تركيا – إردوغان... اللعب بالنار وسياسة الجمع بين الأضداد

السفير حسن هريدي: روسيا حققت انتصارا استراتيجياً بجذب تركيا بعيدا عن تحالفاتها التقليدية
* أنقرة تجدد الصراع الروسي الأميركي في أزمة صواريخ «إس 400»... تخوفات دولية من تهديد منظومة الصواريخ الروسية لطائرات الشبح الأميركية... وتأثر التعاون العسكري للناتو مع تركيا حتمي بسبب منظومة صواريخ «إس 400»
* خبراء: تركيا تريد الجمع بين التكنولوجيا الأميركية والروسية من خلال مسك العصا من المنتصف
* مستشار بأكاديمية ناصر العسكرية المصرية العليا: أميركا والناتو لن يسمحا لتركيا بالجمع بين صواريخ «إس 400» والطائرة «إف 35»
* العقوبات الاقتصادية الأميركية على تركيا بسبب صفقة إس 400 ستحدد مسار العلاقات بينهما

القاهرة: جدد التحدي التركي للولايات المتحدة الأميركية وحلف الناتو الجدل حول مستقبل العلاقات التركية الغربية بعد المضي قدما في امتلاك منظومة الصواريخ الروسية المتطورة «إس 400»، وخاصة بعد استلام تركيا الشحنة الأولى من الصواريخ التي تعد الأكثر تطورا في العالم، واستعدادها لاستقبال دفعات جديدة ضمن الخطة الروسية بإمداد حليفتها الاستراتيجية بهذه التكنولوجيا على مراحل متعددة، في ظل التوترات الدائرة في الإقليم الملتهب، ورغبة روسيا في ترسيخ تعاونها مع تركيا التي باتت تقف في موقف مرتبك خاصة بعد التهديد الجدي من أميركا بوقف تعاونهما المشترك في إنتاج طائرات الشبح الأكثر تطورا وتكنولوجيا في العالم، وحرمان الشركات التركية من المشاركة في هذه التكنولوجيا في حالة الحصول على باقي الصفقة الروسية من الصواريخ الاعتراضية التي تتفوق على مثيلاتها الأميركية «باتريوت»، وفي ظل إخلال هذا الأمر بالتوازنات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط خاصة مع عدم امتلاك الكثير من الدول بهذه التكنولوجيات المتقدمة، والحديث عن إمكانية تهديد الصواريخ الروسية لأمن طائرات الشبح الأميركية المقاتلة «إف 35».
 
لعب بالنار
سياسة تركيا – إردوغان في اللعب بالنار والجمع بين الأضداد أصبحت واضحة فيما يتعلق بمحاولات الجمع بين التكنولوجيا المتقدمة في المعسكرين الأميركي والروسي بالحصول على تكنولوجيا الصواريخ الروسية الأكثر تطورا، وفي نفس الوقت الاستمرار في التعاون العسكري مع الولايات المتحدة الأميركية في منظومة الطائرات «إف 35» التي تعد الأحدث في العالم نظرا لعدم رصدها من قبل الرادارات، واعتمادها على تقنيات الجيل الخامس من التكنولوجيا فيما يتعلق بالاستطلاع والرصد والتخفي والمناورة، وهو ما يقابل بالرفض من قبل المعسكر الغربي.
الموقف الأوروبي كان حاسما، فور إعلان تركيا عن وصول الشحنة الأولى من الصواريخ إلى أراضيها، وأكده عدد من مسؤولي الناتو من أن المنظومة الصاروخية الروسية المتقدمة تتعارض بشكل جذري مع أنظمة الحلف الذي يضم تركيا في عضويته، ولم يكن الموقف الأميركي أقل تشددا من أوروبا حيث تتخوف واشنطن من أن يتمكن المشغلون الروس لمنظومة الصواريخ والذين سيقومون بتدريب العسكريين الأتراك عليها من الاطلاع على الأسرار الخاصة بمنظومة المقاتلة الشبح الأميركية «إف 35» التي تتعاون أنقرة في تصنيع بعض مكوناتها، وعلقت بالفعل أميركا تدريب الطيارين الأتراك عليها ردا على الخطوة التركية، وهددت إدارة ترامب بفرض عقوبات قاسية على تركيا، ومن بينها إنهاء مشاركتها في التعاون في المقاتلة «إف 35»، وكذلك تطبيق عقوبات اقتصادية أخرى تؤثر بشدة على النظام التركي، وهو ما أكده أيضا الرئيس الأميركي ترامب في اجتماعه بنظيره التركي إردوغان على هامش قمة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية، وأنه سيفرض عقوبات على تركيا إذا استمرت في استقبال شحنات «إس 400» من روسيا.
 
