التاج القارية تعانق الجزائر بعد صيام وجفاء لعقود

استقبال أسطوري لمحاربي الصحراء أبطال أفريقيا


* قبل نحو عشرة أشهر لم يكن أحد يجزم أو حتى يحلم أن المنتخب الجزائري سيتجاوز الدور الأول من هذه المنافسة القارية في ظل وجود منتخبات قوية ومنافسة

* خلال عودتهم إلى الجزائر حظي رفقاء آدم وناس باستقبال شعبي تاريخي، كما تم استقبالهم من طرف رئيس الدولة عبد القادر بن صالح وتم تكريمهم بعدة أوسمة
* الوطن يعج بالكفاءات، فقط يحتاجون الثقة والانبهار والتشجيع الذي يلاقيه الآخرون
 

الجزائر: بعد صيام دام تِسعًا وعشرين عامًا، أهدى أخيرًا محاربُو الصحراء للجزائريين التاج الأفريقي الأغلى، حينما توجوا بكأس الأمم الأفريقية للمرة الثانية في تاريخهم، وذلك بعد آخر تتويج لهم في عام 1990 بملعب الخامس منيوليو 1990.

فيوم الجمعة الماضي لم يكن يومًا عاديا بالنسبة للجزائريين، كونه يوافق الجمعة الـ22 من حَرَاك 22 فبراير (شباط)، ويتزامن أيضا مع نهائي كأس الأمم الأفريقية المقامة في مصر.

ورغم أهمية الحدث الكروي، ذلك أن المنتخب الجزائري لم يتأهل للنهائي منذ عام 1990. وهو التاريخ الذي توجت به الجزائر لأول مرة في تاريخها على حساب المنتخب النيجيري، إلا أن الموقعة الحاسمة لم تُنس الجزائريين حَرَاكهم الشعبي، وسجلوا مشاركة واسعة في المسيرات المنظمة بمختلف المدن الجزائرية الكبرى، وعلى العكس استغلوا الفرصة للاحتفاء بإنجاز الخضر، والمطالبة بإسقاط التجربة الرياضية الكروية المتميزة للمدرب جمال بلماضي وأشباله على المشهد السياسي، من خلال رفع شعارات تطالب باحترام الإرادة الشعبية التي اعتبروها السرّ في النجاحات التي يعيشها بيت الخضر، على اعتبار أن بلماضي كان مطلبًا شعبيًا بامتياز.

فقبل نحو عشرة أشهر لم يكن أحد يجزم أو حتى يحلم أن المنتخب الجزائري سيتجاوز الدور الأول من هذه المنافسة القارية في ظل وجود منتخبات قوية ومنافسة، فلا يمكن لمنتخب ميت وفاقد لكل روح، ويقبع في الترتيب 68 عالميًا، والمركز 12 أفريقيًا أن ينافس الفرق التي تتفوق عليه في الترتيب عالميًا وأفريقيًا، وأبرزها السينغال الفريق القوي الذي يحلّ في المرتبة 22 عالميا، والمركز الأول أفريقيًا، ويلعب في نفس مجموعة الجزائر، ويمتلك ترسانة من اللاعبين المتميزين أشهرهم نجم فريق ليفربول الإنجليزي ساديو ماني، لكن هذا التحدي وإن كان صعبًا فإنه بالنسبة للمدرب جمال بلماضي لم يكن مستحيلاً، ووصل الأمر إلى حدّ السخرية منه حينما أعلن قبل بداية المنافسة القارية أنه ذاهب إلى مصر للعودة بالنجمة الثانية في قميص المنتخب الجزائري.

مع بداية المنافسات، وفي أول ظهور للمنتخب الجزائري أمام المنتخب الكيني ظهر الخضر بوجه مغاير تمامًا، وقدموا أداء رائعًا ومبهرًا، وهو الأداء الذي استمر خلال مباريات الدور الأول الذي تجاوزه رفقاء محرز بالعلامة الكاملة، وبتسع نقاط كاملة مع الحفاظ على شباكهم نظيفة.

أداء المنتخب خلال الدور الأول وخاصة بفوزه على المنتخب السينغالي المرشح الأقوى بالتتويج دفع بالمحللين والمتابعين إلى تغيير قوائم ترشيحاتهم، ووضعوا الجزائر على رأس قائمة المنتخبات المرشحة للظفر بالتاج الأفريقي، أو على الأقل بالذهاب للمقابلة النهائية بملعب القاهرة الدولي.

