفاظ على اتفاق السلام يواجه في الوقت الراهن تحديات جسام، مع معارضة البعض وفي مقدمتهم الرئيس الأسبق، ألفارو أوريبي، لمساءلة الإفلات من العقاب، في إشارة إلى عرض العفو عن المتمردين الراغبين في الاعتراف بجرائمهم. إضافة إلى ذلك، فإن إعادة دمج الآلاف من المتمردين ستكون مكلفة، وستستغرق سنوات طويلة.
ورغم أنه تم الوفاء ببعض الوعود التي تم التوصل إليها في اتفاق السلام، حيث قام قرابة سبعة آلاف مقاتل من فارك بنزع سلاحهم في البداية، وتم تسليم ما يقرب من تسعة آلاف قطعة سلاح. 
وبحلول عام 2017، تم تسريح القوات المسلحة الثورية الكولومبية بالكامل، باستثناء مجموعة منشقة صغيرة، فهناك بعض التحديات التي لا تزال تهدد عملية انتقال البلاد من الصراع إلى السلام، فمع عدم وفاء الحكومة بالكثير من التزاماتها وفقًا لاتفاق السلام، عاد ما يقرب من ثلاثة آلاف من المتمردين لحمل السلاح مرة أخرى، وهو رقم يساوي أكثر من 40 في المائة من الذين تم تسريحهم في البداية، ويشمل هذا الرقم مقاتلين جددا، في الوقت الذي يشتكي فيه قادة فارك مرارًا وتكرارًا من أن تسليم مقاتليها للسلاح قد جعلهم بلا حماية ضد العصابات شبه العسكرية التي ما زالت تجوب الريف، حيث قتل ما يقرب من 135 من مقاتليها السابقين منذ توقيع اتفاق السلام، بالإضافة إلى الإحباطات المتزايدة بين مقاتلي فارك من نقص فرص العمل والتدريب بعد تخليهم عن السلاح، حيث كانت تدابير إعادة الإندماج غير كافية إلى حد كبير.

2 - العنف السياسي: يُعد من المشكلات المتأصلة داخل المجتمع الكولومبي، وقد خلف الصراع المسلح الذي شهدته كولومبيا على مدار ما يقرب من نصف قرن، خسائر بشرية ضخمة، تقدر بنحو 220 ألف قتيل، 80 في المائة منهم من المدنيين، وأكثر من سبعة ملايين نازح داخليًا، وذلك وفقًا لتقرير صادر عن المركز الوطني للذاكرة التاريخية في كولومبيا. ومع ذلك، فليست كل أعمال العنف ناتجة عن متمردي فارك، حيث وجد المركز الوطني أن أكثر من نصف المذابح التي وقعت في العقود الثلاثة الماضية قد ارتكبتها قوات شبه عسكرية، تم تشكيلها بالأساس لمكافحة الفارك. وساهم وجود العصابات الإجرامية المسلحة في المناطق الحدودية لكولومبيا في زيادة انعدام الأمن في بعض المدن مثل كوكوتا، ودفع الكثيرين إلى القيام بأنشطة غير مشروعة مثل تجارة التهريب غير القانونية والاتجار بالمخدرات من فنزويلا إلى كولومبيا والعكس.
وعلى الرغم من توقيع اتفاق السلام مع فارك، فإنها ليست المجموعة الوحيدة التي تمثل مشكلة أمنية في كولومبيا، فهناك جيش التحرير الوطني (ELN)، الذي يقود ثاني أكبر مجموعة متمردة في كولومبيا، ويضم نحو 1500 مقاتل ويشارك أيضًا في النزاع المسلح، وقد قام في يناير (كانون الثاني) 2019 بتفجير أودى بحياة 21 عسكري في بوغوتا، ليعلن بذلك عودة العنف الحضري في كولومبيا عقب توقيع اتفاق السلام، إضافة إلى وجود عدد من العصابات الإجرامية العنيفة التي تنخرط في الابتزاز وتهريب المخدرات والتعدين غير المشروع.
ويعتبر الرئيس دوكي أن تجدد أعمال العنف نتيجة طبيعية لسياسة الحكومة السابقة المتسامحة مع جماعات العنف السياسي في كولومبيا، كما يؤكد رفضه بشكل قاطع العنف باعتباره مقاربة للعلاقات مع الدولة، مشددًا على عدم وجود آيديولوجيا تبرر الخطف والقتل، كما طالب بضرورة خضوع المسؤولين عن أعمال العنف للعدالة.
ورغم التوقعات بأن تؤدي عملية السلام إلى تعزيز الأمن وتقليل أعمال العنف واستهداف النشطاء المحليين، فما حدث في الواقع كان بخلاف ذلك، حيث تم استهداف قادة المجتمعات المدنية والمحلية، وخلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2019. قُتل تسعة وخمسون من القادة الاجتماعيين، كما أن عام 2018 سجل 126 حالة قتل لنشطاء حقوق الإنسان، بينما بلغ عدد قادة المجتمع المدني والنشطاء الذين قتلوا منذ توقيع اتفاق السلام عام 2016. ما يقرب من سبعمائة ناشط، كما نزح أكثر من 210 آلاف شخص عن ديارهم وسط أعمال العنف المستمرة. ورغم تعهد الرئيس دوكي بأنه لن يكون هناك أي إفلات من العقوبة بالنسبة للمعتدين، فإن التحقيقات في عمليات القتل، أسفرت عن إصدار أحكام بحق ما نسبته أقل من 10 في المائة من الحالات.
