ما الذي حدث خلال الـ 6 شهور الأولى من حكم بولسونارو؟

كشفت عن عمق الأزمة الداخلية التي تواجهها البرازيل
* خلال الربع الأول من هذا العام، تقلص أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية للمرة الأولى منذ عام 2016
* دفعت محاولات الكونغرس تعطيل مشروع قانون إصلاح نظام المعاشات التقاعدية، وزير الاقتصاد إلى أن يهدد بتقديم استقالته إذا لم يتم تمرير مشروع القانون
* إذا استمرت الأزمة الاقتصادية خلال الشهور القادمة، فإن دعم بولسونارو قد يتراجع بدرجة أكبر، مما يعرض أجندته الاقتصادية للخطر
* تراجعت نسبة تأييد المواطنين لكيفية تعامل بولسونارو مع الملف الاقتصادي من 86 % في يناير الماضي إلى 14 % في مايو الماضي
* شهدت البرازيل، في منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي، موجة واسعة النطاق من الاحتجاجات الشعبية، اعتراضا على إصلاح نظام المعاشات التقاعدية
* ثمة أزمة داخل الحكومة البرازيلية، والتي برزت مع تصريحات نائب الرئيس البرازيلي «هاملتون موراو» بأنه يتعين على الرئيس أن يكبح زمام أبنائه بعدما وصف أحدهم وزيرا في الحكومة بأنه «كاذب»
* البرازيل هي واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم للكوكايين وطريق رئيسي لنقل المخدرات التي يتم شحنها إلى أوروبا وأفريقيا
* دفعت تصريحات بولسونارو المناهضة لحقوق المرأة والإنسان بصفة عامة إلى قيام المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي بإلغاء فعالية كان من المقرر أن يكون الرئيس البرازيلي ضيف شرف فيها

شهدت الأشهر الستة الأولى من حكم الرئيس البرازيلي «غايير بولسونارو»، الكثير من الأحداث والتطورات التي تكشف بجلاء عن عمق الأزمة الداخلية التي تواجهها أكبر دولة في أميركا اللاتينية؛ إذ شهدت الأشهر الستة الأولى من حكم الرئيس اليميني، الذي تولى مهام منصبه في الأول من يناير (كانون الثاني) الماضي ولمدة أربع سنوات، موجة من الاحتجاجات والفضائح والاتهامات بالفساد، لتكون بذلك أسوأ بداية لرئيس برازيلي منذ عدة عقود، حيث تتزايد المعارضة للرئيس بولسونارو، خاصة مع ما تكشف عنه استطلاعات الرأي من أن نحو 36 في المائة من الناخبين يعتبرون إدارته الآن سيئة أو سيئة للغاية، مقارنة بـ17 في المائة في فبراير (شباط) الماضي، كما كشفت استطلاعات الرأي عن انخفاض معدل التأييد لبولسونارو من 49 في المائة في يناير الماضي إلى 34 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي، وهو أدنى معدل تأييد لرئيس برازيلي على الإطلاق خلال المائة يوم الأولى من ولايته الرئاسية. وفي هذا الإطار، يمكن رصد أهم التطورات والأحداث التي شهدتها البرازيل، وكذلك أبرز ملامح التحركات الخارجية والمواقف الإقليمية والدولية للرئيس البرازيلي الجديد كما يلي:

 




مظاهرة إحتجاجية ضد إصلاحات الحكومة البرازيلية المتعلقة بنظام التعليم والمعاشات التقاعدية في برازيليا في 12 يوليو 2019 (غيتي)


