مركز آستانه المالي الدولي... بوابة كازاخستان للمستقبل

«المجلة» تغطي منتدى آستانه المالي احتفالا بمرور عام على تأسيسه
* يهدف مركز آستانه المالي الدولي إلى تطوير أسواق المال والتكنولوجيا وإدارة الأصول والثروات الخاصة
يتوقع مراقبون ماليون بأن يحتل المركز مكانة مميزة بين أسواق المال العالمية، وأن يتحول إلى مركز استقطاب كبير مهم لرؤوس الأموال
* تسعى كازاخستان إلى أن يصبح هذا المركز مركزا للتمويل الإسلامي في آسيا الوسطى والاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، الذي يبلغ عدد سكانه مجتمعين أكثر من 200 مليون نسمة
* ما تستهدفه كازاخستان من تأسيس هذا المركز المالي الدولي، الاستفادة من عوامل قوتها الاقتصادية التي تمنحها موقعاً متميزاً في خريطة صناعة المال العالمية والإقليمية
 

نور سلطان (كازاخستان ) : «اليوم هو بداية التاريخ الفعلي الإقليمي والعالمي لمركز آستانه المالي، وبداية الطريق لتعزيز الإنجازات التي حققتها كازاخستان طوال مسيرتها التنموية الماضية» بهذه العبارة التي جاءت في كلمة الرئيس الكازاخي قاسم جومارت توكاييف، خلال مشاركته في فعاليات اليوم الأول من منتدى آستانه المالي الذي نظمه مركز آستانه المالي الدولي المعروف اختصارا (AIFC) وذلك خلال الفترة من 2 - 4 يوليو (تموز) الجاري (2019) احتفالا بمرور عام على تأسيس المركز الذي افتتحه الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف، في الخامس من يوليو عام 2018، حيث شهد الاحتفال تدشين مبنى محكمة مركز آستانه المالي والمركز الدولي للتحكيم في العاصمة الكازاخية «نور سلطان»، وذلك بحضور ومشاركة خبراء عالميين وسياسيين وممثلي قطاع الأعمال والخدمة المدنية والأوساط الأكاديمية والدولية والمراكز المالية، وكذلك ممثلو الشركات الدولية والإقليمية المسجلة في مركز آستانه المالي الدولي الذي تم تأسيسه في إطار توجه السياسة الاقتصادية الكازاخية نحو العمل على تنوع مصادر الاقتصاد الوطني والانتقال به من اقتصاد يعتمد على الريع النفطي إلى اقتصاد متنوع الموارد والمصادر من خلال الاعتماد على تطوير التجارة وتقديم الخدمات المالية في المنطقة.
في ضوء ذلك، تبرز أهمية إلقاء المزيد من الضوء على فكرة المركز ونشأته ومجالات عمله وكيفية الاستفادة العربية من تأسيسه في ضوء التقارب العربي مع دول آسيا الوسطى ضمن منتدى التعاون العربي مع دول آسيا الوسطى وأذربيجان الذي تم تدشينه كمبادرة سعودية في إطار جامعة الدول العربية وعقد دورته الأولى على أرض المملكة العربية السعودية عام 2014 في حين عُقدت فعاليات دورته الثانية في العاصمة التاجيكية «دوشنبه» عام 2017. ويستعرض هذا التقرير مركز آستانه المالي الدولي من خلال المحاور الآتية:


 
أولاً: مركز آستانه الدولي ومجالات العمل
يعتبر مركز آستانه المالي الدولي الموقع قانون إنشائه منذ عام 2015، منطقة اقتصادية حرة تم إنشاؤها بهدف جذب التجارة الدولية وزيادة دور كازاخستان في الأسواق العالمية، حيث يأتي هذا المركز استجابة للنشاط الاقتصادي المكثف والتنمية المتزايدة التي تعيشها منطقة أوراسيا والتي تشمل تكتلات اقتصادية مهمة مثل الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي والمبادرة الاقتصادية الصينية «حزام واحد - طريق واحد». ولذا، تركزت مجالات عمل المركز فيما يأتي: تطوير أسواق رأس المال، والتكنولوجيا المالية، وإدارة الأصول وإدارة الثروات الخاصة.
وجدير بالذكر أن تأسيس هذا المركز وفق فكرته الأساسية جاء كما يقال على نمط «جيب قانوني» في الدولة، بمعنى أنه عبارة عن منطقة داخل أراضي دولة وتخضع لولاية وصلاحيات وتشريعات وقوانين معتمدة في دولة أخرى، حيث يعمل هذا المركز وفقا للقوانين البريطانية بمعنى أن التعاملات المالية وفض الخلافات، وأي قضايا أخرى ضمن المركز كلها سيُنظر إليها بموجب القوانين البريطانية وليس الكازاخية. ولذا لم يكن المرسوم الرئاسي الصادر عام 2015 كافيا لتدشين هذا المركز، وإنما احتاج الأمر إلى تعديل دستوري أجرته الحكومة الكازاخية قبل انطلاق عمل المركز في الخامس من يوليو عام 2018 كما سبقت الإشارة.
 
 




رئيس الوزراء الكازاخي «باكيتشان ساجينتاييف

ثانياً: مركز آستانه الدولي ومقومات التميز
حقق المركز منذ افتتاحه نجاحا ملحوظا في جذبه لكثير من الشركات المحلية والأجنبية والتي سجلت فيه، وقد بلغ عددها ما يزيد على 50 شركة، فيما يتوقع ارتفاع العدد إلى 250 شركة خلال 2019 وإلى 500 شركة بحلول نهاية عام 2020. فضلا عن ذلك يتوقع مراقبون ماليون بأن يحتل المركز مكانة مميزة بين أسواق المال العالمية، وأن يتحول إلى مركز استقطاب كبير مهم لرؤوس الأموال، وذلك ليس بسبب الامتيازات الأولية التي تقدمها السلطات الكازاخية فحسب، بل لجملة أسباب أخرى تعود إلى طبيعة وآليات عمل المركز، والتي يمكن أن نجملها فيما يأتي:

  • السعي نحو خلق بيئة جذابة للاستثمار في الخدمات المالية، وتطوير سوق الأوراق المالية في كازاخستان، بجعل المركز جزءًا من النظام المالي العالمي كما عبر عن ذلك رئيس الوزراء الكازاخي «باكيتشان ساجينتاييف Bakytzhan Sagintayev» خلال كلمته في الجلسة العامة لمنتدى أيام آستانه المالية.
  • جعل المركز منصة لتطوير سوق التمويل الإسلامي في المنطقة.
  • تدشين محكمة مركز آستانه المالي للنظر في المطالبات التي يصل حجمها إلى 150 ألف دولار. مع إنشاء نظام قانوني خاص لا يعتمد على النظام القضائي الكازاخي، وإنما يتم وفقا لمبادئ القانون البريطاني كما سبقت الإشارة.
  • إعفاء المشاركين فيه من دفع الضريبة على الدخل حتى نهاية عام 2065، كما تصل التفضيلات الضريبية الممنوحة للمتعاملين فيه إلى 50 عاما.
  • منح تأشيرة مجانية لمدة 30 يومًا وظيفيا لمواطني دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والإمارات وماليزيا وسنغافورة وموناكو إضافة إلى 45 دولة أخرى تحددهم الحكومة الكازاخية.
  • منح موظفي الشركات المشاركة في المركز وأفراد عائلاتهم نظام تأشيرة خاص مع إمكانية التمديد إلى 5 سنوات.
  • اللغة الإنجليزية هي اللغة الرسمية وهو ما يسهل تعاملات المركز.