مهلة أميركية
وأمهلت واشنطن أنقرة حتى 31 يوليو (تموز) الماضي  للاختيار بين صواريخ «إس 400» الروسية، وبين مقاتلات الشبح الأميركية «إف 35»، وهو ما يهدد بمنع أنقرة من الحصول على المقاتلات والتوقف عن التعاون في إنتاجها، وكذلك عدم الحصول على الصواريخ الاعتراضية الأميركية «باتريوت»، وحذر حلف الناتو كذلك تركيا من أن الاستمرار قدما في الحصول على الصواريخ الروسية سيكون من شأنه وقف تبادل المعلومات الاستخباراتية بينها وبين الحلف التي تعد تركيا عضوا فيه، وسيؤثر كذلك على التعاون العسكري بين تركيا والحلف، وفي المقابل كان رد فعل الرئيس التركي إردوغان بعد مقابلته مع ترامب في عدم تخوفه من توقيع عقوبات على أنقرة، وأنه يعتقد أن تركيا ستتغلب على الخلافات مع أميركا داعيا أميركا في الوقت نفسه إلى عدم اتخاذ قرارات تضر بالعلاقات الدبلوماسية والتعاون بين الدولتين، مؤكدا ثقته في امتلاك ترامب سلطة يستطيع بها إيقاف أي من الإجراءات العقابية تجاه أنقرة.

 




اللواء طيار دكتور هشام الحلبي


 
قضية عسكرية فنية
اللواء طيار دكتور هشام الحلبي المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية يرى أن تركيا لن تستطيع الجمع بين منظومتي صواريخ «إس 400»، والطائرات «إف 35»، فالولايات المتحدة الأميركية تمنع هذا الامتلاك المزدوج للمنظومتين، ويمنع حلف شمال الأطلسي ذلك أيضا على تركيا ويعارضه في هذه القضية العسكرية الفنية واضحة المعالم، لأنه بدخول صواريخ «إس 400» ضمن منظومة الدفاع الجوي التركي، ومنظومة القوات الجوية التركية للحرب الإلكترونية التركية سيحدث انكشاف للتكنولوجيا الحساسة لطائرات «إف 35» بكل ما فيها أمام روسيا وهو ما لن تقبله الولايات المتحدة الأميركية، ولن يقبله حلف شمال الأطلسي.
 
إصرار تركي على امتلاك تكنولوجيا الصواريخ الروسية
وتابع: «هناك إصرار تركي على المضي قدما في امتلاك هذه التكنولوجيا من الصواريخ، وبالفعل تسلمت الدفعة الأولى منها، ولكن في المقابل أوقفت أميركا تسليم الطائرات لتركيا، وكذلك أوقفت تدريب الطيارين الأتراك الموجودين في الولايات المتحدة على تكنولوجيا استخدام هذه الطائرات، وتبحث حاليا فرض عقوبات على تركيا، ويبحث أيضا الناتو مدى تأثر التعاون العسكري المستقبلي مع تركيا على أساس أن جزءا من تسليح تركيا أميركي، وهناك تخوف حقيقي من انكشاف جانب من التكونولوجيا الأميركية أمام روسيا بدخولها في تعاون كبير من خلال صواريخ (إس 400) مع تركيا».
 
