المغني العراقي إسماعيل فاضل: الموسيقى والغناء وسيلة تقرب الشعوب وتدفع نحو السلام

تحدث إلى «المجلة» قبل صعوده إلى منصة حفله الذي أقيم بمركز التراث العراقي في إسرائيل
شهدت إسرائيل زيارات شخصيات عراقية عدة، بينهم دبلوماسيون سابقون لكن معظم هذه الزيارات تنتهي بهدوء ومن دون ضوضاء الإعلام أو شبكات التواصل الاجتماعي
أحيا إسماعيل فاضل مئات الحفلات في مختلف أنحاء العالم، لكن واحدة من الحفلات التي أحياها في لندن للجاليات العربية، والعراقية بشكل خاص، بقيت راسخة في ذهنه
العراقيون في إسرائيل هم أكثر جالية تهتم بتراثها القديم وتقيم الحفلات الموسيقية العربية بشكل دائم
فاضل: حضوري إلى إسرائيل، وكعراقي غير يهودي ومن عائلة عراقية عريقة، هو دفعة كبيرة وداعمة للسلام

 

تل أبيب: الشبكات الاجتماعية تضج ضده بعاصفة نقد وتهجمات، لكنه يعتبر حضوره رسالة سلام..
العراقيون في إسرائيل هم أكثر جالية تهتم بتراثها القديم وتقيم الحفلات الموسيقية العربية بشكل دائم. يوجد بينهم الكثير من المؤلفين، الأدباء والشعراء، والموسيقيون. وعندما يصدح صوت غناء عراقي في تل أبيب، يعيش يهود العراق نشوة العائلة الصغيرة الحالمة بالعراق، بعاداته وتقاليده وتراثه. لكن هذا الشعور يزداد حرارة، عندما يكون الصوت عراقيا عربيا جاء خصيصا من العراق إلى إسرائيل ليتحفهم بتلك الأغاني التي يصرون على سماعها ويمتنعون عن نسيانها ويورثونها جيلا بعد جيل. وتجعلهم النشوة سابحين في حلم زيارة العراق في ظروف سلام، بغض النظر عن الأختلافات السياسية. هذا الشعور الذي يرفضه البعض من غير اليهود ويعتبرونه تطبيعا مع إسرائيل، حطمه بعض العراقيين وكسروا الحواجز وقدموا إلى إسرائيل كرسل سلام.
 
إسماعيل فاضل، المطرب العراقي، حضر إلى تل أبيب، لتقديم حفل غنائي لتكون زيارته هذه المرة واحدة من عشرين زيارة لإحياء حفلات خاصة ليهود العراق. جاءت هذه الزيارة في وقت انتشرت فيه شائعات بأن إسرائيل هي التي قصفت شمالي بغداد، لتتحول حفلته هذه المرة إلى نقاش عاصف عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لكن الفنان العراقي تعامل مع هذا النقاش، وما تضمنه من تهديدات وإهانات، كما سبق وتعامل مع التهجمات الكثيرة والخطيرة، التي تلقاها بعد أول حفل له في إسرائيل.
«أنا على قناعة بأن الموسيقى والغناء وسيلة تقرب الشعوب وتدفع نحو السلام. أرى أن حضوري إلى إسرائيل، وكعراقي غير يهودي ومن عائلة عراقية عريقة، هو دفعة كبيرة وداعمة للسلام»، راح يحدثنا قبل صعوده إلى منصة حفله الذي أقيم في مركز التراث العراقي في أور يهودا، التي تعتبر المعقل الأول ليهود العراق وتسمى في إسرائيل «العراق الصغيرة»، وتعتبر رمات غان المعقل الثاني لهم، وأقام فيها حفلا ثانيا خلال هذه الزيارة.


 
هل يمكن تفضيل الرغبة بالسلام على لقاء الأهل والوطن؟
 
لقد شهدت إسرائيل زيارات شخصيات عراقية عدة، بينهم دبلوماسيون سابقون لكن معظم هذه الزيارات تنتهي بهدوء ومن دون ضوضاء الإعلام أو شبكات التواصل الاجتماعي، التي تهتم بها ويبادر إليها يهود العراق في إسرائيل، الذين يتواصلون عبر الكثير من الصفحات.
الزيارة الأولى له إلى إسرائيل كانت بمثابة السفرة الأخيرة له من العراق ولقاء الأهل والأقارب.
 