في ضوء ذلك يمكن القول إن كثيرا من الامتيازات التي يقدمها المركز لم يسبق أن قدمتها أي مراكز مالية عالمية أخرى، إذ استفاد المركز من تجارب الدول الأخرى في هذا المجال على غرار المراكز المالية الموجودة في نيويورك وزيوريخ وطوكيو ولندن، وإن كانت التجربة الإماراتية ممثلة في المركز المالي في دبي أبرز تلك التجارب، وهو ما أهل هذا المركز ليحقق تقدم 10 مراكز في ترتيب القائمة العالمية في تقرير مؤشر المراكز المالية العالمية منذ تأسيسه عام 2018، حيث احتل المركز الـ51 عالميا والأول في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى.
 
ثالثاً: مركز آستانه الدولي والفرص الاستثمارية
يمثل المركز فرصة ذهبية للمستثمرين من كل أنحاء العالم للاستفادة من آليات استثمارية واضحة وتسهيلات وضمانات لحماية هذه الاستثمارات، حيث يوفر آليات فعالة لجذب المستثمرين ورؤوس الأموال، كما يفتح المجال للوصول إلى سوق ضخمة تضم أكثر من مليار شخص، حيث إن مدينة آستانه (نور سلطان حاليًا) هي إحدى الروابط الرئيسية في الطرق الجديدة عبر القارات، وهو ما يمنح المركز دورا مهما في خلق المزيد من الفرص الاستثمارية، حيث يستهدف إحداث نقلة نوعية وثورة حقيقية في تقديم الخدمات المالية خلال السنوات العشر المقبلة، ليس فقط على صعيد كازاخستان بل وفي منطقة رابطة الدول المستقلة، وهو ما يمكن أن يتحقق في ضوء ما سيقوم به المركز في هذا الخصوص، ومنها:

  1. فتح آفاق جديدة للاستثمارات في دول الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، إذ يسمح لكل الشركات العاملة داخل دول الاتحاد بتأسيس مكاتب وفروع لها داخل المركز.
  2. فتح أسواق دول آسيا الوسطى (قرغيزستان وأوزبكستان وطاجيكستان) وجوارها الجغرافي في منطقة القوقاز.
  3. القيام من خلال التفاعل مع الشركاء الاستراتيجيين من بين البورصات الرائدة في العالم وبمساعدة إدارتهم على تأسيس بورصة فائقة التكنولوجيا، تعرف باسم بورصة مركز آستانه الدولي، يتم فيها طرح أسهم عمالقة الاقتصاد الكازاخي مثل شركة طيران «Air Astana» والشركة العالمية في استخراج اليورانيوم «Kazatomprom» وشركة الاتصالات القابضة «Kazakhtelecom» وغيرها من الشركات الكبرى.
  4. توفير ما يزيد على 1800 منصب وظيفي في غضون 10 سنوات، إضافة إلى تخصيص 2000 إلى 3000 من الموظفين من الممولين الكازاخ والمحامين والاستشاريين وغيرهم من المتخصصين.
  5. إصدار أول صكوك سيادية في كازاخستان خلال السنتين القادمتين وذلك بالتعاون مع وزارة المالية الكازاخية.
  6. دخول مركز التجارة الدولي ضمن 20 مركزًا ماليًا رائدًا في العالم.
  7. العمل على وضع القواعد واللوائح المنظمة للعملات الرقمية بما يدعم الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية.


