المرتزقة... أشباح إطالة الصراع في الشرق الأوسط

جيل جديد من الأطفال المقاتلين نتاج زواج أبوين مهنتهما الحرب
* أعادت تطورات الأزمة الليبية تسليط الضوء على دور المرتزقة في الصراعات المسلحة بالمنطقة
* خبراء يحذرون من مخاطر دور المرتزقة في المستقبل السياسي لدول الصراع بمنطقة الشرق الأوسط، خاصة ما وصفوه بـ«عرقلة» أي تسويات سياسية تعقب انتهاء النزاع المسلح
 

القاهرة: تصاعدت حدة المخاوف الإقليمية والدولية من التطور الملحوظ لظاهرة الاستعانة بالمرتزقة، من قِبل أطراف مختلفة في المواجهات العسكرية في الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط، وحذر خبراء سياسيون وأمنيون من أن أحد أهم مخاطر دور المرتزقة في الشرق الأوسط هو «إطالة أمد الحرب» إضافة إلى مخاطر تحولهم مستقبلاً إلى «عقبة كبيرة» أمام تحقيق السلام، ومرحلة البناء السياسي عقب انتهاء النزاع المسلح، وظهور أجيال جديدة من الأطفال المقاتلين الذين ولدوا من زواج أب وأم يمتهنان الحرب، ويحترفان القتال بأجر.
وحددت المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لمناهضة تجنيد المرتزقة واستخدامهم وتمويلهم وتدريبهم، تعريف المرتزق بأنه «أي شخص يجند خصيصًا، محليًا أو في الخارج، للقتال في نزاع مسلح، ويكون دافعه الأساسي للاشتراك في الأعمال العدائية هو الرغبة في تحقيق مغنم شخصي، ويبذل له فعلاً من قبل طرف في النزاع أو باسم هذا الطرف وعد بمكافأة مالية تزيد كثيرًا على ما يوعد به المقاتلون ذوو الرتب والوظائف المماثلة في القوات المسلحة لذلك الطرف أو ما يدفع لهم».
وتابعت المادة الأولى: «لا يكون من رعايا طرف في النزاع ولا من المقيمين في إقليم خاضع لسيطرة طرف في النزاع. وليس من أفراد القوات المسلحة لطرف في النزاع. ولم توفده دولة ليست طرفًا في النزاع في مهمة رسمية بصفته من أفراد قواتها المسلحة».
وتزايد دور المرتزقة خلال السنوات الماضية في بؤر الصراع بعدد من الدول العربية، منها ليبيا وسوريا والعراق والسودان، غير أن التعبير برز كمصطلح سياسي منذ بدء الحرب الأميركية في العراق عام 2003. والذي سلّط الضوء على شركات الخدمات الأمنية العالمية، ودورها في الحروب والصراعات العسكرية، حيث تقوم بتجنيد وتدريب المرتزقة الذين يُطْلق عليهم الكثير من التعريفات السياسية الأخرى، منها «المقاتلون الأجانب» و«جيوش الظل»، ومن أبرز الشركات التي ارتبط اسمها بالصراعات العسكرية في الشرق الأوسط، شركة «بلاك ووتر» التي برز دورها في حربي أفغانستان والعراق وغيرت اسمها إلى «إكس آي للخدمات الأمنية» عام 2009.
وأعادت تطورات الأزمة الليبية تسليط الضوء على دور المرتزقة في الصراعات المسلحة بالمنطقة، وقال خبراء عسكريون إن أبرز الأسباب التي دعت إلى تسريع عملية تحرير العاصمة طرابلس، والتي بدأتها قوات الجيش الوطني الليبي، هو إخلاء العاصمة من قوات المرتزقة.
وأعلنت قوات الجيش الوطني، في 8 مايو (أيار) الماضي، إسقاط مقاتلة حربية تابعة لقوات حكومة الوفاق في محور «الهيرة»، كان يستقلها طيار برتغالي الجنسية، في الوقت الذي نفى فيه العقيد طيار محمد قنونو المتحدث باسم قوات حكومة الوفاق سقوط أي طائرة عسكرية تابعة لها، بينما وصفت لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب الليبي الاستعانة بطيارين أجانب بأنها «جريمة حرب».
كما أعلنت الكتيبة «140 مشاة» التابعة للقيادة العامة للجيش الوطني الليبي، في بيان مصور على صفحتها الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك»، في 18 يونيو (حزيران) الجاري، عن نجاحها في القبض على عدد من المرتزقة الأجانب من جنسيات أفريقية أثناء قتالهم ضمن قوات حكومة الوفاق، وذلك خلال عملية تحرير العاصمة طرابلس من الجماعات الإرهابية والميليشيات المسلحة.
وكشفت التحقيقات الليبية مع الطيار البرتغالي عن مخطط جماعي لتجنيد الطيارين المرتزقة من دول كثيرة، وقال عادل الحضيري، عضو مكتب المدعي العام العسكري في الجيش الليبي، في تصريحات صحافية في أبريل (نيسان) الماضي، أن «الطيار المرتزق البرتغالي (جيمي ريس) كشف أن تجنيده في قاعدة الطلية الجوية في مصراتة لم يكن فرديًا، بل كان ضمن عملية منظمة بدأت منذ أكثر من 4 سنوات، بهدف بناء قوة جوية بالمدينة بعد أن رفض الطيارون الليبيون القتال مع الميليشيات التي تسيطر على المدينة، حيث يوجد طيارون وفنيون مرتزقة من الإكوادور والبرتغال وأوكرانيا».
