الدور الإيراني في أميركا اللاتينية... الأهداف والتداعيات

واشنطن: الحدود بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي ملاذ آمن لـ«حزب الله»
* النفوذ الإيراني في أميركا اللاتينية لا يُقارن بسياساتها التدخلية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تلعب طهران دورًا رئيسيًا في سوريا ولبنان واليمن والعراق
* أصبحت أميركا اللاتينية واحدة من أبرز الدوائر الحيوية للسياسة الخارجية الإيرانية
* الاستراتيجية الإيرانية تُدرك جيدًا أنه من المستحيل إرسال مقاتلين، لكن من السهل إرسال جواسيس وإرهابيين إلى الولايات المتحدة، وذلك عبر أراضي دول أميركا اللاتينية
* استفاد «حزب الله» من وجود جالية عربية كبيرة في أميركا اللاتينية يبلغ قوامها نحو 25 مليون نسمة، ويُشكل اللبنانيون النسبة الساحقة من العرب الموجودين في أميركا اللاتينية
* لم يكن تخطيط «حزب الله» لتنفيذ هجمات إرهابية في أميركا اللاتينية ليحدث من دون مساعدة بعض المسؤولين في دول أميركا اللاتينية وخاصة فنزويلا
* كشفت بعض التقارير الاستخباراتية الأميركية عن وجود معسكر تدريب لإرهابي «حزب الله» في جزيرة مارغريتا قبالة ساحل الكاريبي في فنزويلا، فضلا عن إصدار بعض المسؤولين الفنزويليين ومن بينهم «طارق العيسمي» وزير الصناعة الفنزويلي، جوازات سفر لأعضاء من «حزب الله»، يمكن استخدامها للدخول إلى الولايات المتحدة.

شهد الدور الإيراني في أميركا اللاتينية تناميًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية، واكتسب هذا الدور زخمًا شديدًا في ظل حكم الرئيس محمود أحمدي نجاد (2005 - 2013)، الذي عمل على توطيد علاقات بلاده بأميركا اللاتينية وخاصة مع فنزويلا. وبالفعل نجحت إيران في تعزيز حضورها في القارة اللاتينية، فوفقًا للمدعي الأرجنتيني الراحل «ألبرتو نيسمان»، فإن لإيران وجودا في اثنتي عشرة دولة في المنطقة، بما في ذلك الأرجنتين والبرازيل وشيلي وكولومبيا وغيانا وباراغواي وترينيداد وتوباغو وسورينام وأوروغواي. واهتمام إيران بتعزيز حضورها في أميركا اللاتينية، من خلال «حزب الله»، ذراعها العسكرية، والذي برز بشكل واضح خلال الفترة الأخيرة، يطرح الكثير من التساؤلات حول أسباب الاهتمام الإيراني بأميركا اللاتينية، وطبيعة الأدوات والوسائل التي اعتمدت طهران عليها لتعزيز نفوذها هناك، وكذلك مواقف الأطراف الإقليمية والدولية من هذا الدور، علاوة على تداعيات تنامي الدور الإيراني في أميركا اللاتينية وتأثيراته المختلفة.