 
أولاً: على الصعيد الداخلي
يمكن استعراض أبرز التطورات الداخلية التي شهدتها البرازيل خلال فترة حكم بولسونارو على النحو التالي:
1 - تراجع معدل النمو الاقتصادي: خلال الربع الأول من هذا العام، تقلص أكبر اقتصاد في أميركا اللاتينية للمرة الأولى منذ عام 2016. حيث خفض البنك المركزي البرازيلي توقعاته للنمو الاقتصادي لعام 2019 من 2 في المائة إلى 0.8 في المائة، مع احتمال انزلاق البلاد إلى نفق الركود الاقتصادي، وهو ما سيفاقم من مشكلة البطالة التي تعاني منها البرازيل، في ظل ما كشفت عنه أحدث البيانات من أن هناك أكثر من 13 مليون شخص عاطل عن العمل.
وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أنه عند تولي بولسونارو رئاسة البلاد، كانت هناك آمال كبيرة معقودة على وزير الاقتصاد «باولو جويديس»، لتحقيق الإصلاح الاقتصادي المرجو، لكن يبدو أن جويديس لم يحصل على القوة السياسية اللازمة لتحقيق ذلك، في ظل تفضيل الرئيس لتجنب القرارات التي لا تحظى بشعبية جماهيرية مثل تخفيض المعاشات وخصخصة الشركات المملوكة للدولة. ودفعت محاولات الكونغرس تعطيل مشروع قانون إصلاح نظام المعاشات التقاعدية، وزير الاقتصاد إلى أن يهدد بتقديم استقالته إذا لم يتم تمرير مشروع القانون. وإذا استمرت الأزمة الاقتصادية خلال الشهور القادمة، فإن دعم بولسونارو قد يتراجع بدرجة أكبر، مما يعرض أجندته الاقتصادية للخطر، حيث تراجعت نسبة تأييد المواطنين لكيفية تعامله مع الملف الاقتصادي من 86 في المائة في يناير الماضي إلى 14 في المائة في مايو (أيار) الماضي.
ويمتلك بولسونارو ووزير الاقتصاد في حكومته، أجندة شاملة للإصلاحات الصديقة للأعمال، والتي من بينها: إصلاح النظام الضريبي ليكون قادرًا على تخفيف العبء عن المواطنين والشركات، وخصخصة الشركات المملوكة للدولة، وخفض التعريفة الجمركية على التجارة، وكذلك تخصيص الموارد من الحكومة الفيدرالية إلى الولايات والمدن، ورغم ذلك فإنه من دون وجود ائتلاف قوي داعم لسياسات بولسونارو الاقتصادية داخل الكونغرس، الذي يشهد تشرذمًا حزبيًا كبيرًا (30 حزبا سياسيا)، فلن يكون بمقدوره المضي قدمًا في كافة السياسات الاقتصادية التي يعتزم تنفيذها، خاصة أن الحزب الاجتماعي الليبرالي (حزب الرئيس بولسونارو) يشغل نحو 10 في المائة فقط من المقاعد.
2 - احتجاجات شعبية: شهدت البرازيل، في منتصف شهر يونيو (حزيران) الماضي، موجة واسعة النطاق من الاحتجاجات الشعبية، اعتراضا على إصلاح نظام المعاشات التقاعدية، وانطلقت الاحتجاجات في نحو 300 مدينة في جميع أنحاء البرازيل، وكان ذلك أول احتجاج جماعي تشارك فيه كبرى النقابات العمالية منذ بداية تولي الرئيس البرازيلي الحكم، حيث شارك في الاحتجاجات نحو 45 مليون شخص في 27 ولاية برازيلية. وأسفرت المسيرات الجماهيرية عن قطع للطرق وإضراب جزئي لبعض وسائل النقل العام، كما أصيبت بعض خطوط المترو بالشلل، وتم إغلاق المدارس والبنوك في كثير من المدن البرازيلية، كما تخلل الاحتجاجات وقوع اشتباكات منفصلة في عدد من المدن البرازيلية. وتعول الحكومة البرازيلية كثيرًا على إقرار مشروع قانون إصلاح المعاشات التقاعدية لأنه سيوفر لميزانية الدولة ما يقرب من (200 مليار دولار) خلال العقد المقبل، خاصة مع تأكيدات الرئيس بولسونارو أن البرازيل سوف تفلس إذا لم تطبق هذا الإصلاح. وفي المقابل، يواجه مشروع القانون مقاومة حادة من النقابات العمالية وفي مجلس النواب بالكونغرس، نظرًا لما يتضمنه من زيادة في الحد الأدنى لسن التقاعد وكذلك الاشتراكات والمساهمات، وهو ما يولد أعباء إضافية على العمال.
 




مسيرة طلابية خلال إضراب وطني دعت إليه النقابات العمالية بشأن إصلاح المعاشات في ريو دي جانيرو ، البرازيل ، في 14 يونيو 2019(غيتي)

