«احكي الفن» مهرجان قروي جزائري بمعايير عالمية

فرصة لدعم السياحة والتعريف بالموروث الثقافي الزاخر لمنطقة القبائل

* المهرجان يقدم مائدة شهية من الموروث الثقافي بداية باللباس المتميز لسكان المنطقة، مروراً بمطبخهم الشهي، وموسيقاهم التي تعزف على أوتار العواطف المرتبطة بالإنسان وبالأرض وبالوطن، وصولا إلى النمط المعماري الفريد من نوعه

 

الجزائر: بعد أسبوع حافل من الأنشطة الفنية والثقافية، أُسدل الستار أخيراً يوم الجمعة الماضي على فعاليات مهرجان «احكي الفن» بقرية بوزغان بمحافظة تيزي وزو الجزائرية، وهو المهرجان الذي أصبح لافتاً كونه أكبر مهرجان ثقافي شعبي في الجزائر، تنظمه قوى المجتمع المدني من دون دعم حكومي.

في أعالي جبال قرية «بوزغان» التي تكسوها سلسلة غابية زادتها جمالاً إلى جمال الطابع المعماري المتفرد لقرى محافظة تيزي وزو الأمازيغية التي تبعد بنحو 60 كلم عن عاصمة البلاد الجزائر، تحول الهدوء الذي كان يسود القرية إلى صخب على وقع لوحات وعروض فنية لعشاق الفن بمختلف صنوفه من داخل وخارج الجزائر خلال مشاركتهم في مظاهرة «إحكي الفن» والتي تكرس فكرة النزول بالثقافة إلى الشارع.

المهرجان وخلال طبعته السادسة عشرة، قدم طبقاً ثرياً، وبرنامجاً مترفاً، جمع بين الحكاية والكتابة والسينما والمسرح والرسم والغناء، حيث تحولت أزقة وشوارع القرية وباحاتها إلى قاعات عروض فنية كبرى بمشاركة نحو 420 فناناً، منهم مائة فنان من خارج الجزائر، ومن دول كثيرة على غرار: فرنسا، وبلجيكا، وأميركا، وبريطانيا، وغيرها.

المظاهرة التي تنظمها رابطة الفنون السينماتوغرافية والدرامية لمحافظة تيزي وزو، جاءت بهدف تعويض النقص الفادح الذي تشهده قرى ومدن القبائل في المراكز والمؤسسات الثقافية، لذلك جاءت فكرة الفن في الشارع كوسيلة للدفع بالمشهد الثقافي والفني للمنطقة، وإبراز موروثها الثقافي الزاخر على مر العصور.

وخلال أسبوع المهرجان شهدت قرية الساحل في بوزغان تنظيم وتنشيط عدة برامج وعروض في مجالات الفنون التشكيلية، وعروض مسرحية حيث تم بناء ركح خاص للمظاهرة في وسط القرية، كما تم إلقاء عدة عروض سينمائية وقراءات أدبية وشعرية، مع ورشات حول الصباغة والموسيقى والقصص وفنون الحكاية، وهو المجال الذي أخذ حيزا واسعا من المظاهرة باعتبار الحكاية من أبرز الفنون الشعبية في منطقة القبائل، وغالباً ما ترويها العجائز لأحفادهن، في ليالي الشتاء الطويلة، قبل الذهاب للنوم، وقد يرويها غير العجائز، في مواقف تقتضيها، للعظة والاعتبار وضرب المثل، ولكن الحكاية لا تسرد على الأغلب إلا ليلاً، في جو يتم التهيؤ له.

ورغم أن القرية تفتقد لأي منشآت كبيرة خاصة في مجال الإيواء والإطعام، حيث يتم استقبال وإيواء الضيوف، إلا أن ثقافة المواطنة هي الثقافة السائدة بين سكان قرى القبائل، لذلك تغلّب القائمون على هذه المشكلة بمساعدة السكان الذين فتحوا بيوتهم أمام الضيوف، كما تمت إعادة ترميم منازل قديمة ومهجورة وتحويلها إلى مراقد.