 
أولاً: أسباب الاهتمام الإيراني بأميركا اللاتينية
لا يُقارن النفوذ الإيراني في أميركا اللاتينية بسياساتها التدخلية في منطقة الشرق الأوسط، حيث تلعب طهران دورًا رئيسيًا في سوريا ولبنان واليمن والعراق، ورغم ذلك فقد أصبحت أميركا اللاتينية واحدة من أبرز الدوائر الحيوية للسياسة الخارجية الإيرانية، وهو الأمر الذي له أسباب عدة، من أهمها:
1 - تنامي المشاعر المعادية للولايات المتحدة: تُعد فنزويلا الحليف الرئيسي لإيران في أميركا اللاتينية، وقد وصف الرئيس الفنزويلي الراحل «هوغو شافيز» (1999 - 2013) الثورتين الإسلامية والبوليفارية بأنهما «ثورتان شقيقتان». وبشكل عام، تُمثل أميركا اللاتينية «تربة خصبة» لإيران لنشر آيديولوجيتها، في ظل نجاحها في إقامة علاقات وثيقة وودية مع ما يسمى «الحكومات اليسارية» في بوليفيا والإكوادور ونيكاراغوا، إضافة إلى فنزويلا وكوبا، وهي الحكومات التي تتبنى أجندة معادية للإمبريالية الأميركية، وتسعى إلى تقليص النفوذ الأميركي في القارة اللاتينية. وفي ظل ما تتمتع به تلك الحكومات من نزعة استقلالية، فإنها تعمل على تنويع حلفائها وشركائها الدوليين، بعيدًا عن الهيمنة الأميركية على شؤون المنطقة.
2 - القرب الجغرافي من الولايات المتحدة: جعل القرب الجغرافي من الولايات المتحدة، أميركا اللاتينية، بوابة مهمة، للوصول إلى الأراضي الأميركية أو لاستهداف مصالحها في القارة اللاتينية؛ فالاستراتيجية الإيرانية تُدرك جيدًا أنه من المستحيل إرسال مقاتلين، لكن من السهل إرسال جواسيس وإرهابيين إلى الولايات المتحدة، وذلك عبر أراضي دول أميركا اللاتينية. ويوفر الموقع الاستراتيجي الحيوي لأميركا اللاتينية فرصة جيدة لإيران لزيادة قدرات الردع في مواجهة الولايات المتحدة.
3 - عدم الاستقرار السياسي والأمني: ينشط «حزب الله» في أميركا اللاتينية منذ ثمانينيات القرن العشرين، مستفيدًا في ذلك من وجود بعض الحكومات الفاسدة، والحدود التي يسهُل اختراقها. واكتسبت أميركا اللاتينية، على نحو متزايد، اهتمام إيران، للاستفادة من المؤسسات الحكومية الهشة الموجودة في بعض دول المنطقة، وغياب الأجهزة الأمنية في بعض المناطق الحدودية وتحديدًا المثلث الحدودي بين باراغواي والبرازيل والأرجنتين، في تأسيس شبكة عالمية واسعة من تهريب المخدرات وغسل الأموال.
 




وصف الرئيس الفنزويلي الراحل «هوغو شافيز» (1999 - 2013) الثورتين الإسلامية والبوليفارية بأنهما «ثورتان شقيقتان»


 
ثانيًا: أهداف إيران من تعزيز العلاقات مع أميركا اللاتينية
تتنوع الأهداف التي تسعى إيران إلى تحقيقها من تعزيز علاقاتها مع دول أميركا اللاتينية، وذلك كما يلي:
1 - تخفيف الضغوط الدولية: تعمل إيران على استثمار علاقاتها المتنامية مع بعض دول أميركا اللاتينية، من أجل تحقيق أهداف سياستها الخارجية، ومنها: البحث عن حلفاء جدد للتخفيف من حدة العزلة الدبلوماسية المفروضة عليها، وحشد الدعم لمواقفها في المنظمات الدولية. إضافة إلى ذلك، يوفر حضور إيران المتزايد في أميركا اللاتينية مكاسب اقتصادية لها، ومنها: التحايل على العقوبات المالية؛ وتخفيف الضغوط الاقتصادية المفروضة عليها. وفي هذا الإطار، سعت إيران إلى استخدام القطاع المصرفي في أميركا اللاتينية، وخاصة البنوك الفنزويلية، للتحايل على العقوبات الأميركية عليها، وكذلك فتح أسواق جديدة للنفط الإيراني المهرب خارج إطار العقوبات الدولية عليها.
وفي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى عزل طهران اقتصاديا، فإن الأخيرة تعمل جاهدة على تعزيز شراكاتها الاقتصادية بدول المنطقة، التي تضم احتياطيات ضخمة من الثروات والموارد الطبيعية، بما في ذلك البترول والغاز الطبيعي والخامات والنحاس والرصاص، وحقق التوسع في العلاقات التجارية الإيرانية مع دول أميركا اللاتينية عائدات إضافية للحكومة الإيرانية. وفي المقابل، منحت إيران، بسخاء، مليارات الدولارات من المساعدات المالية لبعض الحكومات الاشتراكية، ومولت بناء المستشفيات ومحطات الطاقة، مما يعكس عمق المصالح المتبادلة بين الطرفين.

