تطور تكنولوجيا الاتصالات فتح آفاقًا جديدة للتواصل الشخصي بين الرؤساء

تفاصيل المسارات الدبلوماسية السرية لترتيب لقاءات زعماء العالم على هامش القمم الدولية
* مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لـ«المجلة»: اللقاءات السياسية بين زعماء الدول تتم بسرية كبيرة باستخدام التواصل الدبلوماسي غير ‏الرسمي أو الاستعانة بدولة ثالثة تلعب دور الوسيط
* عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية: ثورة تكنولوجيا الاتصالات ساهمت في تطور العمل الدبلوماسي وانتهاء ما ‏يطلق عليه «الدبلوماسية التقليدية»‏

القاهرة: اللقاءات الخاصة التي تَجمع قادة وزعماء العالم على هامش القمم الدولية قد لا تسْتغْرق نحو 20 إلى 30 دقيقة، إلا أنه يسبقها اتصالات سياسية تخضع لقدر كبير من السرية، ومسارات دبلوماسية تتم أحيانًا وفق بروتوكولات معروفة ومحددة سلفًا، وفي أحيان كثيرة تكون أكثر تعقيدًا، وتواجه عراقيل سياسية يتعلق بعضها بطبيعة القضايا المطروحة للنقاش بين الجانبين، وتزداد التعقيدات في حال إذا كانت العلاقات بين الدولتين تواجه مشكلات سياسية أو دبلوماسية، وساهم تطور تكنولوجيا الاتصالات في خلق مساحات جديدة للتواصل بين رؤساء وملوك العالم على هواتفهم الخاصة دون الحاجة إلى وسائل الدبلوماسية التقليدية.
وتختلف ترتيبات اللقاءات بين زعماء وقادة العالم على هامش القمم الدولية عن الزيارات الرسمية التي يقوم بها أي رئيس لبلد آخر، إذ تُشكِل القمة فرصة للقادة للتشاور حول تطورات الكثير من القضايا المشتركة، كما تكون فرصة لتجاوز الخلافات حول بعض الملفات دون أن تتخذ طابع زيارة رسمية يضطر الطرفان خلالها للإعلان عن أسباب الزيارة للرأي العام، وفي كثير من الأحيان تكون اللقاءات على هامش القمم غير معلنة، أو يتم التعتيم الإعلامي على القضايا التي تمت مناقشتها، خاصة في حال وجود توترات سياسية بين البلدين.
يقول السفير جمال بيومي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق لـ«المجلة»: «عندما يرغب رئيس بلد ما في لقاء زعيم دولة أخرى على هامش إحدى القمم الدولية، تبدأ الاتصالات الدبلوماسية مبكرًا، لأن جدول أعمال معظم الرؤساء يكون مزدحمًا خلالها، ووفق المسارات الدبلوماسية الطبيعية، والتي تتم في الظروف العادية دون الحاجة إلى اتصالات خاصة، يقوم سفير البلد بإبلاغ وزارة الخارجية بالبلد الذي يعمل به عن رغبة رئيس بلده في لقاء زعيم البلد المضيفة، كما تقوم وزارة الخارجية ببلد السفير بإبلاغ سفير البلد الآخر بها كي يبلغ بلده وتبدأ الترتيبات».
ويضيف بيومي: «قد يحتاج الأمر إلى اتصالات بين وزيري خارجية البلدين، أو تتم الترتيبات من خلال السفراء فقط، وفي حالات كثيرة يجتمع وفدان من البلدين لترتيب جدول الأعمال والقضايا التي يَعتزم الزعيمان مناقشتها، فإذا كانت القضايا المطروحة ذات طبيعة سياسية حساسة أو ذات أبعاد أمنية، فيمكن أن تشارك قيادات أمنية واستخباراتية من البلدين في اجتماع تحديد جدول الأعمال، وفي معظم الحالات تكون لقاءات الزعماء على هامش القمم قصيرة وتستغرق عادة ما بين 20 إلى 30 دقيقة لأن تفاصيل ما سيتحدثون عنه تم النقاش حوله في اجتماع بين مسؤولي البلدين خلال ترتيبات اللقاء».
وعلى الرغم من أهمية اللقاءات الخاصة بين زعماء العالم على هامش القمم الدولية لتجاوز الخلافات سواء حول بعض الملفات أو القضايا المشتركة، إلا أنها تواجه صعوبات كثيرة في حال وجود توترات سياسية بين البلدين، ويتعامل الطرفان باعتبارها فرصة لتجاوز الخلافات، غير أن الترتيبات تتم بقدر كبير من السرية سواء باستخدام التواصل الدبلوماسي غير الرسمي، أو الاستعانة بدولة ثالثة تلعب دور الوسيط.
السفير رخا أحمد حسن عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية يقول لـ«المجلة»: «في حال وجود توترات سياسية بين البلدين، أو خلافات في وجهات النظر حول قضايا كبيرة مؤثرة، تتم ترتيبات عقد لقاء بين زعيمي البلدين من خلال دولة ثالثة تقبل القيام بدور الوسيط، ويتم دعم هذه الوساطة من خلال الدبلوماسية العميقة، فمهما توترت العلاقات بين أي بلدين يظل هناك قنوات اتصال دبلوماسية غير رسمية من خلال أشخاص من الطرفين يظلون على اتصال بشكل غير معلن، ويكون دورهم هاما لدعم مساعي حل الخلافات، كما يتم في كثير من الأحيان الاستعانة بالمندوبين الدائمين لدى الجمعية العامة للأمم المتحدة لفتح قنوات حوار مبدئي، أو على الأقل تبادل الرسائل بين الزعماء بشكل غير رسمي».
