أميركا من دون أوهام


* التصعيد الأميركي لن يتوقف عن محاصرة إيران حتى تستسلم وتفاوض ضمن شروط ترامب أو تنتحر من خلال مهاجمة المصالح الأميركية في العالم أو تواجه حركة عصيان وتمرد داخلي نظرا لتردي الأوضاع الاقتصادية
 

من يعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية تتصرف في العالم على شكل شركة خيرية أو تعمل اقتصاديا وسياسيا وعسكريا بما لا يتناسب ومصالحها أولا وآخرا فهو بالحد الأدنى ساذج. وأميركا في هذا المجال ليست استثناء. فكل دول العالم تعمل تبعاً لهذه القاعدة. الصين التي تبرعت بـ20 مليار دولار إضافية لصندوق طريق الحرير مثلا تريد تمكين وجودها في أوراسيا وفرض نفوذها لما لتلك الاستراتيجية من نتائج حاسمة في مجريات صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية لصدارة العالم.
هذا لا ينفي واقعا أن الأداء السياسي الأميركي له تداعيات كبرى وتأثيرات على العالم بما أن هذه الدولة هو قوة عظمى أو قل الأعظم بين القوى نظرا لإمكاناته العسكرية والمالية والتكنولوجية والاقتصادية المتفوقة على ما عداها من باقي الدول.
لذا لا يجب أن يتوهم أحد أن الولايات المتحدة تتدخل في أي بقعة من الأرض من دون أن يكون لها مصلحة مباشرة في هذا التدخل.
سعي الولايات المتحدة لتحقيق مصالحها لا ينفي وجود حلفاء لها يتقاطعون غالبا حول مصالح مشتركة سياسية أو اقتصادية.
مناسبة هذه المقدمة تعود إلى بعض الآراء التي رأت في إصرار الرئيس ترامب الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع النظام الإيراني نكسة للحلفاء الشرق أوسطيين. وبدأ هذا البعض يتوجس من نوايا الرئيس الأميركي ترامب خاصة بعد تراجعه عن ضرب إيران إثر إسقاطها طائرة استطلاع أميركية قالت إيران إنها خرقت أجواءها. وتطايرت نظريات المؤامرة من كل حدب وصوب متناسين أن الرئيس ترامب وفى بوعد انتخابي يقضي بانسحابه من اتفاق وصفه بالأسوأ في تاريخ بلاده وهو على هذا الأساس أوقف نهج سلفه أوباما في السياسة الخارجية وهو الذي عمل على تعويم نظام إيران ورفع العقوبات عنه تدريجيا وإعادته إلى الحظيرة الأممية على حساب الحلفاء من دون أن يطلب منه أي تنازلات على صعيد سياساته العدائية وأعماله الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط والعالم أيضا. 
الرئيس الأميركي السابق أوباما أعطى إيران من خلال تحريرها من العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها إمكانيات أكبر لاستمرارها في نهجها التوسعي وتمكين وجودها في 4 عواصم عربية على الأقل والاستمرار في دعم المنظمات الإرهابية التابعة لها.
من الواضح أن الرئيس الأميركي يحب المفاوضات ويسعى إلى إبرام الصفقات مع خصومه وأصدقائه على حد سواء. وإن كان صحيحا أنه لا يسعى أبداً للتصادم العسكري مع إيران أو تغيير نظامها بل سوقها إلى طاولة التفاوض، فهذا لا يعني أن المفاوضات (إن حصلت) ستكون هدّية مجانية لإيران كما يحلو للبعض أن يظن، أو ستكون بداية تحالف بين البلدين أو ستدفع - أي المفاوضات - إن جرت، إدارة البيت الأبيض إلى الرضوخ باستراتيجية إيران التوسعية والعدائية تجاه منطقة الشرق الأوسط.
فكما أن الرئيس ترامب واضح في سعيه إلى المفاوضات، فهو أيضا واضح في مطالبته إعادة صياغة اتفاق جديد يحفظ ليس فقط أمن أميركا القومي بل أيضا أمن حلفائها. فهناك شروط واضحة لتلك الإدارة أعلن عنها بومبيو وزير الخارجية الأميركي تتعلق أولا بمنع النظام الإيراني بالاستحواذ على القنبلة النووية، وثانيا التوقف عن العمليات الإرهابية التي ترعاها من خلال المجموعات الإرهابية التي تموّلها وتحركها وترتبط بها ومعها عقائديا ومذهبيا في أكثر من قارة.
ومن هذا المنطلق ستتابع الإدارة الأميركية فرض عقوبات قاسية على إيران، أخرها كان وضع وزير الخارجية محمد جواد ظريف على لائحة العقوبات. هذا التصعيد الأميركي لن يتوقف عن محاصرة إيران حتى تستسلم وتفاوض ضمن شروط ترامب أو تنتحر من خلال مهاجمة المصالح الأميركية في العالم أو تواجه حركة عصيان وتمرد داخلي نظرا لتردي الأوضاع الاقتصادية.
الكرة في ملعب الملالي...