كوجر بيركار... تجسيد لمرونة الأكراد

الكردي الحائز على ميدالية فيلدز في مجال الرياضيات يضيف إلى مجموعته جائزة «الشعب الذهبية»

* شاهين صابر، ضيفة الشرف التي حضرت من جنوب كردستان العراق، وعضو اللجنة التأسيسية للجائزة: بيركار سيلهم بالتأكيد الكثير من الأكراد الشباب للابتكار في المجالات العلمية، وخاصة الرياضيات

* على غرار الكثير من المشتتين الأكراد، أظهر بيركار ثباتًا ومثابرة للقيام بإنجازات عظيمة وجعل مجتمعه فخورًا به

النضال والثبات

لندن: كانت الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات واحدة من أكثر الصراعات المدمرة التي وقعت في الشرق الأوسط الحديث. وفي حين لا يزال عدد الضحايا موضع خلاف، تشير معظم المصادر إلى تسبب الحرب في مقتل مليون شخص على الأقل، والأكراد الذين يعيشون في العراق من بين الكثير من ضحايا الحرب، إذ أدت حملة الإبادة الجماعية التي قام بها صدام حسين والمعروفة باسم «الأنفال» إلى مقتل 182ألف كردي.

ولد كوجر بيركار في مقاطعة مريوان في كردستان الإيرانية، التي تقع مباشرة بين الحدود التي تفصل بين العراق وإيران. كان عمره سنتين فقط عندما بدأت الحرب وهكذا أمضى سنوات حياته الأولى بين الغارات الجوية التي كان يطلقها كلا الجيشين. ولكن كما أثبت التاريخ مرارًا وتكرارًا، غالبًا ما تكون التجارب والمحن المبكرة مكوناتٍ لبناء شخصية الإنسان، وهذه المشاكل الفريدة هي التي تمنح الأفراد ثباتًا شديدّا لمواجهة جميع تجارب الحياة المستقبلية. أثر العيش وسط منطقة الصراع على طفولة بيركار بأكثر من طريقة. فعلى سبيل المثال، لم تكن أيامه الدراسية مجرد صراع للتقدم على الصعيد الأكاديمي، بل كانت أيضًا صراعًا من أجل البقاء.

وفي مقابلة حصرية مع مجلة «المجلة»، قال بيركار: «لم نكن نعرف متى ستنتهي الحرب. وكان من الصعب علينا وضع أي خطة للمستقبل». مضيفًا: «كنا (هو وأصدقاء طفولته) في كثيرٍ من الأحيان نكون جالسين في الفصول الدراسية، وفجأة تأتي طائرات لقصف المنطقة وكنا نهرب فورًا من الصف باتجاه الجبال».

وذكر بيركار كيف ساعدته طبيعة الثقافة الكردية الإيجابية في لحظات حياته الصعبة، منوهًا بنظرتها المتفائلة للحياة. كما أشار كيف يساعد حس الفكاهة الكردي أولئك الذين عانوا خلال الحرب المدمرة. وقال إن صورة الناس الذين يضحكون ويمزحون حتى أثناء القصف الجوي والتهجير لا تفارق ذاكرته.

عادة ما تتوقف ممارسات الحياة الطبيعية خلال فترات النزاعات الطويلة، ومع ذلك، لم يسمح بيركار للعوامل الخارجية بالتأثير على شغفه. عرّفه أخوه حيدر خلال طفولته إلى عالم التفاضل والتكامل وغرس في داخله حبًا عميقًا للرياضيات والذي ظل موجودًا حتى يومنا هذا.

وقال: «أعتقد أن أخي كان له التأثير الأكبر علي في بداية حياتي الدراسية، فقد حدد بطريقة ما مساري التعليمي. لقد كان مبدعًا للغاية، وكان دائمًا ما ينشئ ويخترع ويبني أشياء». وذكر بيركار أنه يحاول توجيه إبداع شقيقه أثناء قيامه بمهامه الأكاديمية ونظرياته الرياضية.

 



من اليسار إلى اليمين: ديمان توفيق ، كوجر بيركار ، وكاروان جمال طاهر الممثل الأعلى لحكومة إقليم كردستان في المملكة المتحدة.

