لبنان... بعد إقرار موازنة 2019

ما مصير «سيدر»؟ وهل إقرار الموازنة سيدفع باتجاه تنفيذ مقرراته؟
* يستعد لبنان لخوض رهان جديد لمناقشة وإقرار موازنة عام 2020 وسط مشاحنات سياسية عزّزتها «حادثة قبرشمون» الجبلية التي لم تنجح جميع المساعي حتى الساعة في تطويق ذيولها
* هل ستنجح الحكومة في الوصول إلى نسبة عجز تلامس الـ7.5 %؟
* متى يلمس اللبنانيون ترجمة مفاعيل «سيدر» على أرض الواقع؟

بيروت: بعد ثمانية أشهر من التعطيل والتأخير تم إسدال الستار على الموازنة العامة لسنة 2019، إذ أقرها مجلس النواب اللبناني بعد أربعة أيام متتالية من المناقشات بأكثرية 83 نائبا، ومعارضة 18 آخرين، وامتناع واحد عن التصويت.
وأقرت الموازنة بندا بندا، فيما أدخلت تعديلات على حسومات معاشات التقاعد للعسكريين، واستثناء البنزين من ضريبة الـ3 في المائة، على سلع كمالية تخضع لـT.V.A، تحت رقابة صناديق «سيدر»، والدول المانحة، إضافة إلى مادة تمدد فترة السماح المعطاة للحكومة لتحويل قطع الحسابات السابقة 6 أشهر.
هذا ويستعد لبنان لخوض رهان جديد لمناقشة وإقرار موازنة عام 2020 وسط مشاحنات سياسية عزّزتها «حادثة قبرشمون» الجبلية التي لم تنجح جميع المساعي حتى الساعة لتطويق ذيولها، إذ لا تزال تُعيق تحديد موعد عقد جلسة مجلس الوزراء المولج بترجمة بنود موازنة 2019 عمليًا بقرارات عملية على كافة الصعد، وإعداد مشروع موازنة 2020. ومتابعة التواصل مع المانحين لتحصيل أموال مؤتمر «سيدر» والتي تفوق قيمتها 11 مليار دولار مخصصة لمشاريع وبرامج في شتّى القطاعات.
وعلى أهمية الإفراج عن الموازنة فإن الأهم هو رأي الدول المانحة فيها، إذ تتجه الأنظار اليوم إلى ما بعد هذه الموازنة؛ فهل أصبح لبنان بعد قانون موازنة 2019. جاهزًا لتلقي الدفعة الأولى من 10.8 مليون دولار أميركي تعهدات مؤتمر سيدر؟ هل ستنجح الحكومة في الوصول إلى نسبة عجز تلامس الـ7.5 في المائة؟ وما هو مصير موازنة 2020؟
 
 




نديم المنلا

ما بعد الموازنة
المستشار الاقتصادي لرئيس الحكومة نديم المنلا، أوضح لمجلة «المجلة» أن «أموال مؤتمر سيدر ليست متوقفة إنما هناك مليار من أصل 11 مليار تم رصدها لمشاريع سلكت طريقها للتنفيذ».
وعن الخطوات العملية التالية بعد إقرار موازنة 2019 قال المنلا إنه «أولا تم الانتهاء من خطة الكهرباء التي أقرّت قبل الموازنة وهي من مندرجات (سيدر) الأساسية والتي لديها مفعول على البنى التحتية وعلى الإصلاح المالي، أما الخطوة التالية فهي موازنة 2020 التي سوف يبدأ النقاش فيها قريبا»، مشيرا إلى أن «هذه هي النقاط الثلاث الأساسية في هذه المرحلة وأخيرا سيتم إقرار المرحلة الأولى من المشاريع التابعة لبرنامج الاستثمار الوطني وهي بقيمة الـ11 مليارا»، مؤكدا على أنه «في أوائل جلسات مجلس الوزراء القادمة سيكون بند المرحلة الأولى من إعادة تأهيل البنى التحتية موضوعا أساسيا على جدول الأعمال».
كما رأى المنلا أن الإصلاحات التي وعد لبنان بتنفيذها هي مقنعة للدول المانحة لأنها تصب بإطار الرؤية التي حددتها الحكومة اللبنانية خلال مؤتمر سيدر منها خطة الكهرباء وما جاء ضمن موازنة 2019 كتخفيض 4 في المائة من نسبة العجز وهو ما يعتبر من الركائز الأساسية بمسيرة «سيدر».
إلى ذلك شدد المنلا على أنه «لا شك أن التجاذبات السياسية الحاصلة من شأنها تأخير الانطلاقة بمشاريع «سيدر» ولها آثار سلبية لذا على القيادات السياسية أن تعي أن عنوان المرحلة القادمة هو التخفيف من حدّة التجاذبات»، وأضاف: «أعتقد أن الخطوات التي اتخذت حتى الآن في الاتجاه الصحيح والمجتمع الدولي بلسان مسؤول البنك الدولي الذي أعلن قبل يومين أنه يعتبر إعلان خطة الكهرباء وموازنة 2019 هما خطوتان أساسيتان بمسيرة سيدر».
 