 
يعيش مغتربا في أستراليا ورغم ما ينتابه من غصة وألم، لعدم زيارته العراق، إلا أن الفرح الذي أبداه أمامنا، وهو يحدثنا عن زيارته إلى إسرائيل، يطرح أمامك الكثير من التساؤلات، وبالأساس هل يمكن تفضيل الرغبة بالسلام على لقاء الأهل والوطن؟
بالنسبة له شغف العراق والأصدقاء والعائلة لا يفارقه لكنه يجد في إسرائيل بيتا دافئا له من قبل العائلات اليهودية، التي قدمت من العراق وتحتضنه في كل زيارة له، ويقضي أيامه بين أفراد عائلاتها «لا أشعر بالغربة هنا». كان يكفي هذا الجواب لنفهم ما يجول في خاطره. فهو على قناعة بأن السلام هو المصدر الأساس للحياة الهادئة والسعيدة ولاطمئنان الشعوب.
لقد حظيت حفلته في مركز التراث العراقي بحماس كبير وحضور واسع ليهود العراق. فور صعوده إلى المنصة استقبل بتصفيق حار وقد خصص معظم برنامجه للأغاني العراقية. كانت لهذه الزيارة ميزة خاصة لإقامتها في مركز التراث العراقي، حيث يعتبر الملتقى المركزي ليهود العراق «لقد كانت حفلة رائعة وصراحة شعوري يختلف عن المرات السابقة، أنا اليوم أجد نفسي أقرب للسلام وأصر على أن أبقي صوتي جسرا لتحقيق هذا الهدف، وليس الحلم، فأنا لا أعتبره حلما».
 
من لندن إلى تل أبيب
لقد أحيا إسماعيل فاضل مئات الحفلات في مختلف أنحاء العالم، لكن واحدة من الحفلات التي أحياها في لندن للجاليات العربية، والعراقية بشكل خاص، بقيت راسخة في ذهنه. «في تلك الحفلة غنيت كثيرا للملحن صالح الكويتي، الذي أعشقه وأحترمه. وتفاعل معي الحضور بشكل كبير. فوجئت في نهاية الحفل بعناق حار من أحد الحاضرين قبلني وأثنى علي بكلمات جميلة، ثم عرّف نفسه بشلومو الكويتي، نجل الملحن صالح الكويتي. فتعانقنا مرة ثانية ثم عرض علي الحضور إلى إسرائيل لإحياء حفل خاص ليهود العراق. لم أتردد وهكذا نظمنا الحفل ووصلت إلى إسرائيل عام 2008. وبقدر ما فرحت من تلك السفرة والحفلة بقدر ما لاحقتني المشاكل والويلات. لقد اعتبر العراقيون والعرب عموما زيارتي عمالة لإسرائيل وفوجئت بعاصفة من التهجم علي وتهديدي. قاطعوني وحرضوا علي ثم هددوني بالقتل في حال دخلت العراق.
بصراحة رفضت الرضوخ ووجدت بزيارتي إلى إسرائيل والغناء للملحن والموسيقار الكبير صالح الكويتي (في إسرائيل أطلقوا اسمه على شارع في أور يهودا) رسالة تواصل وسلام بين يهود العراق في إسرائيل والوطن العراق»، حدثنا إسماعيل فاضل وتابع يقول: «أنا موسيقي وفنان. هدفي نشر السلام والحب للعالم. يتهمونني بالخيانة ووجهوا لي شتى أنواع الشتائم، لكنني أقول الشجرة المثمرة ترمى دائما بالحجر ومن يتكلم إلى ظهري سيبقى في خلفي».


 
من هو إسماعيل فاضل؟

 
إسماعيل فاضل من مواليد 12 أبريل (نيسان) 1965. ترك العراق عام 1999 بعد حصوله على شهادة البكالوريوس، وتوجه إلى عمان خمس سنوات ثم غادرها إلى أميركا وحصل على صفة لاجئ سياسي. لكنه ترك الولايات المتحدة عام 2005 وتوجه إلى أستراليا، ليستقر هناك مع زوجته العراقية وابنتيه. عام 2006 منح الفنان إسماعيل فاضل لقب سفير للسلام، في أستراليا، وهو يعتبر نفسه اليوم سفيرا للسلام، من خلال حفلاته التي يحييها في إسرائيل وكل دولة أخرى في العالم. «بصراحة، بكل صراحة، يجب أن نكون جريئين ونقول الحقيقة بالدعوة للسلام. الأغنية هي ليست صوتا أو حفلا فقط، إنها آلة لتقريب الشعوب. إنها تدخل إلى كل عائلة وهي رسالة محبة وفكر. لا أريد حربا بل أريد أن أنشر سلاما للعالم. سأواصل الطريق الذي اخترته. فلم يبق لي ما أخسره. لم أزر تل أبيب وأور يهودا، فقط، لقد زرت 17 مرة كنيسة القيامة والأقصى».
وجوده بين يهود العراق يجلب له النشوة والسرور فهو يرى أن يهود العراق تركوا وطنهم في زمن جميل ولم يرغبوا في ذلك «حضوري هنا يذكرهم بهذا الزمن الجميل وبتاريخهم».
 