وتُعد حوادث العنف في كولومبيا نتيجة فراغ السلطة الذي خلفته فارك، والذي ولد حالة من الصراع بين مختلف الجماعات المسلحة التي تتنافس الآن على السلطة والسيطرة في المناطق التي انسحبت منها فارك، كما كانت أعمال العنف موجهة ضد النشطاء المدافعين عن البيئة والأرض وحقوق الإنسان الأساسية، وهو الأمر الذي ينذر بفقدان الكولومبيين للثقة في تحقق السلام الدائم في البلاد.

3 - مكافحة المخدرات: تُعد تجارة المخدرات من المشكلات الخطيرة التي تعاني منها كولومبيا، حيث شهدت خلال السنوات الخمس الماضية، زيادة في المساحة المزروعة بالكوكا، وهي المادة الخام للكوكايين، من 60 ألف هكتار إلى 200 ألف هكتار، وتسعى الحكومة إلى تخفيض هذه المساحة بأكثر من 60 في المائة بحلول عام 2023. وقد نجحت بالفعل في إزالة 60 ألف هكتار من المساحة المزروعة بالكوكا في ستة أشهر فقط. وفي السياق ذاته، تشدد إدارة الرئيس دوكي على أن مكافحة تجارة المخدرات والجريمة المنظمة تتطلب اتخاذ موقف استباقي متشدد ضد مرتكبي تلك الجرائم.
وفي هذا الإطار، أعادت إدارة دوكي استخدام أسلوب الرش الجوي من خلال استخدام مبيــدات أعشــاب ضــارة مثــل الغليفوســات للقضاء على الأراضي المزروعة بالمخدرات، بعدما كان يتم اتباع أسلوب الرش الأرضي، وهو ما تسبب في أضرار صحية وبيئية حادة، حيث ألحق الرش الجــوي الضــرر بالمحاصيــل الغذائيــة، ومزارع الأسماك والدجاج، الموجودة بالقرب من المناطق المزروعة بالكوكا، مما فاقم من مشكلة الفقر التي تعاني منها المجتمعات المتضررة جراء خسـارة محاصيلهـا الزراعية المشروعة، إضافـة إلـى انعـدام الأمـن الغذائـي. كما تسبب رش المخدرات بالمبيدات في نزوح السكان الذين يعيشون على الأراضي الغنية بالموارد الطبيعية.
ورغم أن التوصل إلى اتفاق سلام نهائي يمكن أن يقلل بشكل كبير من تجارة المخدرات في كولومبيا، فإن ذلك يتطلب قيام الحكومة بتعزيز وجودها في المناطق التي تم إهمالها لعدة عقود وتنفذ النقاط الواردة في اتفاق السلام والمتعلقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للمناطق الريفية وتوفير الأراضي للمزارعين الفقراء، ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تدفع المواطنين إلى زراعة الكوكا، وحماية النشطاء الذين يدافعون عن الأراضي، وكذلك تنفيذ البند المتعلق باستبدال المحاصيل غير المشروعة في اتفاق السلام، والذي يتضمن تقديم مدفوعات نقدية لأولئك الذين اقتلعوا المخدرات واستبدلوها بمحاصيل مشروعة، حيث توقفت مدفوعات المزارعين لفترة بعد تولي الرئيس دوكي مهام منصبه، ثم تم استئنافها في نهاية العام الماضي، خاصة أن جزءاً من المشكلة هو أن تجارة الكوكايين مربحة بدرجة كبيرة للجماعات المسلحة التي قامت بملء الفراغ في المناطق الريفية التي احتلتها فارك في الماضي.

4 - المصالحة الوطنية: على الرغم من فوز دوكي بفارق 12 نقطة مئوية، فقد عكست نتائج الانتخابات استقطابًا جغرافيًا شديدًا؛ إذ صوتت المناطق الساحلية والعاصمة بوغوتا لصالح بيترو وبقية البلاد لصالح دوكي. وفي هذا الإطار، تعهد الرئيس الكولومبي بتوحيد الشعب من خلال الالتزام بتطبيق سياسات أكثر شمولية، خاصة تجاه المحرومين من حقوقهم، مؤكدًا على ضرورة مشاركة المواطنين من أصول أفريقية بنشاط في قضايا الحكم، وضمان حصولهم على تمثيل أفضل في الحكومة والهيئات الإقليمية المختلفة.
ويواجه الرئيس الكولومبي، الأصغر في تاريخ الانتخابات الكولومبية (42 عامًا)، تحدياً خطيراً يتعلق بضرورة تعزيز الثقة بين قطاعات المجتمع الكولومبي المختلفة، والتي لا تزال تنظر إلى بعضها البعض بقدر من الريبة وعدم الثقة، مثل النقابات العمالية والشركات الخاصة وقوات الأمن ونشطاء حقوق الإنسان. ويمكن أن تسهم جهود المصالحة الوطنية في إفساح المجال أمام الحركات الاجتماعية اليسارية، التي غالبًا ما يتم وصمها بأنها مؤيدة لحرب العصابات، للتعبير عن مخاوفها بشأن المشاكل الرئيسية التي تؤثر على المجتمع الكولومبي.