مجموعة الدعم الدولية ترحب بإقرار الموازنة
 
فيما ينكب لبنان على إتمام الاستحقاقات المتعلقة بـ«سيدر»، لاقى إقرار موازنة 2019 ترحيباً من قبل أعضاء مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان، باعتبارها خطوة ملحة لخفض العجز، ضمن رؤية لبنان الاقتصادية والتزاماته في مؤتمر «سيدر».
وقالت المجموعة في بيان: «نعترف بإقرار خطة إصلاح قطاع الكهرباء وتطبيقها الأولي، ونشجع الحكومة على إحراز تقدم في المسائل المعلقة المتعلقة بهذا الملف».
كما شددت المجموعة على دعمها للحكومة اللبنانية لبدء تطبيق التدابير المعتمدة في الموازنة، مرحبة باعتزامها بدء الاستعدادات لإقرار موازنة 2020، حتى تستكمل العملية في الوقت المناسب، وبشكل مسؤول ماليا».
فهل هذا يعني أن موازنة 2019 كانت مرضية للمجتمع الدولي، وهل التقييم الإيجابي الأول الصادر عن البنك الدولي يعني المباشرة الفورية بتنفيذ مقرارات «سيدر»؟
 




وزير الاقتصاد اللبناني منصور بطيش

وزير الاقتصاد اللبناني منصور بطيش، قال في حديث خاص لـ«المجلة» إن «مرحلة موازنة 2019 هي انطلاقة وباب نحو الإصلاح ويجب أن نترجمه عمليا بموازنة عام 2020»، مؤكدا على «أن موازنة 2019 يجب أن تكون مقنعة، فعندما نعمل على تخفيض نسبة العجز إلى 7.5 في المائة في حين أن نسبة العجز كانت أعلى بكثير في السنتين الماضيتين (2017 - 2018) واليوم هناك متابعة وسنتابع عملنا لنصل إلى هذا الهدف وهذه الخطوة الأولى برحلة الألف ميل».
ثمة عدة خطوات تستتبع إقرار موازنة 2019 فعلى لبنان إنهاء ملف النفايات وأيضا خطة «ماكينزي التي يجب عرضها على مجلس الوزراء كما أن هناك إطلاق مقررات سيدر التي يفترض أن تبحث أيضا»، مشيرا إلى أن العمل بدأ حتى لو لم يكن رسميا.
هذا وقد رفض بطيش اعتبار أن «سيدر» يمثل خشبة الخلاص الوحيدة للبنان، مؤكدا أن «سيدر يطلق مشاريع استثمارية بحاجة إليها لبنان ولكن هذا لا يعني أنه السبيل الوحيدة للنجاة للبنان بدليل أن لبنان قادر أن يعيش، ولديه أيضا طاقاته الداخلية»، وتابع: «سيدر مشكورة لأنها تتيح لنا أن نطلق مشاريع استثمارية بحاجة إليها لبنان بفوائد ميسرة جدا ومريحة على مدى السنوات». مشددا على أن «الحكومة اللبنانية عليها أن تفي بوعودها والتزاماتها لشعبها أولا ومن ثم للمجتمع الدولي».
وعن وضع لبنان الاقتصادي قال بطيش إن «سبب التردي هو أن نسبة الدين العام تنامت من جهة ومن جهة ثانية نسبة العجز المالي للناتج المحلي وصلت إلى 11.47 في المائة ونحن وضعنا هدف تخفيض نسبة العجز إلى 7.59 في المائة وسوف نعمل للوصول إلى هذه النسبة على أمل أن نصل العام المقبل إلى معدلات أقل بكثير».
وأخيراً، قال بطيش: «علينا أن نتفاءل لأننا يجب أن نكون مؤمنين ببلدنا وملتزمين بأن نقوم بهذا العمل رغم جميع المطبات التي حصلت والتي يمكن أن تحصل»، وتابع: «نحن في بلد فيه ديمقراطية توافقية ونتأمل أن تأخذ الأمور منحى إيجابيا لجهة إنهاء حادثة قبرشمون المؤسفة».
 