وساهمت ثورة تكنولوجيا وسائل الاتصالات الحديثة في تطور العمل الدبلوماسي وانتهاء ما يطلق عليه «الدبلوماسية التقليدية»، إذ أصبح يمكن لزعماء العالم البقاء على اتصال شخصي مباشر دون الحاجة إلى المسارات الدبلوماسية، خاصة إذا كانت تجمعهما علاقات جيدة تتطور في أحيان كثيرة إلى وصف كل منهما للآخر بأنه «صديق».
ويشير حسن إلى أن «تطور وسائل الاتصالات أدى إلى تغير الكثير من مفاهيم العمل الدبلوماسي التقليدي، فمنذ سنوات كان أي رئيس يسافر خارج بلده لزيارة بلد آخر مرة أو مرتين على الأكثر طوال العام، الآن أصبح أي زعيم ينتقل يوميا من بلد لآخر لأن السفر أصبح أسهل كثيرًا، وقد تأثر العمل الدبلوماسي بالتطورات التكنولوجية، ولم تعد وزارة الخارجية هي المؤسسة الوحيدة المسؤولة عن العمل الدبلوماسي في أي دولة، إذ أصبح الرؤساء والزعماء يتواصلون هاتفيا بشكل مباشر، وتنامى دور مؤسسات الرئاسة لأي بلد في العمل الدبلوماسي، كما أدت التعقيدات السياسية في العالم كله إلى وجود ملفات سياسية تدار من داخل قصور الحكم عن طريق الرئيس نفسه وبعيدا عن وزارة الخارجية تمامًا».
ويضيف حسن «الكثير من زعماء ورؤساء العالم يتواصلون هاتفيا بشكل مباشر، خاصة الذين تجمعهم صداقة، ولا يحتاج أي رئيس إلى التعقيدات الدبلوماسية القديمة للتواصل مع زعيم بلد آخر، كل ما عليه أن يرفع سماعة الهاتف ويتصل به، لكن يجب أن يوجد بجانبه مترجم في حال عدم إجادته التامة للغة التي يتحدث بها الرئيس الآخر، وذلك تجنبًا لأي لَبس أو تأويل في الترجمة قد يتسبب في سوء فهم».
ويرى دبلوماسيون أنه في كثير من الأحيان يتوقف نجاح ترتيب لقاء خاص بين زعماء العالم على هامش القمم على كفاءة السفراء، إذ إن أحد معايير قياس كفاءة أي سفير هو مدى قربه وتواصله مع المؤسسات الرسمية في البلد الذي يعمل به، وعلاقاته السياسية التي تُمكنه من إنجاز عمله بفاعلية أكثر.
ويقول السفير جمال بيومي إن «قوة السفير واحتفاظه بقنوات اتصال مع المؤسسات الرسمية في البلد الذي يعمل به، وعلاقاته مع الشخصيات السياسية البارزة تساعده كثيرا في القيام بدوره بفاعلية أكبر، وذات مرة كنت في جلسة مع وزير خارجية مصري سابق، وكان يدلل على كفاءة إحدى سفيراتنا بالخارج من خلال قصة مفادها أنه ذهب إلى جنوب أفريقيا، وبينما كان يجلس مع سفيرتنا في مقر البعثة الدبلوماسية تطرق الحديث بينهما إلى الرئيس مانديلا، فقامت السفيرة برفع سماعة الهاتف واتصلت بمانديلا على هاتفه الشخصي».
ويُشير خبراء العلوم السياسية إلى أن شخصية الرئيس وطبيعة نظام الحكم في بلده تؤثر على تحديد المسارات الدبلوماسية المُتبعة لترتيب اللقاءات مع زعماء آخرين، كما يكون لشخصية الرئيس تأثير كبير ليس فقط في تحديد إطار السياسة الخارجية لبلده، بل في التنافس المعروف بين مؤسسات الدولة المختلفة حول السياسة الخارجية بشكل عام، وتجاه دول محددة على وجه الخصوص.
وتقول الدكتورة نهى بكر أستاذة العلوم السياسية المتخصصة في العلاقات الدولية بالجامعة الأميركية بالقاهرة لـ«المجلة»: «على الرغم من أن نظام الحكم في أي بلد يحدد الأسس العامة للسياسة الخارجية وفقًا للدستور، إلا أن شخصية الرئيس يكون لها التأثير الأكبر في رسم تفاصيل هذه السياسات، خاصة أن الكثير من الدول تشهد تنافسًا بين مؤسسات مختلفة حول الموقف من السياسة الخارجية، مثلما يحدث من تنافس بالولايات المتحدة الأميركية بين وزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، وفي بعض الدول يكون ملف العلاقات الخارجية مسؤولية المؤسسة العسكرية أو الاستخبارات والأجهزة الأمنية المختلفة، لذلك تكون المؤسسات الأمنية والاستخباراتية لها دور كبير في ترتيب لقاءات رئيس الدولة مع رئيس دولة أخرى، خاصة إذا كانت الملفات التي ستتم مناقشتها ذات طابع أمني، ويكون دائما الشكل الإطاري المُعلن للاتصالات يتم عبر وزارة الخارجية، لكن غالبًا ما تجري اتصالات أخرى ذات طابع سري بين المؤسسات الأمنية والاستخباراتية في البلدين لترتيب اللقاء».


اشترك في النقاش