وللمرة الثالثة منذ توليه مهام منصبه في أغسطس الماضي، دعا الرئيس الكولومبي في يونيو 2019 إلى «ميثاق وطني» بهدف الحصول على دعم المعارضة للإصلاحات التي يعتزم تنفيذها في النظام القضائي وإدخال بعض التعديلات على اتفاق السلام، وهي الإصلاحات التي لا تزال عالقة في الكونغرس والمحاكم. وبدلاً من العمل مع أحزاب المعارضة بشأن القضايا ذات الأولوية (مثل الإنفاق على البنية الأساسية والإصلاح الريفي وتدابير مكافحة الفساد)، كان أعضاء حزب الرئيس دوكي (المركز الديمقراطي) في الكونغرس، مصممين على تعديل اتفاقية السلام والمحكمة الخاصة بالسلام قبل المضي قدمًا في الموافقة على إصلاحات أخرى ينوي الرئيس تنفيذها، حيث سبق وأن رفض أعضاء الحزب دعم التشريعات التي توافق عليها الرئيس مع المعارضة والمتعلقة بتدابير مكافحة الفساد.
ومن ناحية أخرى، فإن الحكومة، التي تنتقد اتفاق السلام، عليها أن تقيم علاقات مع أعضاء الحزب السياسي للقوة البديلة المشتركة الذي تم إنشاؤه حديثًا، والتابع لفارك، خاصة أنها تم تمثيلها في الكونغرس بموجب اتفاق السلام، وكما هو متوقع، فقد انضم أنصارها إلى تجمع المعارضة.
لذا فإنه طالما فشلت إدارة الرئيس دوكي في إيجاد آليات لأخذ وجهات النظر المعارضة في الاعتبار، فمن غير المرجح أن تنضم أحزاب المعارضة المعتدلة إلى ائتلاف أو تقر جدول الأعمال الذي اقترحه حزب المركز الديمقراطي. ومثل هذه الأوضاع تنذر بتفاقم حالة الانقسام السياسي الذي تشهده البلاد، وتزيد من عدم شعبية الرئيس دوكي الذي تراجع معدل التأييد الشعبي له بشكل مطرد من 43.2 في المائة في مارس (آذار) إلى 31.6 في المائة في مايو (أيار) 2019. هذا بالإضافة إلى تراجع ثقة المواطنين في السياسيين على خلفية فضيحة فساد شركة أودبريشت والتي تورط فيها مسؤولون عموميون رفيعو المستوى في جميع أنحاء أميركا اللاتينية، بما في ذلك كولومبيا، بتهمة تقديم رشاوى في مقابل عقود بناء وتشييد.

5 - الاقتصاد: يُعد اقتصاد كولومبيا ثالث أقوى اقتصاد في أميركا اللاتينية، بإجمالي ناتج محلي بلغ 314 مليار دولار عام 2017. وفقًا لبيانات البنك الدولي. ونجحت في الانضمام لعضوية منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD) في أغسطس 2018. لتكون العضو السابع والثلاثين في المنظمة تعبيرًا عن قوة اقتصادها القومي. وزاد معدل النمو الاقتصادي من 1.4 في المائة عام 2017 إلى 2.7 في المائة عام 2018، وواصل الارتفاع ليبلغ 2.8 في المائة خلال الربع الأول من عام 2019. ووفقًا لبيانات صندوق النقد الدولي فمن المتوقع أن يبلغ معدل النمو الاقتصادي بنهاية عام 2019. نحو 3.6 في المائة، مدفوعًا بارتفاع أسعار النفط والاستثمارات والاستهلاك الخاص.
وفي ذات الوقت، نجحت كولومبيا في جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة إليها، حيث زادت بنسبة 68.4 في المائة في الربع الأول من نفس الأشهر الثلاثة في عام 2018 (بما يعادل 3.3 مليار دولار)، وكان نحو 44 في المائة من هذا الاستثمار موجهًا إلى قطاعي النفط والتعدين.
وتعهد دوكي خلال حملته الرئاسية بفتح المجال أمام الاستثمارات الخاصة في محاولة لخلق المزيد من الوظائف الرسمية، كما عمل على تخفيض الضرائب بهدف تحفيز نمو القطاع الخاص، حيث أصدر الكونغرس في ديسمبر (كانون الأول) 2018، تشريعات تزيد من ضرائب الدخل على أصحاب الدخل المرتفع، وتخفض من ضرائب الشركات، وتتخذ تدابير إضافية ضد التهرب الضريبي، وذلك من أجل تحقيق هدف الحكومة الرامي إلى خفض العجز في الميزانية العامة من 2.4 في المائة عام 2019 إلى 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027.
وتواصل كولومبيا الحفاظ على إطار قوي للاقتصاد الكلي، اعتمادًا على نظام متكامل لاستهداف التضخم، وسعر صرف مرن، وقاعدة مالية للحكومة المركزية، وكذلك إطار مالي متوسط ​​الأجل. مما يعزز القدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
ورغم ذلك، فثمة تحديات عدة تواجه الاقتصاد الكولومبي، حيث فقدت العملة الوطنية (البيزو) 15 في المائة من قيمتها، خلال شهر مايو 2019. مع استمرار ارتفاع قيمة الدولار الأميركي مقابل البيزو، كما بلغ معدل التضخم 4 في المائة. وتواجه حكومة دوكي تحدياً متعلقاً بضرورة تطوير البنية التحتية المتهالكة، وتحديدًا شبكة الطرق، خاصة أن كولومبيا تحتل المرتبة 102 من 140 بلدًا في العالم فيما يتعلق بمؤشر جودة البنية التحتية للطرق، وفقًا لتقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي. وهناك أيضًا حاجة ماسة إلى تقنين الاقتصاد غير الرسمي، خاصة أن نسبة تقترب من 50 إلى 60 في المائة من العمال في المناطق الحضرية والريفية على التوالي لا تزال تعمل في القطاع غير الرسمي، ولا يخضع هؤلاء لقانون العمل، ولا ينطبق عليهم الحد الأدنى للأجور.