 




أسعد أحمد بركات


2 - تأمين التمويل اللازم لأنشطتها الإرهابية: حددت الولايات المتحدة المثلث الحدودي باعتباره نقطة ساخنة لغاسلي الأموال، وهو مجال آخر يستخدمه «حزب الله» وعملاء إيران لجمع الأموال. وتُشير بعض التقديرات إلى أن «حزب الله» يربح نحو عشرين مليون دولار سنويًا من المثلث الحدودي وحده، وإن كانت تقديرات أخرى تشير إلى أن الرقم أعلى من ذلك بكثير. ويرتبط «حزب الله» بصلات قوية مع بعض عصابات الجريمة المنظمة المتواجدة في المثلث الحدودي، وقد سبق أن حددت وزارة الخزانة الأميركية تسع شخصيات إجرامية تنشط في المنطقة باعتبارهم مسؤولين عن تزويد «حزب الله» بالدعم المالي واللوجيستي، وفي مقدمتهم: «أسعد أحمد بركات»، الذي تم اختياره من قبل قيادة «حزب الله» لإدارة أنشطته غير المشروعة في المثلث الحدودي، حيث يعمل مع الكثير من إخوته في جمع الأموال للحزب عن طريق الاتجار في المخدرات والعملات المزيفة والأسلحة والمتفجرات.

 




طارق العيسمي

3 - توفير الملاذ الآمن للخلايا الإرهابية: نظرت الولايات المتحدة، تاريخيًا، إلى الحدود بين البرازيل والأرجنتين وباراغواي، باعتبارها ملاذا آمنًا لـ«حزب الله»، وقد فتحت فنزويلا أبوابها أمام إيران والحزب، حتى أصبحت قاعدة عملياتها الأمامية في نصف الكرة الغربي، كما تدير إيران الكثير من أنشطتها العلنية والسرية انطلاقًا من فنزويلا، وهو ما يجعل الحفاظ على هذه العلاقة أمرا بالغ الأهمية بالنسبة للمصالح الإيرانية. وفي هذا الإطار، كشفت بعض التقارير الاستخباراتية الأميركية عن وجود معسكر تدريب لإرهابي «حزب الله» في جزيرة مارغريتا قبالة ساحل الكاريبي في فنزويلا، فضلا عن إصدار بعض المسؤولين الفنزويليين ومن بينهم «طارق العيسمي» وزير الصناعة الفنزويلي، جوازات سفر لأعضاء من «حزب الله»، يمكن استخدامها للدخول إلى الولايات المتحدة. هذا إلى جانب الاستفادة من علاقات التحالف مع جماعات الجريمة المنظمة في تسهيل ارتكاب جرائم إرهابية، وتشير بعض التقارير إلى أن محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) 2011. تم تنفيذها بمساعدة عصابة الاتجار بالمخدرات المكسيكية «زيتاس». علاوة على وجود تقارير تفيد بأن أعضاء من عصابة «سينالوا» المكسكية قد تلقوا تدريبات على تصنيع الأسلحة والمتفجرات في إيران.

4 - موازنة النفوذ الأميركي في منطقة «الشرق الأوسط»: توفر أميركا اللاتينية فرصة ذهبية لإيران من أجل موازنة الحضور والنفوذ الأميركيين في منطقة الشرق الأوسط، والذي يهدد المصالح الإيرانية هناك، لذا فتعمل طهران على تعزيز حضورها في المقابل في الحديقة الخلفية للولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، صرح الرئيس الإيراني السابق «أحمدي نجاد»: «متى حاولت الدول الغربية عزل إيران، ذهبنا إلى الفناء الخلفي للولايات المتحدة». لذا فقد سعى النظام الإيراني إلى إظهار قدرته على موازنة النفوذ الأميركي عن طريق إيجاد موطئ قدم له بالقرب من حدود الولايات المتحدة.
5 - دعم الطموحات النووية: يمكن أن يُسهم التحالف القائم بين إيران وبعض الأنظمة الاشتراكية في أميركا اللاتينية في تسهيل محاولات إيران الحصول على المعادن الضرورية لتطوير قدراتها النووية، خاصة مع امتلاك فنزويلا، على سبيل المثال، ثاني أكبر احتياطي عالمي من اليورانيوم. وفي هذا السياق، منحت فنزويلا بعض الشركات العسكرية الإيرانية مساحات كبيرة من الأراضي المعزولة لتطوير تكنولوجيا الصواريخ، بالإضافة إلى وجود شكوك أميركية في استغلال إيران الاتفاق الذي عقدته مع فنزويلا في أبريل (نيسان) الماضي لإطلاق رحلات طيران مباشرة بين البلدين، عبر شركة «ماهان إير»، في نقل الأسلحة والعسكريين من فنزويلا إلى حلفاء إيران في سوريا ولبنان واليمن. خاصة أن «ماهان إير»، وهي شركة طيران إيرانية خاصة، سبق أن فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليها عام 2011، على خلفية تقديمها الدعم المالي للحرس الثوري الإيراني.
 