بالإضافة إلى الاحتجاجات والمظاهرات التي تم تنظيمها اعتراضا على إصلاح نظام المعاشات التقاعدية، فقد نظم عشرات الآلاف من الطلاب والأكاديميين والمعلمين مظاهرات في جميع أنحاء البرازيل، وذلك في مايو الماضي، اعتراضا على التخفيضات الكبيرة التي يعتزم بولسونارو تطبيقها في الميزانية المخصصة للتعليم العام والجامعات الفيدرالية، وهو ما يقلل من الفرص المتاحة أمام الفئات الأكثر ضعفًا وتهميشًا في المجتمع، ويحرمها من فرص الحصول على فرص تعليم جيدة.
وفي 26 أبريل الماضي، خرج عدد من السكان الأصليين في مسيرات حاشدة شملت نحو 300 قبيلة، احتجاجًا على سياسات الرئيس بولسونارو التي يرون أنها تهدد أراضيهم. خاصة أن انتخابه، كان مدعومًا من قطاع الزراعة الذي يناصر توسيع رقعة الأراضي الزراعية وتخفيف القيود على التعدين في المناطق التي يعيش فيها السكان الأصليون، الذين يزيد عددهم على 850 ألف نسمة، أي أقل من واحد في المائة من عدد السكان، لكنهم يعيشون على مساحة تصل إلى 13 في المائة من مساحة البلاد. ورأى المحتجون أن الرئيس تخلى عن وعوده الانتخابية، حيث كان أول الإجراءات التي اتخذها بعد توليه منصبه هو حل الوكالة المعنية بشؤون السكان الأصليين (فوناي)، ووضع سلطة إصدار قرارات ترسيم الأراضي التي يطالب بها هؤلاء السكان في يد وزارة الزراعة.
3 - أزمة في الحكومة: يكافح الرئيس البرازيلي من أجل تثبيت أركان حكمه، وإحداث قدر من التوازن بين التيارات والأجنحة المتنافسة في حكومته، والتي تنقسم ما بين معادين للعولمة واقتصاديين ليبراليين وعسكريين. وفي ظل افتقار أغلب هؤلاء للخبرة فقد انخرطوا في صراع على السلطة داخل الدائرة الضيقة لحكومة بولسونارو، الذي أضحى يعتمد بشكل متزايد على أقرب أصدقائه وعائلته لشغل المناصب الرئيسية، ومن الواضح أن الرئيس يُقدر الولاء قبل أي شيء آخر، حتى إنه يقوم بإقالة الوزراء المعتدلين إذا لم يشيدوا به وبإنجازاته بصورة علنية.
وفي هذا الإطار، أقال الرئيس البرازيلي ثلاثة وزراء في حكومته خلال الأشهر الستة الأولى من حكمه، ففي فبراير (شباط) الماضي قام بإقالة وزير أمانة الرئاسة «غوستافو بيبيانو»، ثم أقال بعد ذلك في أبريل الماضي وزير التعليم «ريكاردو فيليس»، وفي شهر يونيو الماضي، قام بولسونارو بإقالة الجنرال الاحتياطي «سانتوس كروس»، وزير الشؤون الحكومية، في ظل الجدل المحتدم بين الوزراء العسكريين واليمينيين في الحكومة.
وكان «سانتوس كروس»، هدفًا لحملة عنيفة شنها «كارلوس بولسونارو»، أحد أبناء الرئيس، والعضو في مجلس بلدية ريو دي جانيرو، ومعه الكاتب اليميني «أولافو دو كارفالو»، الذي غالبًا ما يُقدم على أنه مرشد الرئيس، ولا يتردد في توجيه الإهانات للعسكريين في حكومة بولسونارو على مواقع التواصل الاجتماعي. وشن كارفالو هجومًا عنيفًا على «سانتوس كروس» لدفاعه عن فرض قيود على الإنترنت، وعين بولسونارو جنرالاً آخر في الجيش هو «باتيستا بيريرا»، ليكون عدد الجنرالات في الحكومة البرازيلية ثمانية من أصل 22 وزيرا.
وتأتي إقالة وزير الشؤون الحكومية في ظل أزمة جديدة تلوح في الأفق، والتي تتعلق بفضيحة لا تزال تتكشف أبعادها، بخصوص وزير العدل «سيرجيو مورو»، الذي يواجه دعوات للاستقالة بعد أن زعمت سلسلة من التسريبات قيامه بالتواطؤ مع المدعين العامين من أجل سجن المنافس الأساسي لبولسونارو في الانتخابات الرئاسية التي جرت العام الماضي، وهو الرئيس السابق «لولا دا سيلفا»، خاصة أن استطلاعات الرأي كانت تشير إلى أن لولا كان بمقدوره هزيمة بولسونارو لو خاض الانتخابات. ورفض مورو الاتهامات بارتكاب مخالفات ووصف مؤيدوه التسريبات بأنها «مؤامرة إجرامية» تهدف إلى تقويض مصداقية القاضي الفيدرالي السابق وإدارة بولسونارو نفسها. هذا بالإضافة إلى استقالة «واخيم ليفي» رئيس بنك التنمية البرازيلي في منتصف شهر يونيو الماضي، بعد يوم من تهديد الرئيس بولسونارو بعزله بسبب تعيينه مسؤولا في البنك له صلات بحزب العمال اليساري، العدو الآيديولوجي لبولسونارو، ليكون ليفي رابع مسؤول كبير يترك منصبه منذ يناير الماضي.
ومن الواضح أن ثمة أزمة داخل الحكومة البرازيلية، والتي برزت مع تصريحات نائب الرئيس البرازيلي «هاملتون موراو» بأنه يتعين على الرئيس أن يكبح زمام أبنائه بعدما وصف أحدهم وزيرا في الحكومة بأنه «كاذب» على مواقع التواصل الاجتماعي. وأضاف: «على الرئيس أن يستدعي أبناءه ويقول لهم: أنتم تعملون في مجلس الشيوخ وفي مجلس النواب وفي المجلس المحلي، اعملوا هناك على دعم أفكار الحكومة».
ولا تقتصر الاختلافات في الرؤى بين الرئيس بولسونارو وأولاده من جهة، ونائبه من جهة أخرى، على ذلك، إذ عارض نائب الرئيس خطة بولسونارو لنقل السفارة البرازيلية لدى إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، باعتبارها فكرة «غير صائبة» من وجهة نظره، لأنها ستضر بصادرات البرازيل إلى الدول العربية، بما في ذلك ما يقدر بنحو خمسة مليارات دولار من مبيعات اللحوم الحلال. وعلى الرغم من انتقاد بولسونارو خلال حملته الانتخابية، الاستثمارات الصينية الضخمة في البرازيل، أكبر شريك تجاري للبلاد، فقد قام مورو بزيارة الصين لاستئناف اجتماعات لجنة ثنائية رفيعة المستوى لتعزيز التجارة والاستثمار بين البلدين.
4 - فضائح الفساد: شهدت الأشهر الستة الأولى من حكم بولسونارو الكشف عن فضيحة فساد يتم التحقيق فيها مع النجل الأكبر للرئيس البرازيلي، وهو «فلافيو بولسونارو» (37 عامًا)، الذي انتخب عضوًا في مجلس الشيوخ البرازيلي عن ولاية ريو دي جانيرو في عام 2018، وذلك بتهمة غسل أموال، فضلاً عن احتمال تورطه في صفقات عقارية مشكوك فيها، وذلك على الرغم من نفي المتحدثة باسم نجل الرئيس البرازيلي ارتكابه أي جرائم، معتبرة أن التهم ذات دوافع سياسية. بالإضافة إلى ذلك، هناك بعض الأخبار المتداولة حول قيام حزب الرئيس «الحزب الاجتماعي الليبرالي» بارتكاب عمليات احتيال في تمويل الحملة الانتخابية الأخيرة.
إضافة إلى ذلك، فقد كشف مجلس الرقابة على الأنشطة المالية البرازيلي عن تحويل أكثر من 300 ألف دولار في عامي 2016-2017 إلى الحساب المصرفي لـ«فابريسيو كيروش»، الذي كان سائقًا ومستشارًا لـ«فلافيو بولسونارو»، على مدار عدة سنوات. كما قام كيروش بتحويل مبالغ مالية إلى «ميشيل بولسونارو»، زوجة الرئيس البرازيلي. وتُشكل فضائح الفساد الأخيرة ضربة موجعة إلى سمعة ومصداقية الرئيس البرازيلي، الذي كانت محاربة الفساد أحد أهم بنود برنامجه الانتخابي.
ويُضاف إلى ذلك، قيام إسبانيا في يونيو الماضي باعتقال ضابط بسلاح الجو البرازيلي كان ضمن الوفد المرافق للرئيس بولسونارو، أثناء توجهه لليابان للمشاركة بقمة مجموعة العشرين، بعدما تبين وجود 39 كيلوغرام من الكوكايين بحوزته، وذلك أثناء توقف الطائرة في مطار إشبيلية الإسباني. وكان الضابط متجهًا إلى أوساكا على متن طائرة احتياطية، فيما كان الرئيس البرازيلي على متن طائرة أخرى. وكان هذا الموقف محرجًا للغاية بالنسبة لبولسونارو، الذي تعهد بالعمل على تعزيز النزاهة والكفاءة المهنية للجيش البرازيلي.
ووصف الرئيس الحادث بأنه «غير مقبول»، مطالبًا وزارة الدفاع البرازيلية بالتعاون مع السلطات الإسبانية، مؤكدًا أنه في حال ثبتت إدانة الضابط، فسيتم الحكم عليه بموجب القانون. وقال في رسالة نُشرت على «تويتر»: «لن نتسامح مع هذا النوع من عدم الاحترام لأمتنا!». 
ومن المعروف أن البرازيل هي واحدة من أكبر الأسواق الاستهلاكية في العالم للكوكايين وطريق رئيسي لنقل المخدرات التي يتم شحنها إلى أوروبا وأفريقيا. وقد أيد بولسونارو مؤخرًا مشروع قانون ينص على تشديد العقوبات على جرائم المخدرات، كما أنه يؤكد ضرورة أن يكون لدى الشرطة مجال أكبر لفتح النار على المجرمين المشتبه بهم. وفي هذا السياق، أكد بعض النواب في أحزاب المعارضة على أن اعتقال الطيار يجب أن يقود الحكومة إلى إعادة التفكير في مقاربتها لمكافحة الاتجار بالمخدرات، مشددين على أن «قضية الكوكايين على متن الطائرة الرئاسية تظهر خطأ الاقتصار على شن حرب على المخدرات على الأحياء البرازيلية الفقيرة فقط».

