من أجل كرسي بعبدا

* سيستفيق اللبنانيون يومًا وقد يكون قريبا، على خراب اقتصادي وأمني واجتماعي ومالي.. المشكلة أنه لن يكون هناك رفيق حريري آخر لإعادة إعماره

لبنان يئن تحت وطأة أزمة اقتصادية خطيرة. كل التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية للنقد تقول ذلك. آخرها كان تقرير لصندوق النقد الدولي حذر فيه مصرف لبنان من الاستمرار «بهندسته المالية»، أي بشكل مبسط إغراء البنوك بأرباح عالية جدا مقابل جذب دولارات إلى المصرف المركزي الذي يرى احتياطه من العملة الصعبة يستنزف حيث تشير الأرقام الصادرة عن المصرف نفسه إلى أن صافي الأصول الأجنبية في القطاع المالي قد سجل انخفاضا بلغ 5.2 مليار دولار خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري.

يشير تقرير المؤسسة الدولية للنقد أن عجز الموازنة لما تبقى من عام 2019 سيتعدى الـ6.7 في المائة التي تطمح حكومة الرئيس الحريري للوصول إليها إرضاء لمانحي أموال مؤتمر «الأرز»، ليصل العجز إلى حدود الـ10 في المائة.

حاكم مصرف لبنان، رياض سلامة، أشار في تصريح له لـ«رويترز» إلى أن تحويلات اللبنانيين من الخارج انخفضت من 9 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار مع العلم أن اقتصاد لبنان يعتمد بشكل أساسي على تلك التحويلات، مشيرا إلى أن النمو في لبنان هو صفر.

عمليا القوة الشرائية لدى اللبناني انخفضت بشكل كبير. هذا ما يقوله أصحاب المتاجر الكبرى، فبحسب إحصاءاتهم فإن معدل السلة الشرائية للشخص الواحد انخفض نحو 40 في المائة.

السوق العقارية هي الأخرى أيضا في حالة جمود. فرغم انخفاض أسعار الشقق إلى أكثر من 50 في المائة من سعرها في بعض الحالات فإن عمليات البيع والشراء متوقفة بشكل شبه كلي.

بالمقابل فإن الفوائد على الإيداعات في المصارف اللبنانية تدّر على أصحاب رؤوس الأموال أرباحا تثنيهم عن القيام بأي نشاط تجاري مفيد للبلد ولدورته الاقتصادية.

بعض الخبراء يتحدثون عن انهيار العملة الوطنية إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه. يقول الوزير شربل نحاس: «إن تخلّف الدولة عن السداد أو انخفاض قيمة الدَيْن العام أو تعثّر البنك المركزي ستؤدّي إلى خسارة المودعين لمدّخراتهم بعد خسارة المصارف لكلّ رساميلها».

أضف إلى هذا كله تعثر المفاوضات بين لبنان وإسرائيل بشأن ترسيم الحدود البحرية حيث إن «البلوكات الغازية» الأكثر غنى تقع على ما يبدو في المنطقة المتنازع عليها.

 

هذا الوضع المأساوي لا يمنع تشنج الخطاب السياسي في لبنان بين الأقطاب السياسية في البلد خاصة من قبل أولئك المتلهفين على خلافة عون. الاتهامات المتبادلة بين الأطراف تنهل من أرشيف الحرب الأهلية، وتعيد تذكير اللبنانيين بماضٍ أليم وجروحات لم تندمل بعد ومصالحات ركيكة لم تكتمل، وكل ذلك من أجل استقطاب الجماهير وزيادة شعبية الزعيم ولو أدى الأمر إلى توتير الأجواء إلى حد الوصول إلى أحداث أمنية خطيرة كما حدث في الشوف بين مناصري الحزب الاشتراكي ومرافقي وزير من جماعة طلال أرسلان.

لبنان الرسمي اليوم مشغول بطموح صهر رئيس الجمهورية باسيل إلى نيل كرسي بعبدا رغم نفيه هذا الأمر، إلا أن رئيس الجمهورية نفسه أعلن صهره مرشحا لهذا المنصب. باسيل حيث ما تنقل يثير الحساسيات بخطاب استفزازي يستحضر مآسي الحرب الأهلية.

من قتل رشيد كراكي؟ من ذبح المسيحيين في الجبل؟ من سلب الموارنة حقوقهم في دولة الأرز؟ أسئلة يطرحها باسيل ليس من باب الوصول إلى الحقيقة، إنما من أجل إبقاء الاتهام قائما بوجه الآخر، وإبقاء خصومه في قفص الاتهام.

إذ لا يعتبر باسيل أن عون كان مشاركا في الحرب الأهلية، رغم المعارك التي بدأها إن كان ضد السوريين في مرحلة أولى أو ضد القوات اللبنانية في مرحلة ثانية، مع ما خلفته من قتلى وأبرياء جراء قصفه لمناطق آهلة بالسكان.

صحيح أن عون كان قائدا للجيش إنما من دون شرعية ميثاقية (أي توافق المسلمين والمسيحيين) يطلبها البلد عند كل قرار صغير كان أم كبير.

والسؤال: من يستفيد من الغوص في أمور وتفاصيل الحرب الأهلية اللبنانية؟

كيف لهذا التشنج أن يشجع السياحة في لبنان؟

للأسف لبنان الرسمي لا يفتش عن حلول لأزمة اقتصادية قاسية، ولا يعرض خطة قد تنهض بلبنان. يتحدث رئيس لجنة المال إبراهيم كنعان عن 40 ألف توظيف سياسي ولا أحد يحرك ساكنا. يتكلم البعض عن مليارات تهدر تهريبا جمركيا وفسادا ولا أحد يقوم بردة فعل.

كل ما يريده البعض هو عرض قوته أمام الجماهير. فمثلا لم يشعر رئيس «أكبر تيار مسيحي» وزير الخارجية وصاحب الثلث المعطل في مجلس الوزراء، حرجا في أن يجمع وزراء تكتله في الخارجية اللبنانية ليعلن للجميع أن قرار اجتماع الوزراء وحتى بقاء الحكومة رهن به وحده.

كل الوعود التي أطلقت إبان انتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية ذهبت أدراج الرياح. ثلاث سنوات لم يستطع فيها الجنرال الهرم من تحقيق إنجاز واحد فقط يصب في صالح الإصلاح والتغيير، شعار تياره السياسي، بل أصبح همّه الأوحد رعاية لقاءات بين أقطاب متخاصمة.

في عهد عون لبنان يمر بظروف صعبة ودقيقة في ظل حصار أميركي على «حزب الله»، كتلك التي عرفها أيام الرئيس أمين جميل بعيد انسحاب الفلسطينيين من لبنان. انسحاب عسكري ولكنه اقتصادي أيضًا.

سيستفيق اللبنانيون يومًا وقد يكون قريبا، على خراب اقتصادي وأمني واجتماعي ومالي.. المشكلة أنه لن يكون هناك رفيق حريري آخر لإعادة إعماره.