أطماع تركيا في غاز شرق المتوسط تشعل الإقليم

أنقرة تواصل التصعيد بإرسال سفن التنقيب إلى المياه القبرصية
* محلل سياسي: تركيا تمثل عنصر قلق واضطراب في المنطقة
* استشاري اقتصادي: الشركات الدولية عادت مجدداً بعد اكتشاف ثروات الغاز
* الاتحاد الأوروبي يعتبر مواصلة تركيا التنقيب على الغاز في المنطقة الاقتصادية لقبرص انتهاكا للقانون الدولي
* أطماع تركيا في غاز شرق المتوسط يمكن أن يحول القضية إلى صراع إقليمي
* مصر وفرت 3 مليارات دولار بسبب اعتمادها على حقل «ظهر»
* استنكارات المجتمع الدولي لا تمنع تركيا من مواصلة تجاوزاتها داخل المياه القبرصية

القاهرة: أثارت تحركات السفن التركية إلى المياه القبرصية لاستكشاف الغاز المزيد من التوترات في منطقة شرق البحر المتوسط التي لا تحتمل المزيد من التصعيد في ظل ما يعيشه الإقليم من مشكلات تعد أنقرة عاملا رئيسيا في عدد منها، ويواجه الإصرار التركي بالتواجد في المياة القبرصية باستنكار كبير من الدول المتضررة من هذا التدخل وفي صدارتها مصر وقبرص واليونان، وكذلك من الاتحاد الأوروبي الذي استنكر رسميا في أكثر من مناسبة التصرفات التركية، حيث يعتبر مواصلة تركيا التنقيب عن الغاز في المنطقة الاقتصادية لقبرص انتهاكا تركيا للقانون الدولي، ونشاطا غير شرعي لأنقرة في مناطق لا تتبع لها، ودعا وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي تركيا أكثر من مرة للتخلي عن نشاطها في هذا الجانب، وأعلن رئيس المفوضية الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي بصدد اتخاذ إجراءات ضد تركيا بسبب نشاطها في منطقة قبرص الاقتصادية، فيما واجه الرئيس التركي إردوغان هذه التحذيرات بتحدٍ، من خلال تصريحه باستعداد تركيا للدفاع عن حقوق القبارصة الأتراك في تطوير حقول الغاز قبالة سواحلهم بما في ذلك استخدام القوة العسكرية في حال تطلب الأمر ذلك.
وجاءت الإجراءات التركية بإرسال سفينة حفر إلى المياه القبرصية للتنقيب عن الغاز كرد على التحالف بين مصر وقبرص واليونان ومعهم إسرائيل لوضع مجموعة من التفاهمات بخصوص حقول الغاز في شرق المتوسط، وبدعم عدد من دول الاتحاد الأوروبي خاصة مع ما تمثله قضية الغاز من أهمية اقتصادية كبرى في الإقليم، وهو الموضوع الشائك الثاني بين الاتحاد الأوروبي وتركيا بعد قضية حصول تركيا على الشحنة الأولى من صواريخ «إس 400» الروسية المتطورة والتي لا تحظى بقبول حلف الناتو الذي تشترك فيه تركيا.
 
اعتراض أوروبي علي ممارسات تركيا
ظهر الاعتراض الأوروبي بشكل أكبر من الأميركي على الممارسات التركية المستفزة بسبب الجوار الأوروبي وتشابك المصالح الاقتصادية الخاصة بثروات الغاز، مما دفع الاتحاد الأوروبي من خلال ممثلته العليا فيديريكا موغيريني إلى تحذير أنقرة ودعوتها لضبط النفس واحترام حقوق السيادة لقبرص على منطقتها الاقتصادية، وعدم التصرف بشكل غير قانوني، معلنة التضامن الكامل للاتحاد الأوروبي مع قبرص في قضيته، فيما ألقت أنقرة باللوم على الحكومة القبرصية الجنوبية، واتهمتها بتعريض منطقة شرق المتوسط للتوتر بتجاهلها حقوق القبارصة الأتراك.