 




سيدة برازيلية تحمل لافتة أثناء الاحتجاج على تخفيضات الإنفاق الثقافي لمدينة ساو باولو (غيتي)

5 - توتر العلاقة مع مجلس الشيوخ: شهدت الأشهر الستة الأولى من حكم بولسونارو حالة من التوتر في العلاقة مع مجلس الشيوخ، الذي رفض مرسومًا وقعه الرئيس، في شهر مايو (أيار) الماضي، ويهدف إلى تسهيل إجراءات حيازة الأسلحة داخل البلاد، فبموجب المرسوم يُسمح بحيازة الأسلحة النارية الخفيفة لبعض فئات المجتمع، وتحديدًا: المحامين وسائقي الشاحنات وشرطة المرور والحراس في القطاع الخاص، إلى جانب جميع الأشخاص الذين يعيشون في المناطق الريفية، وحتى الصحافيين الذين يحققون في أخبار الجريمة. كما أقر المرسوم الرئاسي زيادة في عدد الخراطيش التي يمكن شراؤها كل سنة لتصل إلى 50 ألفًا بعد أن كانت في الماضي 50 فقط. 
ويأتي هذا المرسوم الرئاسي في ظل تعهدات الرئيس البرازيلي أثناء حملته الانتخابية بتسهيل الشروط التي تسمح للمواطنين بالحصول على الأسلحة، بعد أن قيد قانون صادر عام 2003 من إمكانية اقتنائها. خاصة أن العنف في المدن يُشكل إحدى أكبر المشاكل الأمنية والاجتماعية في البلاد، حيث قُتل عام 2017 نحو 64 ألف شخص، ووصلت وتيرة العنف إلى مستويات قياسية (30.8 جريمة قتل لكل مائة ألف شخص)، وفقًا للمنتدى البرازيلي للأمن العام.
ومما تجدر الإشارة إليه أن قرار مجلس الشيوخ البرازيلي يبقى مؤقتًا في انتظار مصادقة مجلس النواب الذي يمكنه الإبقاء على المرسوم، بفضل دعم جماعات الضغط المؤيدة لحيازة الأسلحة النارية والتي لعبت دورًا هامًا في انتخاب بولسونارو، في حين يرى معارضو المرسوم أن توسيع قائمة الأشخاص الذين يُسمح لهم باقتناء الأسلحة هو آخر شيء تحتاجه البلاد، لأنه ربما يُسهم في زيادة عدد جرائم القتل في البرازيل.
وفي هذا الإطار، ينسب أنصار بولسونارو إليه الفضل في انخفاض عدد جرائم القتل، حيث وقعت خلال الفترة ما بين يناير ومارس الماضيين، نحو 5.711 جريمة قتل في 11 ولاية من أصل 26 ولاية برازيلية والمنطقة الفيدرالية حول برازيليا، بانخفاض قدره 27 في المائة مقارنة بالربع الأول من عام 2018، وذلك نتيجة تحسين أساليب عمل قوات الشرطة، ونشر قوات الأمن الفيدرالي في أكثر الولايات البرازيلية عنفًا. لكن على الجانب الآخر، تشير بعض التقديرات إلى أن بعض أشكال العنف، وليس أقلها عمليات القتل ذات الصلة بالشرطة، قد زادت منذ انتخاب بولسونارو، ففي ولاية ريو دي جانيرو وحدها، ارتفع عدد الأشخاص الذين قُتلوا في مواجهات مع مسؤولي الأمن بنسبة 18 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من هذا العام.
 