مسيرة بلماضي وأشباله لم تكن سهلة بالمرة، بل تعرض لامتحانات عسيرة أمام منتخبات قوية أبرزها منتخب ساحل العاج الذي أنهك الخضر، واستنزف حضوره البدني والذهني القويين، قبل أن تُحسم الواقعة بركلات الترجيح التي ابتسمت لفرقاء مبولحي، وبالمقابل لم تكن مقابلة المنتخب النيجيري في دور النصف النهائي طريقا مفروشا بالورود، بل أسالت العرق البارد للمحاربين قبل أن يتمكن نجم مانشيستر سيتي الإنجليزي من إطلاق رصاصة الرحمة على النسور الخضراء، ويقطع أجنحتها القوية بركلة حرة مباشرة على حدود منطقة الجزاء استقرت في شباك الحارس النيجيري في الدقيقة الأخيرة من الوقت المحتسب بدلا عن الضائع، وصنف هذا الهدف كأجمل هدف في هذه الدورة إلى جانب خمسة أهداف أخرى حسب ما كشفه الاتحاد الأفريقي عبر حسابه في موقع «تويتر»، حيث تضمنت القائمة نجمين من منتخب الجزائر وهما رياض محرز والمهاجم يوسف بلايلي نجم نادي الترجي التونسي في شباك المنتخب الكيني في دور الـ16 من البطولة، وهدف لاعب منتخب مدغشقر إبراهيم أمادا في شباك نظيره الكونغو الديمقراطي، وهدف السينغالي ادريسا جاي في شباك منتخب البنين، وهدف لاعب منتخب ساحل العاج أو كوت ديفوار جوناثان كودجيا في شباك المنتخب الجزائري.

وخلال المقابلة النهائية وإن كانت حسب متتبعين من أسوأ مباريات الخضر، إلا أن الأهم في مباريات النهائي هو الفوز وإن كان ذلك على حساب العروض الفنية الجميلة، وفعلا ابتسم الحظ أخيرًا للمحاربين بعد هدف ثمين في الدقيقة الثالثة للمحارب بغداد بونجاح، لتعلن الأفراح بعد صافرة النهاية كل مدن الجزائر.

والجميل في المسيرة المظفرة للخضر أنهم لم يكتفوا بتحقيق اللقب القاري فقط بل حصدوا أغلب جوائز المنافسة، فإلى جانب كونهم أفضل فريق توجوا بجائزة أحسن دفاع، وأحسن هجوم وأحسن لاعب للاعب الشاب إسماعيل بن ناصر، وجائزة أحسن حارس لمبولحي.

ورغم أن ميدان المقابلة كان ملعب القاهرة الدولي، إلا أن ملاعب الكرة في الجزائر امتلأت عن آخرها في مشهد نادر وغير مسبوق، حيث فضل غالبية الجزائريين التوجه إلى ملاعب الكرة التي نصبت فيها شاشات عملاقة لمتابعة هذا الحدث الكروي، وصنع الجزائريون لوحات جميلة ومبهرة خلال احتفالهم بالتتويج القاري الأغلى.


 

وخلال عودتهم إلى الجزائر حظي رفقاء آدم وناس باستقبال شعبي تاريخي، كما تم استقبالهم من طرف رئيس الدولة عبد القادر بن صالح وتم تكريمهم بعدة أوسمة، واعتبر عبد القادر بن صالح فوز منتخب بلاده لكرة القدم بكأس الأمم الأفريقية «حدثا رياضيا تاريخيا في حياة الأمة».

وفي حديثه لـ«المجلة» يؤكد الكاتب والإعلامي المختص في الشأن الرياضي نجم الدين سيدي عثمان أن «تشكيلة كالتي لعبت كأس أفريقيا كان يمكن لأي مدرب أيا كان اسمه أن يغادر بها من الدور الأول ليصفف الأعذار كما فعل المدربون، لكن بلماضي الذي له كبير القسط في الإنجاز، صفّف المنتخبات واحدًا تلو الآخر، الفوز ولا شيء إلا الفوز مهما كان اسم ووزن ولون المنافس: كوت ديفوار، السنغال، نيجيريا، لا يهم، الأهم أنه زرع الروح في جسد ميت، غرس الشراسة وقدم شخصيته للمنتخب، الذي استطاع أن يفوز على 3 منتخبات مونديالية ويقهر أفضل منتخب في القارة مرّتين، ويسجل على الجميع، ويخرج بأفضل هجوم وأفضل دفاع وأفضل لاعب في المنافسة وأفضل حارس وأحسن مدرب».