شعار حزب الله


 
ثالثاً: أدوات الدور الإيراني في أميركا اللاتينية
سعيًا لتنفيذ أهداف سياستها الخارجية في أميركا اللاتينية، اعتمدت إيران على حزمة من الأدوات والوسائل من أبرزها:
1 - الأدوات السياسية والدبلوماسية: تتمتع إيران بصفة المراقب في التحالف البوليفاري من أجل شعوب أميركا اللاتينية «ألبا»، وهي منظمة حكومية دولية تعمل على تعزيز التكامل الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لبلدان أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وهو ما يسمح لطهران بالتأثير على أجندة التحالف وإن لم يحق لها التصويت داخل اجتماعاته. فضلا عن افتتاحها ست سفارات جديدة في أميركا اللاتينية، وذلك في: بوليفيا، شيلي، كولومبيا، الإكوادور، نيكاراغوا، وأوروغواي، بالإضافة إلى السفارات الخمس التي تمتلكها إيران بالفعل. كما واظب كبار المسؤولين الإيرانيين على زيارة دول أميركا اللاتينية، فعلى سبيل المثال: قام «محمود أحمدي نجاد» بست رحلات إلى المنطقة خلال الفترة (2005 - 2012) لتعزيز العلاقات مع دول أميركا اللاتينية، كما قام وزير الخارجية الإيراني «محمد جواد ظريف» بجولة أخيرة في بعض دول أميركا اللاتينية، بدأها من فنزويلا في العشرين من شهر يوليو (تموز) الجاري، وتشمل أيضًا كلا من بوليفيا ونيكاراغوا.
2 - الأدوات العسكرية: كشفت الكثير من التقارير المخابراتية عن قيام «حزب الله» والحرس الثوري الإيراني بتدريب المخابرات السرية الفنزويلية، كما تنشط الكثير من شبكات الاستخبارات الإيرانية في بعض بلدان أميركا اللاتينية تحت غطاء ثقافي وإنساني وديني وما إلى ذلك. وساعدت خلايا «حزب الله» في تصميم وبناء مدرسة (ألبا)، وهو معسكر تدريب عسكري في بوليفيا، ويتمثل الغرض الرئيسي من المدرسة في تلقين الجنود آيديولوجيًا وتقوية الروابط بين القوات المسلحة وثوار أميركا اللاتينية، كما دعمت إيران النظام الحاكم في فنزويلا بزعامة الرئيس الاشتراكي «نيكولاس مادورو»، في مواجهة ضغوط المعارضة والولايات المتحدة للإطاحة به، حيث تعهد حسن نصر الله الأمين العام لـ«حزب الله» بإرسال مستشارين عسكريين وأمنيين للحفاظ على نظام مادورو.
3 - الأدوات الثقافية والإعلامية: أطلقت إيران قناة تلفزيونية إسبانية «HispanTV»، تُبث عبر الأقمار الصناعية إلى دول أميركا اللاتينية، وتحتوي على برامج ثقافية وسياسية ودينية متنوعة وتستهدف مختلف شرائح السكان في هذه البلدان. ومن أجل توسيع نفوذها في أميركا اللاتينية، أنشأت إيران شبكة من المراكز الإسلامية والثقافية التي تستهدف المهاجرين الشيعة الذين يعيشون في أميركا اللاتينية، ويديرها رجال دين مرتبطون مباشرة بطهران أو ينتمون إلى «حزب الله». وتتلقى الكثير من هذه المساجد والمراكز الثقافية دعمًا ماليًا مباشرا من النظام الإيراني، ويتم إرسال رجال الدين من طهران أو لبنان إلى هناك لتعليم المسلمين وتحويل غير المسلمين إلى الإسلام الشيعي وتجنيدهم لخدمة أهداف سياسية إيرانية، على أمل جعلهم يقدمون بعد ذلك الدعم المادي والخدمات لـ«حزب الله» وعملائه في المنطقة. كما أن الملاحق الثقافية في السفارات الإيرانية نشطة للغاية، حيث تنظم فعاليات ومؤتمرات للدفاع عن الأجندة الإيرانية، كما تعمل على إقامة تحالفات مع المنظمات الدينية والسياسية المحلية. وساعدت إيران، «حزب الله»، على إبراز نفسه كقوة مهيمنة بين المجتمعات الشيعية المسلمة في جميع أنحاء المنطقة، وسيطرت على مساجدها ومدارسها ومؤسساتها الثقافية، وزاد عدد المراكز الثقافية الإيرانية في جميع أنحاء أميركا اللاتينية من 32 مركزًا عام 2012. إلى أكثر من 100 مركز في الوقت الراهن.
4 - الجالية العربية: استفاد «حزب الله» من وجود جالية عربية كبيرة في أميركا اللاتينية يبلغ قوامها نحو 25 مليون نسمة، ويُشكل اللبنانيون النسبة الساحقة من العرب المتواجدين في أميركا اللاتينية، وذلك بسبب موجات الهجرة خلال فترة الحكم العثماني في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وتتركز أنشطة هؤلاء في جمع التبرعات من جانب المتعاطفين لأجندة الحزب وأفكاره في دول أميركا اللاتينية، وساهم التماسك الشديد للجالية اللبنانية الموجودة في المثلث الحدودي، في عرقلة محاولات أجهزة إنفاذ القانون اختراقها أو الوصول إلى قاعدة عمليات «حزب الله». إضافة إلى ذلك، عكف «حزب الله» على إنشاء مراكز للتجسس وجمع المعلومات الاستخباراتية في المنطقة من خلال استخدام السفارات والمراكز الثقافية وحتى المساجد الشيعية كمصدر لتجنيد المغتربين في أميركا اللاتينية، وذلك من أجل إيجاد ظهير شعبي مساند للمواقف الإيرانية بين مواطني دول المنطقة.