الرئيس البرازيلي يحمل كأس كوبا أميركا التي فازت به بلاده الشهر الجاري (غيتي)

6 - انتقادات داخلية: تسببت الكثير من التصريحات التي أدلى بها بولسونارو في إثارة موجة من الغضب في الداخل؛ فالرئيس المعروف بمناهضته لحقوق المرأة والمثليين، اضطر للاعتذار استجابة لأمر قضائي، لقوله لسيدة عضوة في البرلمان إنها «لا تستحق» أن يغتصبها أحد. وقال بولسونارو في «مذكرة اعتذار» نشرتها الرئاسة البرازيلية إنه «تطبيقًا لأمر قضائي، أقدم علنًا اعتذاري عن أقوالي السابقة الموجهة للنائبة الفيدرالية «ماريا دو روزاريو نونيس». وسعى الرئيس في المذكرة التي نشرها إلى شرح تصريحاته، مؤكدًا أن النساء البرازيليات يُشكلن أولوية خلال ولايته الرئاسية، وأن ذلك «كان وسيبقى دائمًا واضحًا عبر خطوات ملموسة». بالإضافة إلى تقديم اعتذاره، حُكم على بولسونارو أن يدفع للنائبة تعويضًا يُقدر بنحو ألفي دولار، فضلاً عن غرامات أخرى لم يتم الكشف عن قيمتها. وفي ذات السياق، تعرض بولسونارو لانتقادات شديدة عقب تعهده بعدم السماح بتحول بلاده إلى «جنة للسياح المثليين»، حيث أدت هذه التصريحات إلى إثارة ردود أفعال غاضبة داخل المجتمع البرازيلي، ووجهت إلى بولسونارو اتهامات باتباع نهج شعبوي متطرف.
وعلى الرغم من كافة التطورات الداخلية التي شهدتها البرازيل خلال الفترة الأولى من حكم بولسونارو، والتي تكشف عن جوانب عدة للأزمة التي تواجهها البلاد، غير أن عددا من تلك التطورات ذاتها تعكس في نفس الوقت بعض جوانب القوة في التجربة البرازيلية؛ فسماح المحكمة العليا بالتحقيق في قضية الفساد المتهم فيها أحد أبنائه، فضلاً عن توفيرها الحماية القانونية للأشخاص المثليين الذين ينتقدهم بولسونارو كثيرًا، وكذلك رفض مجلس الشيوخ مرسومًا وقعه بولسونارو بتخفيف القيود المفروضة على الأسلحة، إضافة إلى أن القاضي الفيدرالي (وزير العدل الحالي) الذي أشرف على التحقيق في أضخم فضيحة فساد شهدتها البرازيل خلال السنوات الماضية والمتعلقة بالفساد في شركة بتروبراس النفطية الحكومية، وهو ذاته يواجه مطالبات بالاستقالة نتيجة مخالفات ذات صلة بفضيحة الفساد ذاتها، جميعها أمور تكشف بجلاء قدرة مؤسسات الدولة البرازيلية على تقييد هذا الرئيس الذي يتهمه معارضوه بأن له ميولا استبدادية.
 