سيدي عثمان يجزم أن «المدرب هو السر، زيادة على تجاوب اللاعبين الذين أبلوا البلاء الحسن، خصوصا من ظلموا في وقت سابق وهم بلايلي وبلعمري، ومنح الفرصة لمن يستحقها مثل بن ناصر، الأفضل يلعب والدليل جلوس براهيمي على دكة البدلاء».

ويتابع قائلا: «ساعده أمران في البداية أنه غير مرشح، وثانيا جوع اللاعبين والمدرب ورغبتهم في تقديم دورة استثنائية، وهو ما تحقق بفضل التجاوب بين كل المكونات».

وبالنسبة لرئيس تحرير موقع «الميدان» المتخصص في كرة القدم عمر أجد فقد نجح بلماضي في حل أكبر مشكل، وهو افتكاك النجمة الثانية التي فشل فيها الجميع طيلة29  سنة، وهو تقريبا ما نجح فيه سعدان برأيه «بالعودة إلى المونديال بعد 24  سنة من الفشل، لكن هذا الأخير فشل في الحفاظ على وتيرة النجاح، وحل ثاني أكبر مشاكل المنتخب المتوارثة جيلا بعد آخر، وهي مرحلة ما بعد النجاح التي دائما ما تكون حبلى بالخيبات، ويعود فيها الخضر إلى نقطة الصفر».

لقد عانى المنتخب يقول أجد لـ«المجلة» من «سوء تسيير هذه المرحلة، حيث كان صعبا على الجميع الحفاظ على نسق النجاح، فالخضر بعد نيل أول كأس سنة 1990 خرجوا من الدور الأول للدورة التي تلتها، وغابوا عن كأس أفريقيا2012  بعد العودة إلى المونديال سنة 2010، وخرجوا من الدور الثاني لكأس أفريقيا2015  بعد إنجاز المرور للدور الثاني لكأس العالم 2014».

بمنطق الكرة برأي أجد «يكون من الصعب على المدرب مهما كان أن يحافظ على التركيز والرغبة لدى لاعبيه، وبمبدأ التشبيه مهمة إنزال اللاعبين من السماء التي يلامسونها بعد النجاح، وجعلهم يعودون إلى نقطة الصفر، ويبدأون العمل لتكرار التجربة، هو تحد صعب وصعب جدا».

هذه المشكلة العويصة التي ستواجه بلماضي، سيكون معها مشاكل أخرى حسب أجد، أبرزها إبعاد الكثير من اللاعبين الذين حققوا كأس أفريقيا، لكن العاطفة يتابع: «لن تبني المستقبل وستتركنا نكرر نفس الأخطاء، وبالتالي البتر سيكون علاجا مُهمًا بعد الكي الذي جلب الكان، من أجل الشروع في مهمة تحضير الطريق إلى مونديال قطر 2022».

الجميل برأي أجد أن «بلماضي يحمل في قلبه مشروعا كبيرا، وهو العودة من الباب الواسع كضيف شرف فوق العادة إلى البلد الذي احتواه، وبناه، ووفر كل شيء ليتحول من بلماضي اللاعب إلى بلماضي المدرب، وساعده في وقت رفض مسؤولو بلده تطبيق بعض القوانين بحجج واهية وجعلوه يبحث عن صناعة نفسه خارجها، ثم يأتي محاموهم اليوم ليزاحمونا في الفرحة، فبالنسبة لجمال هو يرغب في أن يكتب اسمه بحروف من ألماس خلال مونديال قطر، فالذهب لم يعد يغريه الآن».

حسب ما يتوقعه أجد فإن أولى «ورشات بلماضي ستكون المنتخب المحلي المقبل على اللقاء الفاصل للتأهل للشان بمواجهة البطل المغرب، ومنه ستكون الانطلاقة بالنسبة لجمال حتى يبحث عن بوداوي ولوصيف جديدين لتدعيم المنتخب الأول، ومهمة أخرى بعدها لمعاينة لاعبين آخرين والبحث عن دولور ولكحل آخرين».

بلماضي بالنسبة لأجد هو «زيدان كرة القدم الجزائرية»، لكنه حينما قال ذلك سابقا كان الجميع يسعى خلف الأسماء الرنانة، والجميع تناسى يقول: «إن هذا الوطن يعج بالكفاءات، فقط يحتاجون الثقة والانبهار والتشجيع الذي يلاقيه الآخرون».


اشترك في النقاش