عقوبات غربية على الشركات التركية
وبخصوص اشتراك تركيا مع الولايات المتحدة الأميركية في تصنيع جزء من المقاتلات المتطورة «إف 35» ومدى صعوبة تخلي أميركا عن هذا التعاون، أضاف اللواء هشام الحلبي: «بالفعل هناك اشتراك تركي في تصنيع طائرات (إف 35) من خلال بعض الشركات التركية، ويحتمل أن من بين العقوبات التي ستفرضها أميركا على تركيا هي خروج الشركات التركية من نسب مكونات التصنيع التي تقوم بها في الطائرة، وهو أمر محتمل ومتوقع لأنه ليس من المنطقي أن تجمع تركيا بين المنظومتين وفي نفس الوقت تشترك في تصنيع جزء من (إف 35)، وأرى أن الحسابات التركية خاطئة تماما في هذا الموضوع، ولكنهم بالطبع يتحملون تبعات هذا القرار الذي سيؤثر بلا شك على العلاقات العسكرية بين تركيا من جهة وأميركا والناتو من جهة آخرى، وهناك جزء اقتصادي مهم وهو أن طائرات (إف 35) والتي تعد المقاتلة المنتظرة سيصبح انتشارها كبيرا عالميا بحكم تطورها التكنولوجي المذهل، والذي سيزيد من مبيعاتها وهو ما يمكن أن يؤثر بالإيجاب على الشركات التركية في حال استمرارها في التعاون في الإنتاج، وأرى أن الحسابات التركية في هذه القضية خاطئة تماما».

 




السفير حسن هريدي


 
رهان روسي بجذب تركيا بعيداً عن تحالفاتها الاستراتيجية
السفير حسن هريدي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق يرى أن العلاقات التركية الأميركية بلا شك ستتأثر بعد استلام تركيا الدفعة الأولى من صواريخ «إس 400» الروسية، وكذلك علاقات تركيا مع دول الناتو، فالرهان الأكبر حاليا لروسيا هو جذب تركيا بعيدا عن تحالفاتها التقليدية مع الغرب والولايات المتحدة الأميركية.
وقال: «الفائز حتى الآن هو روسيا التي حققت اختراقا استراتيجيا كبيرا بإتمامها هذه الصفقة، وأرى أن الآثار الاستراتيجية لهذه الصفقة على المنطقة وعلى مجمل علاقات تركيا مع الأطراف الرئيسية المعنية بها ستأخذ وقتا حتى تتبلور لأنها مرتبطة بشخص إردوغان وسياسته في منطقة الشرق الأوسط، وسياسته تجاه الاتحاد الأوروبي بعد تراجع الأخير عن قبول تركيا عضواً في الاتحاد، وبمعنى آخر فإذا ترك إردوغان الحكم لسبب أو لآخر، وفي حالة تغير المشهد السياسي أو التركيبة السياسية لتركيا، لا نستطيع في هذه الحالة أن نحدد هل ستكتمل باقي الصفقة، أو هل ستستمر العلاقات التركية الروسية بنفس السيناريو، أم ستعود تركيا مرة أخرى إلى سياستها التقليدية وهي التحالف مع الولايات المتحدة الأميركية».
 
تفاعلات إقليمية
وتابع: «دول المنطقة بما فيها الدول العربية تنظر إلى القضية من زاوية تأثير هذه التفاعلات بين روسيا وتركيا من جهة، وحلف الأطلنطي والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى، على أمن واستقرار الشرق الأوسط، فبهذه الصفقة التحالف التركي الروسي يزداد رسوخا، ونتائج هذا ستظهر تباعا في سوريا وتحديدا في شمال وشرق سوريا، ثم سيتضح ذلك في إمكانية هل ستنجح روسيا في إقناع تركيا بترك إدلب أمام القوات النظامية السورية أم لا».
وأضاف هريدي: «نعلم أن هناك قمة بين تركيا وروسيا وإيران ستعقد قريبا لبحث مجمل قضايا على رأسها الوضع في سوريا، وننتظر نتائج هذه القمة لنرى مدى تأثير روسيا على القرار التركي بالنسبة للحل السياسي في سوريا، وهل ستنجح روسيا في إبعاد تركيا عن الجماعات الإرهابية والتي ما زالت تعمل في إطار حماية تركية في شمال شرقي سوريا، وبالطبع لن نستطيع تقديم إجابات قاطعة على هذه الأسئلة إلا بعد انتهاء القمة الثلاثية خلال الفترة القادمة».
 