وبلغ عجز الحساب الجاري 3.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018، حيث ظلت الصادرات غير النفطية بطيئة بينما ارتفعت الواردات، وزاد العجز في الحساب الجاري خلال الربع الأول من عام 2019 إلى 4.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، بسبب زيادة الطلب المحلي على الواردات وانخفاض قيمة البيزو ليتسع عن نفس الفترة من العام الماضي، حيث بلغ 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ووفقًا للبنك المركزي الكولومبي يعادل الرقم الخاص بالحساب الجاري في الربع الأول من عام 2019 نحو 3.6 مليار دولار، مقارنة بعجز بلغ 2.8 مليار دولار في الربع الأول من عام 2018.
وفي هذا السياق، فإن تقليل تكاليف التصدير وتحسين الخدمات اللوجستية في الموانئ أمر أساسي إذا أريد للصادرات أن تلعب دورًا في الانتعاش، مع ضرورة تنويع سلة التجارة، حيث إن 76 في المائة من الصادرات متركزة بدرجة كبيرة في 12 - 13 منتجًا.
وفي الوقت نفسه، قدّر دوكي أن اللاجئين الفنزويليين سيكلفون كولومبيا نصفاً في المائة من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا، أو نحو 1.5 مليار دولار، مما يشير إلى أن التحديات المالية آخذة في الارتفاع. ومن المرجح أن تؤدي الزيادات في تدفقات الهجرة من فنزويلا إلى ضغط إضافي على الحسابات المالية مع تزايد الطلب على الخدمات العامة الأساسية، خاصة مع انخفاض قيمة المساعدات التي تلقتها كولومبيا من مانحين أجانب للتعامل مع أزمة المهاجرين الفنزويليين، والتي بلغت 228 مليون دولار.
ونما اقتصاد كولومبيا بمعدل نحو 4 في المائة في العقد الماضي، غير أن هذا المعدل يمكن أن يتزايد في حال إحلال السلام في البلاد، حيث توقع الرئيس السابق (سانتوس) أن «يزيد السلام النمو الاقتصادي بمعدل نقطتين مئويتين سنويًا، علاوة على أن إنهاء الصراع الداخلي المسلح من شأنه أن يعزز الاستثمار على وجه الخصوص في المناطق التي انسحب منها المقاتلون المسلحون، وتحديدًا في قطاعي الزراعة والطاقة، وكذلك زيادة قيمة الأراضي والأصول في تلك المناطق، الأمر الذي يسهم في الحد من الفقر ويحسن نوعية الحياة. وسيسمح السلام مع فارك بخفض الإنفاق العسكري والشرطة وإعادة توجيهه إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنية التحتية. ولكن هذا لن يتم إلى أن توطد الدولة وجودها في المناطق التي تسيطر عليها، تقليديًا، العصابات، وهي عملية من المحتمل أن تستغرق ما لا يقل عن خمس أو عشر سنوات.
ومن ناحية أخرى، فإن عملية إعادة البناء خلال مرحلة ما بعد الصراع ستفرض ضغوطًا على الموازنة العامة للدولة، وقد قدرت لجنة السلام بمجلس الشيوخ تكلفة هذه العملية بنحو 45 مليار دولار خلال الخمس عشرة سنة القادمة؛ إذ إن هناك حاجة إلى ضخ استثمارات كبيرة في مجال توزيع الأراضي وتسجيلها وإدارتها، وكذلك في تطوير قطاع الزراعة والبنية التحتية في المناطق التي غابت عنها الدولة لسنوات طويلة. غير أن هذه التكلفة ستقابلها إيرادات إضافية بقيمة 49 مليار دولار متوقعة فيما يتعلق بـ«عائد السلام»، نتيجة استعادة ثقة المستثمرين في كولومبيا، بعد استتباب الأوضاع فيها. وهو الأمر الذي يعني أن اتفاق السلام كاستثمار مكلف على المدى القصير ولكن له فوائد مهمة للغاية على المديين المتوسط ​​والطويل.