ما بين التشجيع والتهليل وبين التهديد بالقتل
لقد تم بث حفلته في إسرائيل، مباشرة، عبر أكثر من صفحة تواصل اجتماعي ليهود العراق في إسرائيل. ولم تتوقف التعليقات للحظة واحدة. كانت بمثابة نسيج للمواقف ما بين يهود العراق والعراقيين وعدد من المتابعين العرب وفيما حظي بدعم وتشجيع لغنائه تلقى تهديدا مباشرا بالقتل من قبل عرب وعراقيين في بث مباشر «لقد هددوني بالقتل وشتموني ولكني أصغيت أكثر للأصوات المتجانسة مع رسالتي وهدفي من حفلي في إسرائيل. قلت لم أعد أملك ما أخسره وسأواصل طريقي لتحقيق ما أحلم به».
 
بين تل أبيب وبغداد
يشكل يهود العراق في إسرائيل جالية كبيرة. عام 1948 بلغ عدد اليهود 140 ألفا ووصل منهم إلى إسرائيل 131 ألفا ما بين عام 1948 وعام 2006. ما يميزهم الزواج من أصول مختلفة ما يحول دون إمكانية حصرهم، لكنهم يشكلون قاعدة كبيرة وواسعة في إسرائيل. في المجموعة المتفاعلة هناك 70 ألف يهودي من أصل عراقي، وهناك تجانس وتفاعل بين الآلاف منهم. واحدة من أبرز الناشطين الاجتماعيين في التواصل الاجتماعي بين يهود العراق في إسرائيل، من جهة، ويهود العراق في إسرائيل ومن تبقى في العراق ومن هم في الشتات، من جهة أخرى، السيدة ليندا منوحين، التي غادرت العراق قبل خمسين سنة وتعتبر السنوات التي قضتها في العراق أهم فترة بلورت خلالها شخصيتها العراقية. وتقول في حديثها معنا: «كغيري من العراقيين، سواء كانوا يهودا أو عربا نعيش عبق التاريخ والثقافة العراقية، باعتبار أن الذاكرة الجماعية اليهودية لها بعد تاريخي على امتداد أكثر من 2600 سنة. تجمعنا مع العراقيين، عموما، أمور كثيرة منها لغة وثقافة وأهم ما تجمعنا الأغنية العراقية».
تعتبر منوحين نشاطها الاجتماعي مدا للجسور المقطوعة بسبب السياسة «لكن الشبكات الاجتماعية فتحت أبواب التواصل على مصراعيها وهناك جيل جديد في إسرائيل والعراق، لأسباب عدة، يهتم بجذوره وإصلاح ذات البين بين الشعبين»، تقول وتتابع حديثها «لقد أفرز التواصل تعاونا على المستوى الأكاديمي وفتح صفحات تهتم بتاريخ العراق وحضارته والحديث عن المكون اليهودي كمكون بناء ساهم في مختلف مجالات الحياة في بناء العراق. فما زال الجيل السابق يردد الأغاني العراقية وكذلك قسم من الجيل الجديد من يهود العراق، والأهم أن الدين لا يلعب بتاتا أي دور في هذا التواصل وهذه ميزة من أيام الزمن الجميل في العهد الملكي وفي عهد عبد الكريم قاسم. بالنسبة للغناء يمكن القول إن يهود العراق كرسوا الذاكرة الفنية العراقية لأن هذا التراث بقي حيا نابضا».
تعيش ليندا منوحين اليوم على أمل النجاح في مشروعها الهادف إلى استقدام شباب عراقيين للتجول في إسرائيل مع يهود العراق وتثبيت التواصل بينهما.
 
التوراة العراقية في تل أبيب
لم يقتصر الاهتمام الإسرائيلي على إحضار يهود العراق إلى إسرائيل، إنما عملت على إحضار مخطوطة التوراة العراقية، ويقال إنها أقدم نسخة للتوراة في العالم.
بحسب ما نشر في إسرائيل عن هذه المخطوطة يبلغ عمرها نحو 200 عام، ومكتوبة بحبر مصنوع من عصير الرمان المركز، كما هي العادة القديمة في الكتابة في شمال العراق، ومكتوبة على جلد الإبل.
 
 
 


اشترك في النقاش