 




الدكتور عبد المنعم سعيد


 
تركيا خلقت أزمة كبيرة بتدخلها في المياه القبرصية
الدكتور عبد المنعم سعيد الكاتب والمحلل السياسي المصري ورئيس مجلس إدارة مؤسسة الأهرام الأسبق قال: «يوجد حاليا حركة كبيرة في شرق البحر المتوسط فيما يتعلق بموضوع الغاز خاصة بين قبرص ومصر أقلقت تركيا التي تعاني من مشكلتين في هذا الإطار أولاهما سيطرتها على جمهورية قبرص التركية التي لا يعترف بها أحد سوى تركيا فقط، لكنها موجودة في شمال قبرص، ودخلت تركيا كمتحدث باسمها وذلك للتوغل في المياة الإقليمية القبرصية، وهو ما خلق أزمة كبيرة دخل فيها حلف الناتو والاتحاد الأوروبي ولا تزال جارية، والأخطر أن تركيا بدأت تختار بعض الأماكن والبدء في عمليات الاستكشاف والحفر، وهذا يمكن أن يحول موضوع الغاز إلى صراع بدلا من أن يكون موضوع تعاون، ولكن لا تزال الفرصة قائمة لعدم الدخول في إشكالية كبيرة بسبب هذا الموضوع، وبالتأكيد تركيا تمثل عنصر قلق، واضطراب في هذه المنطقة.
 
تشابة جيولوجي
وأضاف الدكتور سعيد: «شرق البحر المتوسط يتشابه جيولوجيا مع خليج المكسيك المعروف باحتوائه على كميات هائلة من البترول، ويعتبر المخزن الرئيسي للبترول الأميركي، وشرق البحر المتوسط يقارب هذا النموذج حيث يحتوي أيضا على كميات هائلة من الغاز، وهو ما يمثل ثروة لدول المنطقة، ولا شك أن المصادر الطبيعية في الشرق الأوسط مثل الغاز والنفط والمياه من بين الموارد المتنازع عليها بسبب ما تمثله من أهمية استراتيجية خاصة حقول الغاز التي في الغالب لا تتبع تقسيمة جغرافية محددة، حيث إنها تمثل عنصرا ممتدا في أماكن متعددة ومتجاورة لكن لحسن الحظ ينظم قانون البحار وضع المياة الإقليمية بالنسبة للدول المتجاورة وحدد 12 ميلا بحريا كحد لذلك، ثم أضاف منطقة تسمى الجرف القاري التي تحدد بداية هذه الأميال اعتبارا من اليابسة الممتدة تحت الماء، وبعد ذلك تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للدولة، وممكن أن تبلغ هذه المنطقة نحو 300 كم إذا كانت الدولة لها امتداد صريح نحو المحيط ولا يقابلها دولة على الجانب الآخر المقابل لها، وفي هذه الحالة تسمى الدول المتشاطئة، ويصبح هناك تقسيم من خط المنتصف، وقامت مصر بهذا الأمر مرتين بعد تخطيط الحدود البحرية مع السعودية، وكذلك مع قبرص، ومع تخطيط الحدود البحرية أصبح من الممكن البحث عن الثروات الطبيعية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بك، وما حدث أن قبرص قامت بترسيم الحدود مع إسرائيل، وبدأت مفاوضات متعددة في الدول التي تشترك في المناطق المتلاصقة مثل لبنان وإسرائيل، وأعتقد سيتم هذا مستقبلا بين مصر وفلسطين وإسرائيل».
 