6 - العدالة الاجتماعية: بلغ عدد سكان كولومبيا 49 مليون نسمة وفقًا لبيانات البنك الدولي لعام 2017، ورغم ارتفاع معدل النمو الاقتصادي فلا تزال تعاني من ارتفاع معدل التفاوت الاجتماعي، ووفقًا للبنك الدولي تُعد كولومبيا ثاني أكثر دول أميركا اللاتينية بعد هندوراس من حيث التفاوت في توزيع الدخل، والسابعة من بين 194 دولة على مستوى العالم، ورغم الانخفاض في معدل التفاوت في توزيع الدخل خلال العقد الماضي وفقًا لتقرير «اللامساواة في العالم» الصادر عن البنك الدولي في عام 2018، يظل هذا المعدل مرتفعًا، حيث كان يملك 10 في المائة من السكان نحو 39 في المائة من الدخل القومي عام 2017. ووفقًا لبيانات الإدارة الوطنية للإحصاء DANE، فقد دخل ما يقرب من 190 ألف شخص في دائرة الفقر، بينما تمكن 26 ألف شخص من زيادة دخلهم إلى أعلى من خط الفقر، وذلك في عام 2018. ويعاني الريف بشكل كبير من ارتفاع معدل الفقر، خاصة مع وجود حرب العصابات، بالإضافة إلى ضعف الاستثمارات الحكومية في البنية التحتية والتعليم، فعلى سبيل المثال، يُصنف أكثر من ثلثي سكان مقاطعة تشوكو الشمالية في عداد الفقراء. وفي الوقت نفسه ارتفع معدل البطالة من 8 في المائة عام 2017 إلى 12.8 في المائة عام 2018، ليسجل أعلى معدل في كولومبيا منذ عام 2011. حيث دخل 58 ألف شخص سوق العمل في الوقت الذي ظل فيه نحو 298 ألف شخص عاطلين عن العمل خلال الربع الأخير من عام 2018، وفقا لبيانات الإدارة الوطنية للإحصاء.
وفي ظل الفقر وعدم القدرة على الحصول على الخدمات الصحية، توفي 346 طفلا على الأقل في عام 2017، بسبب أمراض كان يمكن الوقاية منها، وكانت غالبية هذه الحالات مرتبطة بسوء التغذية، والتي أودت بحياة أكثر من 14 طفلاً لكل ألف مولود في ذلك العام، وفقًا للبنك الدولي. 
وكانت المناطق الأكثر تضررًا من ارتفاع معدل وفيات الأطفال هي المناطق المهملة تاريخيًا على ساحل المحيط الهادي، والساحل الكاريبي وغابة الأمازون.
هذا بالإضافة إلى أن الكولومبيين المنحدرين من أصول أفريقية والشعوب الأصلية هم الأكثر تضررًا من غياب العدالة الاجتماعية، وذلك رغم أن دستور عام 1991 يعترف بمجتمعات السكان الأصليين والكولومبيين المنحدرين من أصل أفريقي كمجموعات إثنية متميزة لها الحق في ملكية الأراضي، غير أن تمتع هؤلاء بهذا الحق لا يزال يواجه تحديات مهمة بسبب الصراع على تلك الأراضي من قبل الجهات الفاعلة المسلحة والشركات الكبرى التي تسعى إلى استخدام الأرض لتنفيذ المشاريع الاستخراجية، أو إقامة المشروعات الصناعية، أو زراعة الكوكا، وهو الأمر الذي يمكن أن يقدم تفسيرًا لحقيقة أن السكان الأصليين والمزارعين يمثلون 13 في المائة و10 في المائة على التوالي من ضحايا العنف السياسي، كما يُمثل المواطنون من أصول أفريقية والسكان الأصليون 10 في المائة و3 في المائة على التوالي من بين 7 ملايين نازح داخليًا في كولومبيا، وفقًا لتقديرات منظمة الأمم المتحدة. 
ووفقًا لبيانات المجلس النرويجي للاجئين، يحتاج أكثر من 4 ملايين شخص إلى المساعدة الإنسانية، ومن بين هؤلاء، هناك أكثر من مائة ألف شخص بحاجة ماسة للحماية والوصول إلى السلع والخدمات الأساسية.
جدير بالذكر أن الصراع على الأرض من الصراعات التاريخية في كولومبيا، وملكية الأرض هي واحدة من الأسباب الرئيسية لعدم المساواة، خاصة أن كولومبيا لديها أعلى تركيز لملكية الأراضي في أميركا اللاتينية. وفي الوقت الراهن، يسيطر نحو 2 في المائة من مالكي الأراضي على نصف مساحة الأرض في البلاد، ويظل تطبيق قانون الضحية لعام 2012. والذي يتضمن إعادة الأرض إلى الأشخاص الذين أُجبروا على الفرار، بطيئاً بسبب نقص الموارد الاقتصادية وضعف الأمن.
ومن التجليات الأخرى لضعف العدالة الاجتماعية في كولومبيا، أنه بينما تم تقليص عدد الضرائب التي تدفعها الشركات إلى ضريبة واحدة فقط (ضريبة الدخل)، والتي ستنخفض من 40 في المائة إلى 33 في المائة في عام 2019. ففي المقابل، زادت ضريبة القيمة المضافة من 16 في المائة إلى 19 في المائة، على المنتجات الأساسية مثل المكرونة والسمن وزيت الطهي والحبوب ومنتجات التنظيف والملابس وغيرها، وذلك بهدف زيادة الإيرادات وتقليل العجز المالي، غير أن هذه الزيادة في الضريبة أدت إلى اندلاع موجة من الاحتجاجات والمظاهرات الشعبية حيث خرج الآلاف من الطلاب والعمال إلى الشوارع للمطالبة بإلغاء الزيادة في ضريبة المبيعات التي وصفت بأنها «ضريبة على الفقراء»، وكذلك للمطالبة بزيادة الإنفاق على التعليم العالي.
واستجابة لهذه المطالب الشعبية، تراجع الرئيس دوكي عن خطته لإصلاح النظام الضريبي، وخفض ضريبة القيمة المضافة من 19 في المائة إلى 17 في المائة، إلا أن بعض الخبراء يعتقدون أن التراجع عن الزيادة في ضريبة القيمة المضافة يمكن أن يضعف القدرة على تحقيق هدف الدولة الخاص بخفض العجز المالي مما يقدر بنحو 3.1 في المائة إلى 2.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الوقت نفسه، قامت حكومة الرئيس دوكي برفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 6 في المائة في بداية عام 2019. وهو ما يمثل أكبر زيادة خلال ربع قرن.