 
رابعا: مركز آستانه والخبرة العربية في التمويل الإسلامي... شراكة استراتيجية
يعتبر المركز بمثابة فرصة كبيرة للمؤسسات المالية في الدول العربية والإسلامية للاستفادة من خدماته في توسيع استثماراتها في منطقة آسيا الوسطى خاصة ومنطقة أوراسيا عامة، يُعزز من ذلك القرب الثقافي والصيرفة الإسلامية التي يوليها المركز اهتماما كبيرا، إذ إنه رغم أن كازاخستان تحتل المرتبة الخامسة في مقصد الاستثمار الإسلامي بين 57 دولة عضوا في منظمة التعاون الإسلامي، إلا أن التمويل الإسلامي يمثل حاليًا أقل من واحد في المائة من إجمالي أصوله المصرفية.
ولذا تسعى كازاخستان إلى أن يصبح هذا المركز مركزا للتمويل الإسلامي في آسيا الوسطى والاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي، الذي يبلغ عدد سكانه مجتمعين أكثر من 200 مليون نسمة، بما يرفع من نسبة مساهمته في الأصول المصرفية ليصل إلى 10 في المائة بحلول عام 2025، وهو ما يفتح مجالا واسعا للشراكة الاستراتيجية بين كازاخستان وبعض الدول العربية في قطاع المال والصيرفة الإسلامية، التي حققت تقدما ملحوظا في تجارب هذه الدول مثل مصر والبحرين والإمارات وماليزيا. مستفيدًا في ذلك من الاتفاقات ومذكرات التفاهم الموقعة بين كازاخستان وبعض الدول العربية في المجال المالي، ومنها على سبيل المثال:

  1. توقيع كثير من الاتفاقيات المشتركة بين كازاخستان والإمارات في هذا الخصوص، ومنها: اتفاقية مع مركز دبي المالي، فضلا عن اتفاقيات مع «أبو ظبي غلوبال ماركت»، و«مركز دبي لتطوير الاقتصاد الإسلامي»، و«إنترناشيونال كالاترافرا».
  2. مذكرة التفاهم الموقعة بين مصر وكازاخستان بشأن تبادل المعلومات في مجال الخدمات المالية التي تهدف إلى تسهيل أداء الأعمال الرقابية وتعزيز الأداء المالي الآمن والسليم في الدولتين، وتضمن قيام المؤسسات المالية المصدرة للأوراق المالية بالإفصاح الكامل والعادل عن المعلومات ذات الصلة بالمستثمرين الخاضعين لتشريعات الدولتين، وتبادل المعلومات فيما يخص الكشف عن التلاعب في السوق والتداول الداخلي وغير ذلك من الممارسات الخادعة والاحتيالية وفيما يتعلق بإصدار الأوراق المالية وتداولها، وأنشطة الشركات المدرجة وتداول العقود الآجلة والخيارات والمنتجات الاستثمارية الأخرى.

ولكن ما سبق لا يكفي لتعزيز التقارب العربي مع دول آسيا الوسطى عبر هذا المركز الذي يستهدف أن يكون حلقة وصل مهمة في تعزيز علاقاتهم في المجال المالي والمصرفي، بل يتطلب الأمر إبرام المزيد من الاتفاقات وبروتوكولات التعاون بين مركز آستانه المالي والبنوك المركزية والوطنية في الدول العربية وذلك بهدف تعزيز التعاون وتوسيع مجالاته.
نهاية القول إن ما تستهدفه كازاخستان من تأسيس هذا المركز المالي الدولي، الاستفادة من عوامل قوتها الاقتصادية التي تمنحها موقعا متميزا في خريطة صناعة المال العالمية والإقليمية، بما يمكنها من مواجهة أي أزمات مالية قادمة، عبر نجاح هذا المركز في جذب المليارات من الاستثمارات إلى الاقتصاد الكازاخي خاصة أن الهدف من إنشائه كما أشار المسؤولون الكازاخ هو جعله مركزا ماليا لبلدان آسيا الوسطى والقوقاز والاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي والشرق الأوسط وغرب الصين ومنغوليا وأوروبا. ولكن ثمة ملاحظة جديرة بالتسجيل في هذا الخصوص تتعلق باسم المركز، إذ استمد اسمه من اسم العاصمة الكازاخية «آستانه» قبل أن يصبح اسمها «نور سلطان»، فثمة طرح يطالب بإعادة النظر في اسم هذا المركز ليصبح «مركز نور سلطان» المالي الدولي وذلك ارتباطا بالاسم الجديد للعاصمة الكازاخية «نور سلطان»، وتخليدًا في الوقت ذاته لصاحب هذه المبادرة الاقتصادية الرئيس الكازاخي السابق «نور سلطان نزارباييف».
 


اشترك في النقاش