عقوبات اقتصادية على تركيا
وتابع: «بالطبع هناك بعد اقتصادي للقضية فكون روسيا تنجح في بيع هذه المنظومة فهذا يساعدها على التخفيف من الضغوط الاقتصادية عليها، وأيضا هناك المزيد من التطور الصاروخي الروسي مستقبلا، وبالنسبة للباتريوت الأميركية، فلم تقلل الرواية التركية من قيمتها، ولكن الشروط التي فرضتها أميركا على تركيا لتزويدها بالباتريوت أخرت من إتمام الصفقة بين الجانبين، ومن اللافت للنظر اللقاء الذي تم في أوساكا اليابانية مؤخرا في قمة العشرين بين الرئيس الأميركي ترامب والرئيس التركي إردوغان فبعد هذه القمة قال إردوغان إن ترامب يتفهم دوافع تركيا في شراء منظومة (إس 400)، وحتى نستطيع أن نرى الطريق أمامنا بالنسبة للعلاقات الأميركية التركية فيجب أن ننتظر لنقف على ماهية العقوبات الاقتصادية التي ستفرضها أميركا على تركيا في حال استمرت في استقبال الشحنات من روسيا، فأميركا أمهلت تركيا حتى نهاية شهر يوليو (تموز) الجاري 2019 للرجوع عن الصفقة، لكن الآن الصفقة تمت بالفعل، وحتى تكون الرؤية أكثر وضوحا سنرى في المستقبل إلى أي مدى ستذهب واشنطن في فرض عقوبات اقتصادية على تركيا، والجميع يعلم أن تركيا على المحك فيما يتعلق بتعاونها العسكري مع أميركا في برنامج المقاتلة الأميركية الشبح (إف 35) وهذا في حد ذاته ليس عقوبة كبيرة، لكن العقوبات الاقتصادية في حال تم فرضها من قبل أميركا ستكون متغيرا كبيرا في المشهد لأن الاقتصاد التركي يعاني، وفي حال فرضت أميركا عقوبات ذات طبيعة اقتصادية، سيعاني الاقتصاد التركي بشكل أكبر، وستكون هناك تداعيات سياسية على موقف الحزب الحاكم وإردوغان داخل تركيا، وسيشجع ذلك المعارضة التركية على توحيد صفوفها خاصة بعد النتائج التي حققتها في الانتخابات البلدية في إسطنبول لمواجهة إردوغان وإسقاط حكمه».
 
سياسة ضبابية
وحول تأثير امتلاك تركيا لهذه التكنولوجيا استراتيجيا على الدول المختلفة معها سياسيا وخاصة الدول الكبرى في المنطقة مثل مصر والسعودية، وأيضا باقي الإقليم، قال السفير حسن هريدي: «السياسة العربية تجاه تركيا حاليا ضبابية، فلا نستطيع تأكيد تصنيف الدول العربية لتركيا – إردوغان، هل هي دولة خصم أم صديق أم حليف، فمنذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011 مرت العلاقات العربية التركية بمراحل مختلفة من التحالف إلى التباعد وعدم وجود محاولات جادة للوقوف أمام الاختراق التركي للجدار العربي فتركيا تحتل أراض عربية في شمال سوريا، ولها قوات هناك، وأيضا قوات في العراق ولا أحد يتحدث في العالم العربي عن الاحتلال التركي، وهذا ما يؤكد الضبابية الموجودة في العلاقات العربية التركية، وكان من المفترض أن يتفق العرب على موقف مشترك تجاه الأطماع الإقليمية لتركيا التي تتمدد في سوريا وليبيا ولا يوجد أي رد فعل عربي قوي أو رسالة ردع عربية، وأشير هنا إلى نشر صور المعدات التركية العسكرية التي ذهبت إلى حكومة طرابلس رغم انتهاك ذلك لقرار مجلس الأمن الذي يحظر تصدير أسلحة إلى ليبيا».
ويؤكد خبراء عسكريون أن منظومة «إس 400» الروسية الحديثة قادرة على كشف الأهداف على بعد 400 كيلومتر، والتصدي لعشرات الأهداف في وقت واحد، وهي قادرة أيضا على إصابة الأهداف على ارتفاع 30 كم، والتصدي للطائرات المسيرة على ارتفاعات منخفضة جدا.


اشترك في النقاش