وفي هذا الإطار، فإن الرئيس الكولومبي عليه الموازنة بين أولويات إدارته المالية، بين تخفيض الضرائب وخفض الإنفاق الحكومي، مع ما تضمنه برنامج «النمو الشامل» الذي تطالب به القاعدة الانتخابية المؤيدة لبيترو، والذي يتضمن الحصول المجاني على التعليم العام والرعاية الصحية، وزيادة الضرائب على ملكية الأراضي الكبيرة، وإعادة توجيه اقتصاد البلد الريعي نحو الأنشطة الإنتاجية.
وتزداد الصعوبات أمام دوكي لتمرير إصلاحاته الاقتصادية في البرلمان الذي يتكون من أكثر من عشرة أحزاب، ويسيطر حزب المركز الديمقراطي على خُمس المقاعد ويعتمد على أحزاب يمين الوسط الأخرى للحصول على الدعم لخططه الإصلاحية. إضافة إلى ذلك، فإنه بموجب القواعد الانتخابية الكولومبية، فإن حصول غوستافو بيترو على المركز الثاني في الانتخابات الرئاسية قد منحه مقعدًا في مجلس الشيوخ، ليصبح زعيم المعارضة داخل المجلس، وهو ما يعني أن مشروعات القوانين التي سيسعى دوكي إلى تمريرها لن تمر بسهولة.


 
ثانيًا: التحديات على الصعيد الخارجي
1 - الأزمة الفنزويلية: تُمثل فنزويلا تحديًا هائلاً لإدارة دوكي، حيث أصبحت كولومبيا مستقبلا رئيسياً للمهاحرين من فنزويلا بسبب الأزمة السياسية المتفاقمة فيها، حيث يشترك البلدان في أكثر من ألف ميل من الحدود، واستقبلت كولومبيا وفقًا لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين، ما يقرب من 1.3 مليون فنزويلي. وفي حين واصل الرئيس الكولومبي إيفان دوكي سياسة سلفه «الحدود المفتوحة» أمام المواطنين الفنزويليين، إلا أن إدارته اتخذت طريقًا مختلفًا تمامًا عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. فبينما ركزت إدارة الرئيس السابق خوان مانويل سانتوس على مساعدة عملية التفاوض والانتقال السلمي في كاراكاس، انتهجت كولومبيا في عهد دوكي موقفًا مقاربا للنهج الأميركي، الساعي إلى الإطاحة الفورية بمادورو ودعم زعيم المعارضة الفنزويلية خوان غوايدو، الذي أعلن نفسه رئيسًا انتقاليًا للبلاد في 23 يناير 2019.
وفضلت كولومبيا في عهد دوكي اتباع نهج متشدد تجاه فنزويلا، حيث وصف فترة حكم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بـ«الديكتاتورية الأكثر وحشية في تاريخ أميركا اللاتينية الحديث»، كما رفض بشدة فكرة العفو عن مادورو لأنه من وجهة نظر الرئيس الكولومبي «ديكتاتور يجب محاكمته من قبل المحكمة الجنائية الدولية»، كما اعتبر عرقلة وصول المساعدات الإنسانية إلى فنزويلا «جريمة ضد الإنسانية».
وكان الموقف الكولومبي من الأزمة الفنزويلية أكثر وضوحًا، عندما سعت حكومتا الولايات المتحدة وكولومبيا لإضعاف النظام الفنزويلي من خلال محاولة تمرير المساعدات الإنسانية عبر الحدود رغم معارضة الرئيس مادورو؛ إذ قامت الولايات المتحدة بتخزين مئات الأطنان من الإمدادات من الأغذية والأدوية في كولومبيا، بناء على طلب غوايدو، غير أن الرئيس مادورو رفض إدخال تلك المساعدات، حيث اعتبرها ذريعة لتدخل عسكري أميركي محتمل في البلاد، كما قرر قطع العلاقات الدبلوماسية مع كولومبيا في فبراير (شباط) 2019. وقام مادورو بنشر القوات الفنزويلية على طول الحدود الكولومبية، مبررًا تحركات قوات بلاده بأنها جزء من استراتيجية مكافحة شبكات المخدرات غير المشروعة الموجودة على طول الحدود، كما قامت فنزويلا بإغلاق المعبر الحدودي مع كولومبيا قبل أن تُعيد فتحه للسماح بتدفق المساعدات، وذلك في 8 يونيو 2019.
وكانت كولومبيا من بين دول مجموعة ليما التي تشكلت في 8 أغسطس 2017 بهدف تنسيق سياسات دول أميركا اللاتينية من أجل إيجاد حل للأزمة في فنزويلا، وتضم المجموعة كلا من الأرجنتين وباراغواي والبرازيل وبنما وبيرو وشيلي وغواتيمالا وكندا وكوستاريكا وكولومبيا والمكسيك وهندوراس، كما انضمت غيانا وسانت لوسيا إلى المجموعة بعد ذلك. وقد اتهمت مجموعة ليما في مايو 2019. الرئيس مادورو بحماية «جماعات إرهابية» في كولومبيا، وقالت إنها ترفض أي محاولة لتهديد حياة الرئيس الكولومبي إيفان دوكي.