القانون الدولي ينظم العلاقات بين الأطراف المتنازعة
وتابع: «أما بالنسبة لمصر فبعد ترسيم الحدود أصبح لها منطقة اقتصادية خاصة بها، ولا يوجد شك في تلاحمها مع مناطق أخرى مجاورة بسبب الوضع الجغرافي للدول، وتم اكتشاف حقل ظهر، وإسرائيل لها حقل تمر وحقل ليفياثان، وقبرص أيضا اكتشفت حقلا كبيرا اسمه أفروديت، ومصر اكتشفت عددا من الحقول بينها حقول كبرى».
وأضاف: «اتباع القانون الدولي في هذا الأمر يفيد جميع الأطراف، فعندما حدث خلاف بين لبنان وإسرائيل حول المناطق المتلاحمة بينهما وترسيمها وفق قانون البحار تدخلت الولايات المتحدة من خلال جمع الطرفين في مفاوضات غير مباشرة، وتشير الأنباء لتوصلهما إلى حل بخصوص تحديد الخط الفاصل بينهما»، مشيرا إلى «منتدى دول شرق المتوسط وما يمثله من أهمية لجميع الأطراف حيث يحوي كلا من مصر وفلسطين والأردن وإسرائيل وقبرص واليونان وإيطاليا، وهو يربط بين الدول المنتجة للغاز وكذلك الدول المتوقع أنها ستصبح منتجة له في المستقبل، وهذا المنتدى يؤشر إلى مصر كمركز إقليمي للطاقة لأنها بالفعل أكبر سوق في المنطقة بعدد سكان يفوق 100 مليون نسمة، ولديها ميزة وجود مصنعين كبيرين في دمياط وإدكو لتسييل الغاز، ولديها أيضا قاعدة صناعية كبيرة كثيفة الاستخدام للطاقة، ولديها مصانع حديد وصلب وإسمنت وأسمدة، واستهلاك كبير جدا للغاز من خلال المنازل والمصانع، وبالتالي فمصر دولة منتجة ومستهلكة للغاز، والدول من حولها تريد الاستفادة من المصانع الموجودة فيها لتسييل الغاز في مصر بدلا من أن تقيم مصانع جديدة بتكلفة كبيرة، حيث يتم إرسال الغاز إلى مصر لتسييله وإعادة تصديره من خلال أنابيب، خاصة مع وجود شركة أنابيب شرق البحر المتوسط، ويجري التخطيط لإنشاء أنبوب بحري من قبرص إلى مصر تقيمه شركة شل التي تملك قدرا من الأسهم في مصنع إدكو للتسييل، وهناك صفقات كبيرة متبادلة لشراء الغاز من إسرائيل».

 




الدكتور إبراهيم مصطفى


 
ترسيم الحدود البحرية يقضي على المشكلات بين الدول
الدكتور إبراهيم مصطفى، استشاري أول الاستثمار والاقتصاد بإحدى الشركات الدولية قال: «في حال تم ترسيم الحدود البحرية بين مجموعة من الدول المتجاورة ستعرف كل دولة مجالها البحري بدقة، وبالتالي فمن حق الدولة الاستكشاف داخل حدودها، وإذا تخطت تركيا حدود مصر أو أي من الدول المجاورة، على أثر تنقيبها في البحر المتوسط ففي هذه الحالة يتم التوجه إلى المؤسسات والمحاكم الدولية».
وتابع: «لذلك رسمت مصر حدودها البحرية مع قبرص لكي تضمن حقها في التنقيب مستقبلا في منطقة البحر المتوسط خاصة في حقل (ظهر)، وهناك حقول أخرى يمكن استكشافها بسبب احتياطات الغاز، لذلك عادت الشركات الدولية مثل (بريتش بيتروليوم) و(شل) إلى المنطقة، وأعتقد مصر لن تتهاون في حقوقها المشروعة في غاز البحر المتوسط».
 
جدوى اقتصادية كبيرة
وعن مدى الجدوى الاقتصادية لغاز شرق المتوسط بالنسبة لدول الإقليم والذي دفع تركيا إلى محاولة التواجد بقوة في المنطقة، قال: «المنطقة غنية بالغاز، ويوجد بها احتياطات كبيرة، وحقل «ظهر» المصري هو ما أظهر أهمية المنطقة ككل حيث يحتوي على احتياطات كبيرة من الغاز، وسابقا خرجت شركة (شل) من المنطقة بعد إجرائها الكثير من الدراسات ولم تفلح في البداية في العثور على الغاز، وبعد ذلك ظهرت احتياطات كبيرة مما شجع الشركات الكبرى في العودة مرة أخرى، وتتفاوض هذه الشركات مع الحكومة المصرية بخصوص محاولات البحث والاستكشاف عن المزيد من الحقول في المنطقة الغنية بالغاز».
 