ثانيًا: على الصعيد الخارجي
قام الرئيس بولسونارو خلال الأشهر الماضية بعدد من التحركات لتوطيد علاقات البرازيل ببعض دول العالم وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل، كما كانت له مواقف مثيرة للجدل من بعض القضايا الإقليمية والدولية، وذلك على النحو التالي:
1 - العلاقات مع الولايات المتحدة: قام الرئيس البرازيلي بزيارة الولايات المتحدة في مارس (آذار) الماضي، وكانت أول زيارة خارجية يقوم بها منذ توليه رئاسة البلاد، وكان من الثمار الإيجابية لتلك الزيارة، إعلان الرئيس الأميركي «دونالد ترامب» أنه ينظر بجدية إلى عضوية البرازيل في حلف الناتو أو إقامة تحالف من أي نوع آخر مع هذا البلد. وأوضح الرئيس ترامب خلال مؤتمر صحافي مشترك مع بولسونارو في البيت الأبيض: «كما قلت للرئيس بولسونارو أعتزم أيضًا منح البرازيل صفة الحليف الأكبر من خارج الناتو... أو ربما الحليف في الناتو. وسيتعين علي أن أتحدث مع الكثيرين»، مشيرًا إلى أن عضوية البرازيل في الناتو ستعزز التعاون الأمني بين البلدين. بالإضافة إلى ذلك، فقد أعرب ترامب عن تأييده لانضمام البرازيل إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، التي قدمت طلب العضوية فيها في عام 2017. وتجدر الإشارة إلى أن دولة واحدة فقط من بين دول أميركا الجنوبية، وهي كولومبيا، تتمتع بصفة «الشريك العالمي» لحلف الناتو. وتتمتع 17 دولة بصفة «حليف من خارج الناتو» للولايات المتحدة. وتقضي هذه الصفة بتعميق التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وإجراء مناورات مشتركة وتوريدات الأسلحة الأميركية والمشاركة في مختلف المبادرات العسكرية والأمنية مع الولايات المتحدة.
ويعتقد البعض أن سعي الرئيس ترامب إلى ضم البرازيل إلى عضوية حلف الناتو يستهدف ما هو أبعد من تعزيز التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، فربما يكون ذلك محاولة من قبل الإدارة الأميركية لمواجهة فنزويلا، حيث يمكن للولايات المتحدة، بعد أن تصبح البرازيل عضوًا في حلف الناتو، أن تسعى إلى تطبيق المادة الخامسة من ميثاق الحلف، والتي تفترض ردًا عسكريًا من جميع دول الحلف، إذا تعرض أي منها للعدوان. وهكذا، فأي استفزاز تقوم به الولايات المتحدة على حدود فنزويلا والبرازيل يمكن أن يعتبره الأميركيون «عدوانًا على عضو في الناتو من قبل كاراكاس»، الأمر الذي سيجبر الحلف بأكمله على استخدام قوته العسكرية ضد المعتدي.
 




الرئيس البرازيلي يصافح نظيرة الأميركي في قمة مجموعة العشرين أوساكا 2019

وأسفرت زيارة الرئيس البرازيلي لواشنطن كذلك عن الاتفاق على الضمانات التكنولوجية التي تسمح بالاستخدام التجاري لقاعدة إطلاق الأقمار الصناعية في الكانتارا في جنوب البرازيل. وتم التوصل إلى الاتفاقية بعد ما يقرب من عشرين عامًا من التفاوض، وتُمثل فرصة جيدة للولايات المتحدة نظرًا لقربها من خط الاستواء، مما سيؤدي إلى توفير نحو 30 في المائة من تكاليف الوقود. كما قرر الرئيس بولسونارو، بصورة أحادية، إلغاء تأشيرة دخول المواطنين الأميركيين البرازيل، سعيًا إلى جذب المزيد من السياح الأميركيين إلى البلاد.
وعلى الرغم من التقارب الواضح في الرؤى والمواقف بين الولايات المتحدة والبرازيل في عهد بولسونارو، فيعتقد بعض المعارضين للسياسة الخارجية للرئيس البرازيلي، أنه بتحالفه مع واشنطن، يُفسح المجال لعودة التدخلات الأميركية في الشؤون الداخلية للبرازيل وبقية دول أميركا اللاتينية، وهي التدخلات التي لطالما عارضتها الحكومات اليسارية البرازيلية السابقة، خاصة مع حديث الرئيس البرازيلي عن إمكانية إقامة قاعدة عسكرية أميركية على الأراضي البرازيلية.
2 - العلاقة مع الصين: شن بولسونارو خلال حملته الانتخابية هجومًا حادًا ضد الصين، التي تشترك مع البرازيل في عضوية تجمع بريكس، بذريعة قيامها باستغلال البرازيل من خلال اتفاقات غير متوازنة، لكن ذلك لا ينفي أهمية تأثير العامل الأميركي على العلاقات البرازيلية الصينية، فالولايات المتحدة التي تخوض حربًا تجارية مع الصين، لن تقبل قيام البرازيل بتوطيد علاقاتها مع الصين على حسابها. وعلى الرغم من الضغوط التي قام بها الفريق الاقتصادي في حكومة بولسونارو عليه من أجل تخفيف حدة الانتقادات التي يوجهها للصين، فقد شهدت العلاقات بين البلدين مؤخراً قدراً كبيراً من التوتر مع إلغاء الرئيس البرازيلي اجتماعًا كان من المقرر أن يعقده مع نظيره الصيني «شي جين بينغ» خلال مشاركته في قمة العشرين الأخيرة باليابان، نتيجة التأخر في عقد موعد الاجتماع.
وفي هذا الإطار، يواجه الرئيس البرازيلي معضلة حقيقية، فسواء أحب بولسونارو الصين أم لا، فإن العلاقات التجارية مع الصين مهمة بشكل استثنائي بالنسبة للبرازيل، لأن بكين تُعد الشريك التجاري والمستثمر الأكبر للبرازيل، ويأمل كثيرون في أن تسهم زيارة بولسونارو للصين، للمشاركة في القمة الحادية عشرة لتجمع بريكس، والمقرر عقدها خلال الفترة من 13 - 14 نوفمبر (تشرين الثاني) القادم، في تحسين العلاقات بين البلدين. فضلاً عن مساعي نائب الرئيس البرازيلي «هاملتون موراو» للتخفيف من حدة التوترات بين البلدين خلال مشاركته في فعاليات اللجنة رفيعة المستوى للتعاون بين الصين والبرازيل (كوسبان)، في مايو الماضي، وذلك بتأكيده على رغبة البرازيل في تعميق العلاقات التجارية بين البلدين.