 

ومن الناحية المالية، يعتمد منظمو المهرجان على تبرعات القرويين لتمويله مع تلقي بعض المساعدات من أصدقاء المهرجان، خاصة في ظل الشح الكبير الذي تعرفه ميزانيات الثقافة في المدن الصغيرة، حيث يغيب الدعم الحكومي تقريبا بشكل كامل للأنشطة الفنية والثقافية، فيما تبقى نقطة الاستفهام تحوم حول تجاهل وزارة الثقافة لهذا المهرجان الذي يعتبر الوحيد من نوعه، بينما تُصرف أموال طائلة من أجل سهرات غنائية تدوم لساعتين أو ثلاث، وهو الأمر الذي اعتبره المنظمون إجحافاً في حقّ شباب متطوّعين صمدوا لست عشرة سنة على التوالي. وجعلوا من هذا المهرجان أكبر مهرجان شعبي في الجزائر.

الباحث في الموروث الثقافي الأمازيغي نور الدين يسعد أكد لـ«المجلة» أن «مهرجان احكي الفن يُعدُ من المهرجانات الفنية والثقافية المتميزة في المشهد الثقافي الجزائري، لعدة أسباب أبرزها أنه مهرجان من الشعب وإلى الشعب، بمعنى أنه مهرجان غير حكومي وموازنته يتم إعدادها وجمعها وتوزيعها من طرف القرويين من خلال عملية التنسيق بينهم من طرف اللجان المنظمة لهذا الحدث».

وكونه مهرجاناً شعبياً يمول من طرف الشعب، فذلك يُعدُ تحديا كبيرا برأيه، خاصة أن «احكي الفن يدخل عامه الثامن عشر على التوالي وقدرته على الحياة والاستمرار رغم الإمكانات المحدودة في وقت أغلقت فيه مهرجانات فنية تمولها الدولة من ميزانيتها دليل على قوة هذا المهرجان وأهميته وما يقدمه من إضافة للمشهد الثقافي لمنطقة تيزي وزو خاصة وللمشهد الجزائري بشكل عام».

أهمية المهرجان الأساسية، يتابع: أنه «يمنح للفنانين الهواة الفرصة للبروز وعرض أعمالهم الفنية بمختلف صنوفها من فن تشكيلي وموسيقى ورقص وغناء وتمثيل وغيرها من الفنون الأخرى، هذه الفئة لا تجد مكاناً لها في المهرجانات الرسمية التي تتكئ في الغالب على أسماء معروفة تحتكر المشهد الفني والثقافي على مدار العام على حساب الطاقات الشابة التي تعاني التهميش وغياب منصات البروز وإسماع أصواتهم».

المهرجان قائم على التنوع فيما يقدمه، ذلك أنه لم يتخصص في صنف محدد من أنواع الفنون، ففي المهرجان تجد الموسيقى والغناء والرقص وعروض الأفلام، وهي فنون تستهوي الشباب بشكل خاص كما تجد بالمقابل حلقات نقاش في مختلف مواضيع الأدب والفكر والسياسية إلى جانب معارض الكتاب وهي المجالات التي استهوت كبار السن.

من الظواهر اللافتة في مهرجان احكي الفن الذي يحط رحاله كل عام على قرية من قرى محافظة تيزي وزو برأي يسعد: «ذلك التنظيم المحكم على مدار السبعة أيام التي تمثل عمر المهرجان والسرّ في ذلك النظام الاجتماعي المعروف بمنطقة القبائل والذي يسمى «ثاجمعاث»، وهو برلمان قروي مصغر يترأسه حكماء القرية تكون لهم الكلمة الفصل في إدارة شؤون القرية، وغالبا ما تحتكم هذه القرى في كل فعالياتها إلى هذا النظام الاجتماعي الذي يفرض النظام ويرتب كل صغيرة وكبيرة ولا يترك أي مجال لعنصر المفاجأة، والزائر لقرية الساحل التي احتضنت نسخة هذا العام يقف على النظام الفائق للتظاهرة سواء في سير الفعاليات الثقافية أو توفير الخدمات اللوجستية بمختلف أشكالها، وهذا الأمر يعطي صورة عن حسّ المواطنة الذي يرتفع منسوبه بشكل لافت بين سكان منطقة القبائل لعدة اعتبارات تاريخية وسياسية مرتبطة بالنضال من أجل الهوية الأمازيغية».

وإلى جانب ما سبق، يقدم المهرجان فرصة كبيرة جدا لدعم السياحة بهذه المناطق والتعريف بالموروث الثقافي الزاخر لمنطقة القبائل، فالمهرجان يقدم مائدة شهية من الموروث الثقافي بداية باللباس المتميز لسكان المنطقة، مرورا بمطبخهم الشهي، وموسيقاهم التي تعزف على أوتار العواطف المرتبطة بالإنسان وبالأرض وبالوطن، وصولا إلى النمط المعماري الفريد من نوعه.


اشترك في النقاش