 
رابعًا: مواقف الأطراف الإقليمية والدولية
تتباين مواقف الأطراف الإقليمية والدولية من الحضور الإيراني في أميركا اللاتينية، كما يتضح فيما يلي:
1 - مواقف الأطراف الإقليمية: تنقسم دول أميركا اللاتينية فيما بينها فيما يتعلق بالموقف من الدور الإيراني في المنطقة، فبينما يلقى هذا الدور ترحيبًا واسعًا من قبل الحكومات اليسارية في أميركا اللاتينية، نجد أن ثمة معارضة ورفضًا لهذا الدور من قبل بعض الحكومات اليمينية. وإذا كان دور إيران مصدر ترحيب من قبل حكومات فنزويلا وكوبا والإكوادور وبوليفيا ونيكاراغوا، فإنما يرجع ذلك إلى علاقات التعاون والتنسيق المشترك بين هذه الدول وإيران في ظل وجود رؤية مشتركة بشأن المهدد الأول لأمنها القومي، وهي الولايات المتحدة، كما تتعاون تلك الدول معًا من أجل الحفاظ على النظم الحاكمة فيها في مواجهة الإمبريالية العالمية من وجهة نظر قادتها، إلى جانب السعي المشترك من جانبها إلى تقليص الهيمنة الأميركية على المنطقة.
أما بالنسبة للحكومات اليمينية في أميركا اللاتينية، فيتخذ بعضها موقفاً معارضاً لنفوذ إيران المتعاظم في المنطقة خاصة أنها ترتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، وتعمل على تنسيق جهودها مع واشنطن من أجل الحد من النفوذ الإيراني، وكذلك مواجهة الدعم الإيراني للرئيس مادورو. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات الأمين العام لمنظمة الدول الأميركية «لويس ألماغرو»، التي أكد فيها على أن «إرهابيي إيران و«حزب الله» يعملون في أميركا الجنوبية، ويشرفون على شبكات الجريمة المنظمة عبر الوطنية». ومن أجل مواجهة دور إيران التخريبي في أميركا اللاتينية، أعلنت الأرجنتين في الثامن عشر من يوليو الجاري، «حزب الله» بوصفه «منظمة إرهابية»، في خطوة هي الأولى من نوعها في أميركا اللاتينية، كما رفضت شركة النفط الحكومية البرازيلية «بتروبراس»، منذ أيام قليلة، تزويد سفينتين إيرانيتين بالوقود قبالة سواحل البرازيل، تحسبًا لفرض الولايات المتحدة عقوبات عليها. ومثل هذه التحركات، وإن كانت غير كافية، فإنها تعكس رغبة بعض دول أميركا اللاتينية في منع تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة.