3 - العلاقة مع الاتحاد الأوروبي: في 29 يونيو الماضي، تمت المصادقة على اتفاق تجاري وصفه البعض بـ«التاريخي» بين الاتحاد الأوروبي ودول تجمع ميركوسور (البرازيل والأرجنتين والأوروغواي والباراغواي)، وبموجب هذا الاتفاق، سيسمح بإدخال نحو مائة ألف طن من لحم البقر من دول أميركا اللاتينية الأربع لدول الاتحاد الأوروبي من دون فرض رسوم جمركية عليها. وعلى الرغم مما يُقال عن دور مهم لعبه الرئيس بولسونارو من أجل إتمام هذا الاتفاق، فإن الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» اشترط للمضي قدمًا في تنفيذ الاتفاق، موافقة البرازيل على اتفاقية باريس الخاصة بتغير المناخ، فالتقيد الواضح بالاتفاقية خاصة من قبل البرازيل تم النص عليه بشكل صريح في الاتفاق التجاري الجديد، وهو الأمر الذي يحدث للمرة الأولى «على هذا المستوى في نص تجاري».
 




الرئيس البرازيلي يصافح رئيس الوزراء الياباني في قمة مجموعة العشرين أوساكا 2019


 

4 - الموقف من قضية التغيرات المناخية: كشف المعهد الوطني البرازيلي لأبحاث الفضاء، وهي وكالة حكومية تراقب أقمارها الصناعية أيضًا الأمازون، تسارع عملية إزالة الغابات في منطقة الأمازون بأكثر من 60 في المائة في شهر يونيو الماضي مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وكان معدل تدمير الغابات المطيرة مستقرًا خلال الأشهر القليلة الأولى من رئاسة بولسونارو لكنه بدأ في الارتفاع في شهري مايو ويونيو الماضيين. وتُلقي جماعات حماية البيئة باللوم على الرئيس البرازيلي وحكومته في هذا الارتفاع، قائلين إنه خفف من القيود المفروضة على إزالة الغابات في البلاد، خاصة مع تعهداته خلال الحملة الانتخابية بالتركيز على استعادة النمو الاقتصادي، مشيرًا إلى أنه سوف يبحث في سبل استكشاف الإمكانات الاقتصادية للأمازون. كما شهدت ميزانية المعهد البرازيلي للبيئة والطاقة المتجددة، وكالة إنفاذ البيئة في البلاد، انخفاضا تبلغ قيمته 23 مليون دولار.

ومن المهم الإشارة إلى أن غابة الأمازون يُطلق عليها «رئة العالم»، حيث تنتج 20 في المائة من الأكسجين في الغلاف الجوي للأرض. وتلعب دورًا حيويًا في الجهود الجارية لإبطاء ظاهرة الاحتباس الحراري، كما أنها موطن لأنواع لا حصر لها من الحيوانات والنباتات.

وقد أدى تراجع البرازيل عن التزاماتها السابقة المتعلقة بلعب دور بنّاء من أجل الحد من التغيرات المناخية، إلى عزل البلاد دوليًا، ومن الأمثلة الأبرز على ذلك، التوتر الأخير الحادث في العلاقة بين المستشارة الألمانية «أنغيلا ميركل» وبولسونارو، حيث رد الرئيس البرازيلي على انتقادات ميركل لإزالة نحو 20 في المائة من الغابات في منطقة الأمازون أثناء إدارة بولسونار، بأن «حكومته لن تقبل توبيخا من الدول الأخرى». وقال بولسونارو أثناء مشاركته باجتماع في قمة العشرين الأخيرة: «لدينا دروس نعطيها لألمانيا، حتى حول البيئة، فصناعتهم تتوقف على الفحم، إنما نحن لسنا كذلك، لذلك فألمانيا يجب أن تتعلم من البرازيل». ومن جانبها، أكدت ميركل إنها ستبذل قصارى جهدها للتأثير على السياسات البيئية للبرازيل، خاصة أن ألمانيا تعتبر واحدة من الدول التي تضخ أموالاً في صندوق أمازون، والذي تتلقى الحكومة البرازيلية من خلاله المساعدات الدولية للحفاظ على أكبر غابة مطيرة في العالم.

إضافة إلى ذلك، فإن الاتفاق التجاري بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور سوف يُمثل قوة ضغط على الرئيس بولسونارو للعدول عن سياسته المناهضة للبيئة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي، ثاني أكبر شريك تجاري للبرازيل، بعد الصين، كما يعتمد القطاع الزراعي في البرازيل بشكل كبير على الاتفاق التجاري الجديد، وهو القطاع الذي اعتمد عليه بولسونارو كثيرًا خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة.