 

حياة واسم جديدان في المملكة المتحدة

انتقل بيركار للعيش في المملكة المتحدة كطالب لجوء سياسي بعد تخرجه من جامعة طهران. وكما هو حال الكثير من الناس قبله، اتخذ قرارًا جريئًا بجعل بريطانيا موطنه الجديد ومكان ولادة حياته الجديدة. وواجه بطبيعة الحال الكثير من المصاعب التي يتعين على المهاجرين التغلب عليها، مثل تعلم لغة جديدة. لكن الولد الذي نشأ وهو يهرب من احتمال الموت المبكر لن يكون رجلا تتغلب عليه مثل هذه الأعباء.

وبعد وصوله إلى المملكة المتحدة، قام «فريدون دراخشاني» بتغيير الاسم الذي أطلقه عليه أهله عند ولادته إلى كوجر بيركار. وعند سؤاله عن مسألة تغيير اسمه، قال إنه يمكن ترجمة اسمه من اللغة الكردية بهذا الشكل «مستكشف» (كوجر) و«عالم رياضيات» (بيركار) ولذلك اختار هذا الاسم لأنه يعكس هويته كشخص يستكشف عالم الرياضيات.

وفي حين أنه غالبًا ما يتم ترجمة اسمه إلى «مهاجر» بدلاً من «مستكشف»، أخبرنا أنه عندما اختار هذا الاسم ترجمه برأسه على أنه مستكشف. وبعد سنة واحدة من فترة لجوئه، سجل بيركار في جامعة نوتنغهام، حيث أمضى ثلاث سنوات لتحصيل درجة الدكتوراه. ورغم أنه كان مقيمًا في نوتنغهام، إلا أنه كان يسافر إلى مناطق داخل المملكة المتحدة وخارجها حول العالم خلال هذه السنوات الثلاث. فعلى سبيل المثال، قضى بيركار بعض الوقت في كامبردج خلال رحلة تحصيله درجة الدكتوراه وسافر أيضًا إلى نيويورك وذهب أيضًا لإجراء أبحاث في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور. وبعد حصوله على درجة الدكتوراه، درس في جامعة وارويك لمدة عام قبل أن يذهب أخيرًا إلى جامعة كامبردج عام 2006.

وبدا عمله الشاق ومثابرته واضحين في جامعة كامبردج حيث انتقل من باحث إلى قارئ إلى أستاذ. وتم تكريمه عام 2018 عندما حصل على ميدالية فيلدز الكردية للرياضيات، وهي الجائزة الأكثر شهرة في مجال الرياضيات والتي تُمنح كل أربع سنوات فقط لأربعة أفراد على الأكثر.

 



كوجر بيركار مع زوجتة و ابنة. (تصوير: هيوا أحمد)

 

جائزة الشعب الذهبية الكردية: تكرم الإبداع

أضاف بيركار جائزة أخرى لمجموعته بعد عامٍ واحد فقط من الفوز بميدالية فيلدز. وحصل على جائزة الشعب الذهبية الكردية في قاعة مدينة كنسينغتون في لندن. وكان النحات الكردي المعروف زيرك ميرة أول من فكر في هذه الجائزة لأنه كان يريد تكريم الأكراد الذين ابتكروا أفكارا جديدة في عالم الفنون. واجتمع في نهاية المطاف عدد من الأكراد ذوي النفوذ لتشكيل لجنة جائزة الشعب الذهبية. وتألفت هذه المجموعة من شيرزاد حسن، و سيمين جايجى، وشاهين صابر، والدكتور جيا زانكانا، وزيرك ميره، وأكو كريم، وممتاز الحيدري، الذين أنشأوا معًا جائزة الشعب التي تم تقديمها أول مرة في 11 سبتمبر (أيلول)، 2018. بينما بدأت كجائزة ثقافية، إلا أنها في نهاية المطاف تشعبت في مجالات أخرى. 

ومع أنها بدأت كجائزة ثقافية، إلا أنها امتدت لتشمل مجالات أخرى إذ تم تقديمها لمبدعٍ في مجال الرياضيات. ويمكن أيضًا منح الجائزة لشخص غير كردي قدم مساهمة كبيرة في القضية الكردية. وليس مفاجئًا أن يحصل شخصٌ تعلم أهمية الإبداع في سنٍّ مبكرة على جائزة تؤكد على الإبداع.