ترجمة مفاعيل «سيدر»
لا شك أن مؤتمر «سيدر» شكّل بارقة أمل للبنانيين للنهوض بالاقتصاد وتحقيق النمو والخروج بلبنان من هذا الوضع المالي الصعب، لكن الوقائع تشير إلى أن رحلة العبور إلى «سيدر» ليست بالأمر السهل فمن جهة وضعت الدول المانحة على لبنان سلسلة من الشروط للاستفادة من أموال «سيدر» مرتبطة بإصلاحات في مختلف القطاعات وأهمها قطاع الكهرباء ما يطرح علامات استفهام حول قدرة لبنان على الإيفاء بوعوده لا سيما في ظل التجاذبات السياسية القائمة التي تعوق فرصة لبنان الذي ينوء تحت أكبر عبء للدين العام في العالم (يعادل نحو 150 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي) من الاستفادة من أموال «سيدر».
وفيما لا يزال الوضع الاقتصادي في لبنان يسجل تراجعاً مستمراً يبقى الرهان على «سيدر»، فهل النهوض بلبنان ممكن؟ ومتى يلمس اللبنانيون ترجمة مفاعيل ضخ أموال» سيدر» والاستثمارات على أرض الواقع؟
 




الخبير الاقتصادي الدكتور مازن سويد

الخبير الاقتصادي الدكتور مازن سويد أكّد لـ«المجلة» على أن «العبرة بالتنفيذ ففي عام 2018 قلنا إن العجز سيكون 8.8 في المائة لكن انتهى على 11.5 في المائة، وبالتالي بالطبع المجتمع الدولي اليوم ينتظر التنفيذ وقدرتنا على الالتزام»، مضيفا: «إذا استطاع لبنان الالتزام بأي نسبة أقل من 8 في المائة تكون خطوة ممتازة وبالتأكيد عين المجتمع الدولي ستكون على عام 2020 كي يرى مصير الإصلاحات التي بدأت خلال عام 2019 وإن كانت الحكومة اللبنانية ستفي بوعودها».
لكن هل ستتمكن الدولة اللبنانية من الوصول إلى نسبة العجز المنشودة، قال سويد إن «الأمر ليس بهذه السهولة، لا سيما أن هناك 7 أشهر مرت على السنة لذا إذا استطعنا عدم تجاوز نسبة الـ8 في المائة يكون الأمر ممتازاً».
هذا وأكّد سويد على أن «الرئيس الحريري يهدف إلى تفعيل أموال سيدر بأسرع ما يمكن وفي أوائل عام 2020 من المفترض أن تتحلحل الأمور خصوصا أنه يكون قد اتضح بالنسبة للمجتمع الدولي مدى التزام لبنان خلال عام 2019 بالأرقام من جهة كما يكون قد اتضح من جهة ثانية إلى أي مدى ستكون موازنة 2020 متابعة في المسار الإصلاحي».
إلى ذلك رأى سويد أن «سيدر هو بصيص الأمل الوحيد للبنان للنهوض، لا سيما أن نسبة النمو تتراوح بين الصفر والـ1 في المائة والسبيل لزيادة نسبة النمو لا يمكن أن تكون من خلال القطاع الخاص بسبب الفوائد المرتفعة إنما المحرك الأساسي للنمو يكون من خلال القطاع العام عبر الإنفاق الاستثماري وليس من خلال الإنفاق الجاري كما يحدث اليوم، وبالتالي أموال الإنفاق الاستثماري لا يمكن أن تتأمن إلا من خلال سيدر»، مؤكدا «المعادلة واضحة سيدر ليس فقط السبيل للإنقاذ إنما هو الجسر كي يستطيع من خلاله القطاع الخاص الإقلاع».
وفي الختام، أكد سويد على أن «البلد قائم على عامل الثقة وفور بدء التزامات سيدر سنلاحظ انخفاضا بنسبة العجز في ميزان المدفوعات لأن الناس ستتوقف عن تحويل أموالها إلى الخارج وبالتالي نسبة الفوائد ستقل، ما ينعكس على مدى التسليف والاستثمار، لذا الأمر كله يتوقف على عامل الثقة و«سيدر» هو الوحيد الذي سيكون بمثابة صدمة إيجابية للبنان لا سيما أن إعادة إعمار سوريا لا تزال بعيدة المدى وسيدر هو أقرب فرصة إلينا للنهوض».
الدولة اللبنانية اليوم تحت المجهر الدولي، فإما أن تكون أو لا تكون، والسؤال الأهم: هل سيفي لبنان بالتزاماته أم إن «سيدر» لن يكون مختلفاً عن «باريس 1. 2. 3» سوى بالاسم فقط؟!


اشترك في النقاش