5 - الموقف من الأزمة في فنزويلا: تبنت البرازيل، موقف الولايات المتحدة وبعض حلفائها في أميركا اللاتينية، والقائم على الاعتراف بـ«خوان غوايدو» زعيم المعارضة الفنزويلية رئيسًا للبلاد بالوكالة، بديلاً من الرئيس الحالي «نيكولاس مادورو»، وقد تسببت الأزمة الفنزويلية في تدفق ملايين المهاجرين إلى البرازيل، وهو ما فرض ضغوطًا إضافية على اقتصاد البلاد الذي يعاني في الوقت الراهن. هذا بالإضافة إلى التوتر الحادث في العلاقات البرازيلية الفنزويلية جراء حديث الرئيس البرازيلي عن استعداده لاتخاذ قرار مشاركة بلاده من عدمها في اجتياح فنزويلا، ولكن بعد الاستماع إلى مجلس الدفاع الوطني والبرلمان. وهي التصريحات التي أثارت استياء الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو»، الذي حذر البرازيل من أي تدخل عسكري في فنزويلا، كما شبه مادورو نظيره البرازيلي بـ«هتلر» في تصرفاته. وأكد الرئيس البرازيلي لاحقًا أنه ليس من مصلحة القوات المسلحة لبلاده التدخل عسكريًا في فنزويلا، وجاء ذلك في حديث بولسونارو للتلفزيون البرازيلي بعد أيام من زيارة بولسونارو لواشنطن، حيث تناول موضوع الأزمة الفنزويلية مع نظيره الأميركي «دونالد ترامب». وهو ما يمكنه تفسيره بالضغوط التي مارسها العسكريون في حكومته للحيلولة دون تورط البرازيل عسكريًا في فنزويلا.
 

وساهم موقف بولسونارو من الأزمة الفنزويلية في إضاعة فرصة ثمينة أمام البرازيل لكي تلعب دور القائد الإقليمي في هذه الأزمة، وذلك بتخليها عن موقف الطرف المحايد والقادر على توفيق الرؤى بين الأطراف الإقليمية المتعارضة، وانحيازها التام لزعيم المعارضة وكذلك للموقف الأميركي من الأزمة الفنزويلية. خاصة مع اعترف بولسونارو مؤخرًا بمبعوثة المعارضة الفنزويلية «ماريا بيلاندريا»، رسميًا، سفيرة لفنزويلا لدى البرازيل، وذلك بعدما حاول العسكريون في حكومته إقناع بولسونارو بالامتناع عن هذا القرار، لأنه سيكون عملاً استفزازًيا يمكن أن يُحبط جهود الحكومة لتهدئة الأوضاع على طول الحدود مع فنزويلا، والتي أُعيد فتحها مؤخرًا بعد إغلاقها منذ عدة شهور.
 




الرئيس بولسونارو و السفير الإسرائيلي بالبرازيل يوسي شيللي يحملان العلم الإسرائيلي خلال احتفالية في 20 يونيو 2019 في ساو باولو (غيتي)

6 - انتقادات دولية: دفعت تصريحات بولسونارو المناهضة لحقوق المرأة والإنسان بصفة عامة إلى قيام المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي بإلغاء فعالية كان من المقرر أن يكون الرئيس البرازيلي ضيف شرف فيها. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، بل كادت تصريحات بولسونارو بشأن محرقة اليهود أن تتسبب في أزمة دبلوماسية بين البرازيل وإسرائيل، وهو المعروف عن مواقفه المؤيدة لليهود وإسرائيل، حيث سبق أن صرح بولسونارو خلال لقائه مع ممثلي الكنيسة الإنجيلية في بلاده في 13 أبريل الماضي، في معرض حديثه عن المحرقة: «بوسعنا أن نسامح، لكننا لا يمكن أن ننسى، هذا هو موقفي. إن من ينسون ماضيهم محكوم عليهم بأن لا يكون لهم مستقبل». وأثارت تصريحاته هذه ردود أفعال حادة من قبل إسرائيل، حيث كتب الرئيس الإسرائيلي «رؤوفين ريفلين» على «تويتر»: «نحن سنعارض دائمًا من ينكرون الحقيقة أو يرغبون في محو ذاكرتنا، سواء أكانوا أفرادًا أو جماعات أو زعماء أحزاب أو رؤساء حكومات. نحن لن نسامح ولن ننسى». ومن جانبه، قال متحف تاريخ الهولوكوست (ياد فاشيم) في بيان له: «لا يمكن لأحد أن يقرر من يمكن مسامحته، وما إذا كانت تجب المسامحة عن جرائم الهولوكوست». وليس هذا التصريح الأول الذي أثار جدلاً في إسرائيل، حيث افترض بولسونارو خلال زيارته الأخيرة لمتحف «ياد فاشيم» أن النازيين في ألمانيا كانوا «يساريين».
وأفضت موجة الغضب من تصريحات الرئيس البرازيلي حول المحرقة إلى إصداره مذكرة توضيح في 14 أبريل الماضي، قال فيها: «لقد كتبت في مفكرة الزوار في متحف الهولوكوست (ياد فاشيم) أثناء زيارتي إلى القدس أن أولئك الذين ينسون ماضيهم، محكوم عليهم بأن لا يكون لهم مستقبل. ولهذا فإن كل تفسير آخر هو لخدمة أناس يسعون إلى إبعادي عن أصدقائي اليهود. الصفح اليوم هو أمر شخصي، ولم أقصد أبداً استخدام هذه الكلمة في السياق التاريخي، لا سيما ذلك الذي تمت خلاله إبادة ملايين الأبرياء ببشاعة»، على حد تعبيره.

* باحثة متخصصة في شؤون أميركا اللاتينية


اشترك في النقاش