2 - مواقف الأطراف الدولية: مثلما تتباين مواقف دول أميركا اللاتينية بشأن الدور الإيراني في المنطقة، فإن القوى الدولية هي الأخرى تتبنى مواقف مختلفة من دور إيران، فبينما تعارض الولايات المتحدة بشدة النفوذ الإيراني في أميركا اللاتينية، تعمل روسيا والصين على التنسيق مع إيران لتحقيق مصالحها المشتركة داخل القارة اللاتينية. وفي هذا الإطار، تسعى الولايات المتحدة جاهدة إلى تقليص الوجود الإيراني في المنطقة، وتنظر إليه باعتباره تهديدًا لأمنها القومي وأمن الدول الموجودة في نصف الكرة الغربي، لذا فلم يكن مستغربا تصريحات كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية المنددة بالوجود الإيراني، فعلى سبيل المثال: وصف مستشار الأمن القومي الأميركي «جون بولتون» إيران و«حزب الله»، بأنهما يمثلان تهديدًا مباشرا لأمن دول نصف الكرة الغربي، وقال وزير الخارجية الأميركي «مايك بومبيو»: أن «حزب الله لديه خلايا نشطة، الإيرانيون يؤثرون على شعب فنزويلا وجميع أنحاء أميركا الجنوبية»، كما حذر نائب الرئيس الأميركي «مايك بينس» في مايو (أيار) الماضي من أن «النظام الإيراني عمل مع ديكتاتورية فنزويلا الفاسدة لإقامة ملاذ آمن لعملائه الإرهابيين في نصف الكرة الغربي». ودفعت تلك المخاوف وزارة العدل الأميركية إلى إعلان «حزب الله» باعتباره واحدًا من أكبر خمس منظمات إجرامية عبر وطنية في أميركا اللاتينية، وذلك في 15 أكتوبر 2018، كما عكفت واشنطن على التعاون مع دول أميركا اللاتينية لتشكيل تحالف ضد الإرهاب، وذلك من خلال الاتفاق على سبل مواجهة التنظيمات الإرهابية وتقييد مصادر تمويلها.
وعلى الجانب الآخر، ثمة توافق في الرؤى والأهداف المشتركة بين إيران وكل من روسيا والصين؛ فالبلدان الثلاثة تتفق على ضرورة الحفاظ على بقاء نظام الرئيس الفنزويلي «نيكولاس مادورو»، كما ترفض التدخلات الأميركية السافرة في الشؤون الداخلية الفنزويلية، وتندد بالتلويح الأميركي بالخيار العسكري لحل الأزمة، وتعتبر أن الحفاظ على نظام مادورو يصب في مصلحتها، لذا فقد عارضت جميعها تنصيب «خوان غوايدو» زعيم المعارضة الفنزويلية نفسه رئيسًا مؤقتًا للبلاد، وهي تعول على بقاء مادورو باعتباره حليفًا مهمًا لها في أميركا اللاتينية. وتعمل البلدان الثلاثة على ترسيخ نفوذها في القارة اللاتينية لتحقيق مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية وترى أن وجود كل منها مكمل للآخر وليس متعارضا معه، في ظل تبنيها جميعها توجهات معادية للولايات المتحدة، خاصة مع الضغوط والعقوبات التي تفرضها واشنطن عليها.