ولم يتوقف الأمر عند دعم كولومبيا الثابت للحكومة المؤقتة برئاسة خوان غوايدو، حيث أشاد الرئيس الكولومبي بجهود المعارضة في الأشهر الماضية لاستعادة الديمقراطية للشعب الفنزويلي، فقد طالب أفراد الجيش الفنزويلي بالانقلاب على مادورو ودعم المطالب المشروعة للمواطنين وتسهيل عملية إدخال المساعدات الإنسانية إلى البلاد. 
جدير بالذكر أن كولومبيا كثيرًا ما وجهت الاتهامات لفنزويلا بالسماح لجيش التحرير الشعبي باستخدام أراضيها كملاذ وممر عبور للأسلحة والكوكايين، وهو الأمر الذي أدى إلى إثارة التوتر بين البلدين خلال السنوات الماضية.
وخلال الأشهر الأولى من تصاعد الأزمة الفنزويلية، تم تداول بعض الأخبار حول وجود تنسيق أميركي مع كولومبيا للتدخل عسكريًا في فنزويلا للإطاحة بالرئيس مادورو. غير أن الحكومة الكولومبية أكدت عدة مرات ردًا على الأخبار المتداولة حول استعداد كولومبيا للسماح للولايات المتحدة باستخدام أراضيها حال قرر الجانب الأميركي بدء عملية عسكرية في فنزويلا، تأييدها التدابير السياسية والدبلوماسية فقط، وأنها لا تدعم أي عمل أو تدخل عسكري في فنزويلا. ولكن في الوقت نفسه، رفضت كولومبيا التوقيع على بيان صدر عن مجموعة ليما في العام الماضي يعارض التدخل العسكري في فنزويلا، كما أنها استقبلت في الوقت نفسه أكثر من مائة عنصر في القوات المسلحة الفنزويلية أعلنوا انشقاقهم عن الرئيس مادورو.
وبينما تستمر كولومبيا في تلقي المساعدات للتعامل مع أزمة المهاجرين المتصاعدة، سيكون لدى دوكي مجموعة محدودة من الأدوات لمعالجة الأزمة السياسية في فنزويلا. فرغم كافة الضغوط الدبلوماسية التي مارستها كولومبيا بالتوافق مع الولايات المتحدة وحلفائها في أميركا اللاتينية، لم تتم الإطاحة بمادورو حتى الآن، ولكن يظل هناك دور مهم يمكن أن تلعبه كولومبيا في هذه الأزمة، من خلال مساعدة مجموعة ليما ومجموعة الاتصال الدولية الخاصة بفنزويلا على زيادة الضغط الدولي من أجل إجراء مفاوضات حقيقية لا تستطيع المعارضة أو الحكومة الفنزويلية تجنب الوفاء بالتزاماتهما فيها.

2 - العلاقة مع الولايات المتحدة: سعت كولومبيا في عهد دوكي إلى تعزيز العلاقات مع الإدارة الأميركية، حيث أعرب الرئيس الكولومبي عن التزامه بالعمل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك مكافحة المخدرات ودعم جهود المعارضة في فنزويلا، غير أن كولومبيا اتخذت موقفًا متحفظًا بشأن خيار التدخل العسكري للإطاحة بمادورو، وهو الخيار الذي وصفته إدارة ترامب بأنه من بين الخيارات المطروحة على الطاولة لحل الأزمة الفنزويلية.
وفي ذات السياق، هناك تعاون تاريخي بين كولومبيا والولايات المتحدة في مجال مكافحة المخدرات ومحاربة الجماعات المسلحة؛ إذ سبق أن تبنت واشنطن «خطة كولومبيا» والتي قدمت بموجبها حزمة مساعدات قدرت قيمتها بنحو مليار دولار، كما سمحت كولومبيا للولايات المتحدة بإنشاء سبع قواعد عسكرية تحت ذريعة مكافحة المخدرات ومواجهة حرب العصابات.
وعلى الرغم من دعم كولومبيا للموقف الأميركي في فنزويلا، فقد بدأ الرئيس ترامب يهاجم علنًا الرئيس دوكي بسبب ما سماه الأول بـ«الفشل في محاربة إنتاج الكوكايين في كولومبيا»، واتهم ترامب بشكل غير متوقع، الرئيس الكولومبي، أقرب حليف للولايات المتحدة في أميركا اللاتينية: «بأنه لم يفعل شيئا من أجل منع دخول المخدرات إلى الولايات المتحدة»، بل أشار ترامب إلى أن «المزيد من المخدرات يتم تهريبها من كولومبيا للولايات المتحدة في الوقت الحالي أكثر مما كانت عليه من قبل». وذهب ترامب إلى حد تهديد كولومبيا بالتوقف عن وصفها كدولة حليفة للولايات المتحدة في الحرب على المخدرات. وقد أثارت اتهامات الرئيس الأميركي للرئيس الكولومبي حالة من الغضب الشديد داخل كولومبيا، وبعثت برسالة في أميركا اللاتينية مفادها أن الولايات المتحدة لا يمكن الوثوق بها، وأن العمل عن كثب مع إدارة ترامب قد يكون أكثر تكلفة مما كان متوقعًا.