مصر محطة مهمة للغاز في المنطقة
وحول مدى استفادة مصر من حقول الغاز وهل الاستفادة فقط من الاكتشافات أم من مصانع إسالة الغاز في دمياط وإدكو، قال دكتور مصطفى: «حقل ظهر فقط يوفر لمصر سنويا نحو 3 مليارات دولار كانت تستورد مصر بها غازا من الخارج للاستهلاك المحلي، وهذا بالطبع يضاف إلى الناتج المحلي المصري ويقلل من عجز الموازنة، ويقلل من إهدار العملات الأجنبية في الاستيراد، كذلك أصبحت مصر تغطي احتياجاتها الداخلية من الغاز، وستصبح مصر محطة ليس فقط لاستكشاف الغاز ولكن لاستيراده حتى يتم تسييله وإعادة تصديره والحصول على مقابل ذلك، وكذلك أتفقت مصر مع قبرص على مد أنابيب بين الدولتين حيث ستضخ قبرص الغاز إلى مصانع التسييل في مصر بإدكو ودمياط، وإعادة تصديره مرة أخرى».
 
مصر ستصبح مسوقاً كبيراً للغاز في المنطقة
وتهدف مصر لتسويق غاز شرق البحر المتوسط إلى أوروبا من خلال عملية تسييل الغاز في مصنعي دمياط وإدكو وإعادة تصديره، حيث يجاور حقل الغاز الطبيعي الضخم الذي يحمل اسم «ظهر» في مصر حقل آخر يسمى «كاليبسو» في قبرص، وفي وقت سابق لم تتمكن شركة إيني الإيطالية صاحبة امتياز استخراج الغاز في قبرص من الوصول إلى المياه القبرصية بعد محاصرتها من قبل البحرية التركية مما دفعها إلى الانسحاب من المنطقة، كما وقعت إسرائيل اتفاقاً لتصدير الغاز لأوروبا عن طريق الجانب المصري، وأدخلت حقول الغاز المكتشفة قبرص في دائرة الضوء خاصة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، وفي المقابل دخلت تركيا على الخط بذريعة دعم حقوق القبارصة الأتراك، وتعتمد تركيا على أسطول عسكري بحري كبير وفي المقابل تفتقر قبرص إلى مثل هذه القوة البحرية.
 
تدخل تركي في قبرص
ويعود التدخل التركي في قبرص لعام 1974 بعد اجتياح تركيا شمال الجزيرة وذلك بعد انقلاب مدعوم من اليونان، ومنذ ذلك التاريخ قسمت الدولة إلى قبرص المعترف بها من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وقبرص التركية في الجزء الشمالي المعترف بها من قبل تركيا فقط، وبعد اكتشاف احتياطات الغاز الكبيرة في المنطقة أخذت تركيا بالتوغل في المنطقة بذريعة حماية قبرص الشمالية، ورغم أن القوانين البحرية المعتمدة من الأمم المتحدة تحدد مسافة المياه أمام شواطئ الدول بنحو 320 كيلومتر، إلا أن تركيا ترفض هذا الأمر بدعوى أن المنطقة معقدة جغرافيا، وهناك تداخل كبير بين المناطق مما يصعب وجود حلول توافقية.
وتريد تركيا بلا شك الحصول على حصة من الغاز الموجود في شرق المتوسط رغم أن القانون الدولي يمنعها من ذلك، وتمضي تركيا قدما في هذا الاتجاه رغم التحذيرات المتكررة من المجتمع الدولي، والبيانات المتكررة من الاتحاد الأوروبي الذي يعترف بحق قبرص في السيادة على مياهها الاقتصادية التي حددها قانون البحار الدولي، وسبق له تحذير تركيا أكثر من مرة بالتوقف عن التجاوزات في حق قبرص، وهو الأمر الذي قوبل بالرفض من أنقرة التي تمضي قدما في إرسال سفنها الاستكشافية إلى المنطقة.


اشترك في النقاش