 




نيكولا مادورو يجتمع مع حسن روحاني_


 
خامساً: تداعيات الدور الإيراني
كان للدور الإيراني في أميركا اللاتينية تداعيات مهمة ترتبط من ناحية أولى بإيران نفسها، وتتعلق من ناحية ثانية بالولايات المتحدة، وترتبط من ناحية ثالثة بدول القارة اللاتينية، كما يتضح فيما يلي:
1 - التداعيات على إيران: حقق حضور إيران في أميركا اللاتينية لها الكثير من المكاسب، كما سبقت الإشارة، وساهم في إطالة عمر النظام الحاكم في إيران، وهذه المكاسب تنوعت ما بين مكاسب سياسية والمتمثلة بشكل أساسي في حصد الدعم السياسي لمواقفها الدولية من قبل بعض حكومات دول القارة اللاتينية وخاصة ما يتعلق بأحقية إيران في تطوير برنامجها النووي، والمكاسب الاقتصادية والتي من بينها الالتفاف على العقوبات الأميركية، وتوفير مصادر تمويل بديلة لأنشتطها في منطقة الشرق الأوسط، والمكاسب الاستراتيجية والتي تتجلى بشكل واضح في توفير الملاذ الآمن لخلاياها الإرهابية ووجود مصادر متنوعة لتطوير برنامجها النووي، هذا بالإضافة إلى إتاحة الفرصة لها لتهديد الولايات المتحدة، ولو بشكل غير مباشر، من خلال التواجد في حديقتها الخلفية، على نحو يمكن أن يُسهم في تخفيف ضغوط واشنطن عليها في الشرق الأوسط خاصة مع التوترات المتصاعدة بين البلدين خلال الفترة الأخيرة.
2 - التداعيات على الولايات المتحدة: لم تتمكن إيران حتى الآن من تهديد الأمن القومي أو المصالح الأميركية في أميركا اللاتينية، بشكل مباشر، غير أن تصاعد اللهجة الرافضة للحضور الإيراني في نصف الكرة الغربي من قبل المسؤولين الأميركيين إنما يعكس حالة القلق التي تنتاب الإدارة الأميركية من دور إيران في القارة اللاتينية. خاصة مع وجود سوابق تاريخية تكشف عن محاولات «حزب الله» تهديد الأمن القومي الأميركي عبر أميركا اللاتينية، ففي عام 2007. حاول أحد أعضاء «حزب الله» المتمركزين في غيانا تنفيذ هجوم إرهابي في مطار كينيدي. وفي عام 2011، حاولت إيران اغتيال السفير السعودي في واشنطن. إضافة إلى المخاوف من تسلل إرهابيين تابعين لـ«حزب الله» ضمن موجات الهجرة المتجهة للولايات المتحدة من حدودها الجنوبية، وتخشى الولايات المتحدة في الوقت الراهن من شن إيران هجومًا عليها عبر أميركا اللاتينية، ردًا على تهديدات أميركية حقيقية أو متصورة للنظام الإيراني.
3 - التداعيات على أميركا اللاتينية: ساهم الحضور الإيراني في القارة اللاتينية في تقديم الدعم لبعض النظم الحاكمة وفي مقدمتها النظام الاشتراكي الحاكم في فنزويلا، وساهم في استمرار وبقاء هذا النظام، وذلك بالتعاون مع روسيا والصين. وفي المقابل، كان الدور الإيراني في بعض دول أميركا اللاتينية مهددًا لأمنها واستقرارها، والمثال الأبرز على ذلك، تحميل الأرجنتين «حزب الله» المسؤولية عن تفجير «جمعية الصداقة اليهودية – الأرجنتينية» في بوينس آيرس، في 18 يوليو 1994. والذي أسفر عن مقتل 85 شخصًا، وجرح أكثر من 300 آخرين، وكذلك المسؤولية عن تفجير السفارة الإسرائيلية في بوينس آيرس، وذلك في 17 مارس (آذار) 1992، والذي أسفر عن مقتل 29 شخصًا وإصابة 242 آخرين، إلى جانب الكشف عن تورط بعض الأشخاص التابعين لـ«حزب الله» في التخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية في عدة دول لاتينية، منها: بيرو، أوروغواي، وبوليفيا، ولم يكن تخطيط «حزب الله» لتنفيذ هجمات إرهابية في أميركا اللاتينية ليحدث من دون مساعدة بعض المسؤولين في دول أميركا اللاتينية وخاصة فنزويلا، مقاتلي «حزب الله» في التسلل إلى دول القارة على مدار السنوات الماضية.


اشترك في النقاش