وفي 21 مايو 2019. أصدرت لجنة الاعتمادات بمجلس النواب الأميركي بيانًا أوضحت فيه أنها تعتزم زيادة المساعدات المالية إلى كولومبيا خلال العام القادم بمبلغ 40 مليون دولار لتصل إلى 457 مليون دولار، ولكن بشروط معينة. وتتجاوز هذه الحزمة بكثير مبلغ الـ«344 مليون دولار» التي اقترحها الرئيس ترامب، والذي هدد بقطع المساعدات عن كولومبيا منذ توليه منصبه في عام 2017. وتمثلت أبرز المبادئ التوجيهية المحددة من قبل اللجنة لكيفية إنفاق أموال المساعدات، في: تخصيص 207 ملايين دولار لعملية التنمية الاقتصادية وتنفيذ عملية السلام، و189 مليون دولار لتدابير مكافحة المخدرات، شريطة حصول كولومبيا على شهادة من وزارة الخارجية الأميركية تفيد باتخاذها خطوات مهمة لمكافحة زراعة المحاصيل غير المشروعة والاتجار بالمخدرات. وإذا فشلت إدارة الرئيس دوكي في الحصول على هذه الشهادة، فإن 20 في المائة من هذه الأموال لن تحصل عليها كولومبيا. وفي ذات السياق، جاءت تهديدات السفير الأميركي في بوغوتا، بقطع المساعدات عن كولومبيا ما لم يتم تقليص صلاحيات محكمة جرائم الحرب في البلاد، والتي توفر الحماية لقادة فارك الذين شاركوا في عملية السلام، وتحول دون تسليمهم للولايات المتحدة، التي تتهمهم بارتكاب جرائم تهريب المخدرات إلى الأراضي الأميركية.

3 - العلاقة ببعض القوى الكبرى والإقليمية: ألقت الأزمة الفنزويلية بظلالها على علاقات كولومبيا ببعض القوى الكبرى وكذلك الإقليمية في أميركا اللاتينية؛ إذ شهدت العلاقات مع ورسيا قدرًا كبيرًا من التوتر، حيث تتبنى روسيا الموقف المؤيد للرئيس مادورو، بينما تدعم كولومبيا زعيم المعارضة غوايدو، وفي هذا الإطار، انتقدت كولومبيا المحاولات الروسية لتقديم الدعم العسكري للنظام الحاكم في كاراكاس، باعتباره سوف يهدد السلام في المنطقة برمتها، وذلك على خلفية قيام موسكو بإرسال خبراء عسكريين لدعم الحكومة الفنزويلية في مارس 2019. ومن جانبها، اتهمت روسيا كولومبيا بمحاولة إشعال جذور الحرب الأهلية في فنزويلا.
غير أنه مع فشل الجهود الأميركية وبقية حلفائها في المنطقة ومن بينها كولومبيا للإطاحة بمادورو، بدأت الأخيرة تتراجع عن موقفها المتشدد من النظام الحاكم في فنزويلا، حيث أكد وزير الخارجية الكولومبي خلال لقائه مع وزير الخارجية الروسي في 3 يونيو 2019. على دعم المفاوضات الجارية في النرويج بين حكومة البلاد والمعارضة، وهو ما يعكس تقارباً في وجهات النظر الروسية الكولومبية. ويأتي الموقف الكولومبي على طرفي النقيض كذلك مع موقف الصين التي دعمت الرئيس مادورو، وفي هذا الإطار، طالب دوكي الصين بإعادة النظر في موقفها من الأزمة الفنزويلية وطالبها بالتخلي عن دعم مادورو، وصرح بأن دور الصين في أميركا اللاتينية سيكون أقوى إذا اعترفت الدولة الآسيوية بزعيم المعارضة الفنزويلي كرئيس مؤقت للبلاد بدلاً من دعم الرئيس مادورو، باعتبار ذلك أمرًا مهمًا لأميركا اللاتينية.
وعلى المستوى الإقليمي، برز التنسيق واضحًا بين كولومبيا وبقية دول مجموعة ليما فيما يتعلق بالأزمة في فنزويلا، في ظل اعتراف غالبية دول أميركا اللاتينية بغوايدو رئيسًا مؤقتًا لفنزويلا، ويأتي هذا التنسيق في سياق التحول التي تشهده معظم دول المنطقة إلى اليمين، مما يسهل من تنسيق السياسات الخارجية والمواقف الإقليمية. غير أن الموقف الكولومبي كان متعارضاً مع موقف بعض دول أميركا اللاتينية الأخرى التي دعمت الرئيس مادورو، وفي مقدمتها كوبا وبوليفيا والإكوادور. فعلى الرغم من دور كوبا المحوري في استضافة المحادثات التي أدت إلى اتفاق السلام التاريخي في كولومبيا، والذي كان يُنظر إليه بشكل إيجابي للغاية من قبل إدارة الرئيس الكولومبي السابق خوان مانويل سانتوس، فقد تغير هذا الموقف مع تولي دوكي رئاسة البلاد، خاصة أنه يعارض عملية السلام، كما أن استضافة كوبا لبعض قادة جيش التحرير الوطني، بمن فيهم قائدهم الأعلى، ورفضها تسليمهم لكولومبيا، أدى إلى إثارة التوترات بين البلدين. إضافة إلى ذلك، ترى كولومبيا أن الحكومة الكوبية تلعب دورًا حيويًا في بقاء نظام نيكولاس مادورو في فنزويلا، وهو النظام الذي تسعى كولومبيا إلى الإطاحة به.
 
* باحثة متخصصة في شؤون أميركا اللاتينية
 


اشترك في النقاش