وأشار إلى أنور سلطاني، أحد المتحدثين في حفل توزيع الجوائز، عن روح بيركار المبتكرة التي أدت إلى تقديمه أعمالا تعود بالفائدة على الشعب الكردي والإنسانية جمعاء. وقالت شاهين صابر- ضيفة الشرف التي حضرت من جنوب كردستان، العراق وعضو اللجنة التأسيسية للجائزة- إن بيركار سيلهم بالتأكيد الكثير من الأكراد الشباب للابتكار في المجالات العلمية، وخاصة الرياضيات. وقد صرحت أيضًا أنه أصبح رمزًا كرديًا للمثابرة والابتكار. وحضر أيضًا كاروان جمال طاهر، الممثل الأعلى لحكومة إقليم كردستان في المملكة المتحدة، حفل توزيع الجوائز. وقال السيد طاهر إنه فخور بأن يكون بحضرة شخص بارع مثل بيركار ويتشرف بأن يكون ضمن الأفراد الذين قدموا له الميدالية. كما أثنى على بيركار وإنجازاته، وقال إنه أثبت أنه على الرغم من كل النضال والظلم الذي اضطر الأكراد إلى تحمله، إلا أنهم قادرون على تحدي الصعاب والتقدم إلى ما وراء تصوراتهم ببساطة من خلال الاستفادة من كل فرصة تأتي في طريقهم.

وألقى بيركار أيضًا خطابًا لم يركز فيه على الرياضيات أو على عمله الأكاديمي بل ركز على حالة الأمة الكردية وأهمية الوحدة الوطنية والكبرياء، مبينًا الاحترام الذي أبداه لتراثه الكردي. وعبّر بيركار عن فخره بالحصول على الجائزة، وذلك ببساطة لأنها تحمل اسم أمته. وأعرب عن رغبته في تقديم المزيد من الجوائز الوطنية، لأن الأكراد واجهوا الظلم وتوجد محاولات من القوى الخارجية تسعى فقط لإسكاتهم. كما تحدث عن أهمية الجماعات والمنظمات الوطنية لأنها تساعد على توطيد الوحدة الوطنية والتعبير عن الفخر. وضرب مثال الجمعية الخيرية التي ساعدت الجالية الكردية بعد وقت قصير من الزلزال الذي ضرب مدينة كرمانشاه. وتحدث أيضًا عن الحفاظ على الثقافة الكردية وأهميتها لأنه يعتقد أن هذا الموضوع بدأ يفقد بعضًا من أصالته مع مرور الوقت. وعلى سبيل المثال، بدأ بعض الأكراد بإدخال الكلمات والعبارات الإنجليزية إلى جملهم الكردية المحكية وبدأ بعض الموسيقيين الأكراد يعتمدون الألحان العربية أو الفارسية أو التركية. وختم كلمته بالقول إنه وزملاؤه سيقومون بإنشاء منظمة أكاديمية للبحث العلمي والتعليم، وهو مشروع وعدت حكومة إقليم كردستان بالمساعدة في تنفيذه.

 



كوجر بيركار، وعطا مفتي، منظّم جائزة الشعب الذهبية الكردية

 

تجسيد مرونة الأكراد

لدى الأكراد تاريخ طويل من المعاناة والمأساة المفجعة. وما زالت هذه المعاناة مستمرة حتى يومنا هذا فهم عالقون بين ممثلي الدولة الذين يسعون فقط إلى سحق معنوياتهم وطمس أي أمل لديهم بإقامة دولة لهم. ومع ذلك، فقد أظهر الشعب الكردي مرارًا وتكرارًا صلابته التي تمكنه من التغلب على هذه الظروف والخروج بشكلٍ أقوى من ذي قبل. والدليل على ذلك تجربة بيركار الذي تغذى من التجارب والأوضاع التي مرت عليه في طفولته ليتحلى بالشجاعة للوقوف في وجه أي مشقة قد تواجهه الآن أو في المستقبل. وعلى غرار الكثير من المشتتين الأكراد، أظهر بيركار ثباتًا ومثابرة للقيام بإنجازات عظيمة وجعل مجتمعه فخورًا به.

وعلى حد تعبير عطا مفتي، منظّم جائزة الشعب الذهبية الكردية، فإن بيركار قد ملأ قلوب نحو 45 مليون كردي في كردستان وفي جميع أنحاء العالم بالفرح والفخر. وأخيرًا، أبدى بيركار اعتزازًا وإعجابًا بثقافته، ويهدف إلى القيام بدوره في مساعدة أمته بأي طريقة ممكنة. واستطاع بأكثر من طريقة تجسيد الروح الوطنية الكردية ومرونتها.

 


اشترك في النقاش