ويقول اللواء جمال مظلوم، الخبير الاستراتيجي والعسكري، لـ«المجلة» إن «تزايد ظاهرة المرتزقة في الكثير من دول منطقة الشرق الأوسط أصبح أمرًا مقلقًا وشائكًا، فهم يقاتلون مع أطراف كثيرة، بمعنى أن كل طرف سواء ميليشيات مسلحة أو حكومات تستعين بهم في الحرب، مما يؤدي إلى إطالة أمد الصراع العسكري، ويعرقل حسم المعركة ضد التنظيمات الإرهابية، فهم أشبه بوقود دائم التدفق يغذي الصراع».
وحذر مظلوم من أن «مخاطر المرتزقة لا تتوقف عند المرحلة الحالية ودورهم في النزاع المسلح القائم، بل إن الخطر الأكبر سيأتي مستقبلاً، فالكثيرون منهم يتزوجون ويستقرون بمناطق النزاع، ليتخذوا منها نقطة انطلاق لتنفيذ المهام القتالية المكلفين بها في دول الجوار، وهو ما يعني أنهم سيتحولون عقب انتهاء النزاع المسلح إلى بؤر عسكرية وخلايا نائمة، وسيكون لديهم القدرة على إعادة تأجيج الصراع إذا طلبت منهم الشركات الأمنية التي يعملون بها مهامًا جديدة».
الوضع الخاص للنزاعات العسكرية بمنطقة الشرق الأوسط بتعقيداته التي تتعلق بتعدد أطراف الصراع في كل دولة من ميليشيات وجماعات كثيرة، بجانب الحرب الرسمية لمواجهة التنظيمات الإرهابية، ساهم في تنامي دور المرتزقة والتوسع في الاستعانة بهم، سواء من جيوش حكومات رسمية أو الميليشيات والجماعات السياسية المتحاربة، أو التنظيمات الإرهابية، مما جعل أيضًا دولاً إقليمية ودولية تلجأ للاستعانة بهم ودعمهم للدفاع عن مصالحها من خلال محاولة التأثير في موازين القوى لصالح الطرف الذي تعتقد أن انتصاراته قد تتوافق مع مصالحها السياسية والاقتصادية، ويقوم الجنود المرتزقة خلال الصراعات بالاستحواذ والسيطرة على الموارد الاقتصادية، خاصة النفط، لصالح الطرف الذي يقاتلون لصالحه.
وهو ما دفع أحمد المسماري، الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الوطني الليبي، إلى اتهام أطراف إقليمية بدعم الميليشيات الليبية عبر تزويدها بمجموعات من المرتزقة، بهدف تغيير مسار المعارك وإطالة أمدها.
وقال المسماري في تصريحات صحافية في أبريل (نيسان) الماضي، أن «عناصر أجنبية تقاتل إلى جانب حكومة الوفاق، وإرهابيين تم نقلهم من مدينتى زوارة ومصراتة إلى طرابلس عن طريق تركيا، كما أن هناك طائرات تقوم بالتصوير وتقديم معلومات عن الجيش الوطني لقوات الوفاق».
وحذر خبراء في العلوم السياسية من مخاطر دور المرتزقة في المستقبل السياسي لدول الصراع بمنطقة الشرق الأوسط، خاصة ما وصفوه بـ«عرقلة» أي تسويات سياسية تعقب انتهاء النزاع المسلح، إضافة إلى مخاطر وجود جيل جديد من الأطفال المقاتلين نتيجة زواج أب وأم مهنتهما الحرب مقابل أجر.
وتقول الدكتورة نهى بكر، أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأميركية بالقاهرة، لـ«المجلة»: «عقب انتهاء مرحلة النزاع المسلح سيبقى التعامل مع ملف المرتزقة أمرًا في غاية الصعوبة، حيث سيكون لهم تأثير كبير على مرحلة بناء التوافق السياسي، فهم يعملون لصالح دول أو جماعات ليس من مصلحتها انتهاء الحرب، لذلك يمكن أن يكونوا أداة لعرقلة أي عملية سياسية، مما قد يؤدي إلى احتمالات تجدد الصراع العسكري مرة أخرى».
وتضيف بكر: «من بين تعقيدات ملف المرتزقة، دخول العنصر النسائي، حيث أصبح يوجد بين صفوف المقاتلين المرتزقة أعداد غير قليلة من النساء، إضافة إلى قيام بعض الدول الإقليمية بتوطينهم ومنحهم جنسياتها، وهو ما نتج عنه جيل جديد من المرتزقة الأطفال، سيشكلون خطرا أكبر في المستقبل، لأن معظمهم نتيجة زواج أبوين يمتهن كلاهما مهنة (المرتزق)، وهي قضية شائكة ستضع هذه الدول أمام تحديات كبيرة».
وتشير بكر إلى أن «أحد أهم أسباب انتشار ظاهرة المرتزقة بمنطقة الشرق الأوسط، هو طبيعة هذه الدول التي تؤدي الصراعات فيها إلى تعدد أطراف المواجهات العسكرية، فحتى عام 2003 خلال الحرب الأميركية على العراق، كانت الاستعانة بالمرتزقة قاصرة على الدول والحكومات، لكنه أصبح في الوقت الراهن متاحًا للجميع، سواء ميليشيات أو جماعات سياسية أو تنظيمات إرهابية، وقد ارتبطت فكرة الاستعانة بالمرتزقة خلال الحروب في العصر الحديث بالدول الديمقراطية التي تسعى حكوماتها إلى التدخل في شؤون دول أخرى، أو التأثير في النزاعات المسلحة بأي مكان بالعالم، لكنها تواجه مشكلة في القيام بذلك بشكل رسمي، ولا يمكنها مواجهة برلماناتها أو مواطنيها، لذلك تلجأ إلى المرتزقة الذين توفرهم شركات الخدمات الأمنية التي ما زالت أعمالها تتسم بقدر كبير من السرية».


اشترك في النقاش