التربية بين تنمية المواهب الفنية وإحباطها

دراسة: دور التربية في إحداث التوازن المعرفي الفني والأخلاقي
* تلعب التربية المبدعة كثيراً من الأدوار، منها دورها الهام في تنمية القدرات الإبداعية لدى الطفل، وإطلاق العنان لخياله ليعبر بحرية دون تحديد إطار يقلص من فرص إبداعه الذاتي
 
* دور أساسي للمعلم في إبراز الجانب الإبداعي للأطفال، ودفعهم نحو الإنجاز وتوفير بيئة تعليمية وتثقيفية تشبع رغباتهم في التعلم 

الأسكندرية: الفن مرآة المجتمع، وعلى المجتمع استثمار الطاقة الإبداعية لدى الأفراد بما يخدم استمرارية وجوده بالشكل الملائم والمتميز بين المجتمعات المختلفة، ويجعل منه بيئة فريدة وخلاقة وذات بصمة خالدة. والإنسان كائن اجتماعي بطبعه يسعى للاندماج والتكيف ويتأثر بشتى الظروف الاجتماعية من حوله، فإما أن تكون هذه الظروف ملائمة ومشجعة أو محبطة ومعرقلة له، وبالتالي تتأثر ميوله وقدراته على الابتكار والإبداع سواء بالإيجاب أو بالسلب. فهناك مسؤولية اجتماعية نحو الفرد تندرج هذه المسؤلية لتصل إلى جميع المؤسسات الاجتماعية وعلى رأسها المؤسسات التربوية ودورها في تخريج أجيال مبدعة، فتتوج هنا التربية لتسمى «التربية المبدعة».
وتلعب التربية المبدعة الكثير من الأدوار، منها دورها الهام في تنمية القدرات الإبداعية لدى الطفل، وإطلاق العنان لخياله ليعبر بحرية دون تحديد إطار يقلص من فرص إبداعه الذاتي ولتجنب التقليد لما يراه حوله ولإعطائه الفرصة لإبراز شخصيته الفريدة، عن طريق ربط الدروس بالحياة النفسية والاجتماعية للطفل. 
في المقابل نجد في الكثير من الأحيان أن التربية بمؤسساتها المختلفة تعطي الكثير من التقدير للتلميذ أو الطفل الذكي، بينما لا يلقى الطفل الموهوب مثل هذا الاهتمام والتقدير، وهنا تكمن المشكلة حيث تبذل التربية ومؤسساتها الكثير من المجهود في تنمية القدرات المعرفية والأدبية لدى الطفل، وإهمال تنمية وإبراز الجانب الإبداعي والفني لديه.
وفي الكثير من الأحيان تقوم التربية بتقييد حرية الطفل وكبت قدراته الإبداعية والإبتكارية، لتضعه في قالب معين يقتل فيه روح الإبداع والابتكار، لينتج عن ذلك جيل يميزه التشابه سواء في القدرات أو الطموحات، ليصبح سجين هذا القالب ولا تتاح له الفرصة للتعرف على ذاته الحقيقية. فنجد المجتمع يفتقر للمواهب المختلفة.
ومما لا شك فيه أن المعلم له دوره الهام فيما يخص إبراز الجانب الإبداعي لدى الطفل، وتوفير بيئة تعليمية وتثقيفية تتيح للتلميذ أن يشبع رغبته في التعلم ويشبع أيضا دافعه نحو الإنجاز، وسعيه نحو الالتزام وإنجاز المهام مع إتاحة الفرصة للتعبير عن الرأي في الإطار المقبول والذي يساعده على بناء شخصيته المستقله، بحيث لا يكون مجرد تابع، ونجد الكثير من المعلمين وخاصة معلمي الفن يصبغون تلاميذهم بصبغتهم الخاصة، فيكبتون شخصياتهم ويقيدون إمكاناتهم وقدراتهم. فتربية التلميذ الفنية يجب أن لا تكون في إطار التزامه بتقليد فنان سابق، بل يقوم بربط فن الماضي بالحاضر لإنتاج فن يمتزج بأصالة الماضي وابتكار وإبداع الحاضر، وبالتالي ينتج فن حقيقي.
وللتربية دورها في تدعيم النظرة الناقدة التي تتيح للمتلقي التمييز بين الفن والمعرفة الحقيقية والمزيفة، مما يعزز لديه الوعي الفني والمعرفي والأخلاقي الذي يتيح له دمج ما يتلقاه ليمتزج مع ابتكاره وإبداعه الذاتي، فتكون النتيجة مليئة بالإبداع والفهم والقدرة على الإنتاج والابتكار في شتى المجالات.
هناك الكثير من الطرق والأساليب المتنوعة التي تتيح للمعلم أن يجعل من عملية التعلم تجربة فريدة لدى الطفل ينطلق من خلالها ويكتشف قدراته، فبالتالي يساعد ذلك المعلم في توجيه الطفل لتنمية الجانب الإبداعي لديه. وذلك مثلاً عن طريق القيام بالرحلات العلمية والتثقيفية، كزيارة المتاحف والمكتبات والجامعات وغيرها... لإتاحة الفرصة للطفل أن يرى ما يساعده على توجيه طاقته الفنية والإبداعية وقدرته على الابتكار للاتجاه نحو تطبيق ما يمكنه تعلمه وأن يرى نتيجة هذا التعلم وكيف يمكن استثمار هذا التعلم في المستقبل، وبذلك ينشأ جيل لديه الوعي بأهمية التعليم والتجارب التعليمية المختلفة ومدى تأثيرها على مستقبله ومستقبل المجتمع.
إجمالا هناك مسؤولية مجتمعية تقع على عاتق الكثير من المؤسسات الاجتماعية فيما يخص إنتاج جيل يمتاز بالوعي والثقافة التي تعينه على الفهم والتحليل والتواصل والمحاكاة لكل ما يدور حوله، وإكسابه المرونة وحب التعلم وتقبل الاختلاف، وسعيه لتكون له بصمته الخاصة التي تميزه من خلال جودة منتجه الفني المعرفي والإبداعي، ليصبح يد العون لمجتمعه.
 
*باحثة إجتماعية
 

 

 


اشترك في النقاش