«حزب الله» يُحكم قبضته على لبنان

* اختيار الحريري لرئاسة الوزراء سيفيد «حزب الله» لفترة من الزمن، ولكن الجميع يعلم أن الحريري لا يتحكم حقًا في هذه القرارات. ولا يستطيع الحزب تحمل المزيد من النقد. لذلك يجب إسكات الجميع، بدءًا من جنبلاط ووصولاً إلى فدوات

 

لا يبدو «حزب الله» راضيًا عن السلطة الحالية التي يتمتع بها في لبنان. فعلى الرغم من فوزه في الانتخابات البرلمانية لعام 2008 وتشكيل حكومة أغلبية مع حلفائه، إلّا أنه لا يزال يريد الحصول على كل شيء. ولم يعد يريد التسامح مع أي ممن ينتقدونه أو يعارضون سياسته، سواء في الشارع اللبناني أو من الشخصيات السياسية. وحصل تطوران حديثًا في لبنان أشارا إلى أن الحزب يتجه إلى إسكات- أو على الأقل إضعاف- جميع الأصوات المعارضة. أحدهما الحملة المكثفة ضد الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والآخر ضد الأصوات الشيعية التي تجرأت على انتقاد ممارسات «حزب الله» داخل المجتمع الشيعي.

 

الحملة ضد جنبلاط

بدأت الأزمة في جبل لبنان، حيث قُتل اثنان من أنصار النائب الدرزي الموالي للأسد طلال أرسلان، وهو حليف وزير خارجية لبنان جبران باسيل و«حزب الله»، وذلك خلال اشتباكاتٍ حصلت مع أنصار جنبلاط، الذي يترأس الحزب التقدمي الاشتراكي الدرزي. ووقعت الاتشتباكات وإطلاق النار حين كان الوفد المرافق لوزير الدولةلشؤون النازحينصالح الغريب (حليف أرسلان) يمر في بلدة قبرشمون.

واستخدم باسيل- الحليف المسيحي الرئيسي لـ«حزب الله»- الحادث لترسيخ سلطته. فبعد حادثة إطلاق النار، طالبت كتلة باسيل بإحالة القضية إلى المجلس العدلي، الذي يعمل خارج نطاق القضاء ويتولى شؤون الأمن القومي. إلا أن جنبلاط ورئيس الوزراء سعد الحريري وزعيم القوات اللبنانية سمير جعجع وقفوا عقبة في سبيل تحقيق ذلك. وقال الحزب الاشتراكي إن الحادث كان عبارة عن تبادل إطلاق نار بدأه الوفد المرافق للوزير الغريب، والذي أصيب فيه اثنان من أنصار جنبلاط.

وفي محاولة منه لتهدئة الأوضاع وتخفيف التوترات، سلّم جنبلاط اثنين من أنصاره المشتبه في تورطهم في حادثة إطلاق النار إلى السلطات المعنية وطالب الجانب الآخر بالقيام بالمثل.

ورفض الحريري وضع حادثة إطلاق النار على جدول أعمال مجلس الوزراء لأن حلفاء «حزب الله» قد لمحوا إلى أن جنبلاط هو المسؤول عن الجريمة ويريدون رفع القضية إلى محكمة خاصة. وبعد فشلهم في تحقيق ذلك، حاولوا رفع القضية إلى المحكمة العسكرية، التي تقع أيضًا تحت سيطرتهم.

وبالتالي، لم يعقد مجلس الوزراء أي جلسة منذ وقوع الحادث في 30 يونيو (حزيران)، مما تسبب في حدوث شلل في مناقشات ميزانية عام 2020. واتهم أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، خلال مقابلة تلفزيونية حديثة، جنبلاط وغيره من منتقدي «حزب الله» بالتآمر ضد ما يسمى محور المقاومة.

ولم يستطع نصر الله أن ينسى ما قاله جنبلاط في مايو (أيار) 2019. عندما تحدى الأخير أحد مبررات «حزب الله» الرئيسية للاحتفاظ بأسلحته. وقال إن مزارع شبعا، المتنازع عليها والتي تحتلها إسرائيل، ليست لبنانية كما يدعي «حزب الله» بل تعود لسوريا.

يُذكر أن جنبلاط من أشد منتقدي الرئيس السوري بشار الأسد، ويرى كثيرٌ من المراقبين أن هذه الحملة جزءٌ من حملة أوسع لإضعاف نفوذه على مجتمع الدروز في لبنان. بالإضافة إلى ذلك، يُنظر إلى جنبلاط غالبًا على أنه بطل وحامي اللاجئين السوريين الذين يتوق نصر الله وباسيل إلى ترحيلهم.

وتشبه هذه الحملة- بالنسبة للكثيرين- الاستراتيجيات السابقة التي اتبعتها إيران والنظام السوري وتقوم على وصف النقاد بأنهم خونة وتجعل اضطهادهم مبررًا.

وتسود مخاوف حقيقية من أنهم إذا تمكنوا من رفع القضية إلى المحكمة العسكرية، فقد يكون «حزب الله» قادرًا على استخدام نفوذه لتأطير جنبلاط، في محاولة منه لكسره، سياسياً وشخصياً.

 

حادثة فدوات

في حادثة أقل أهمية، ولكن لها دلالات مشابهة، تم طرد امرأة شيعية تنتقد «حزب الله» من منزلها في بلدة دبعال في جنوب لبنان، حيث كانت تقطن.

وتواصل فدوات (أم تبلغ من العمر أربعين عامًا) منذ أسابيع، انتقاد «حزب الله» ومؤيديه وذلك من بلدتي دبعال ومجادل (مسقط رأسها).

ويبدو أنه وبعد أسابيع من فضحها بعض هؤلاء الأشخاص– وذكر أسمائهم- بدأت فدوات تتلقى تهديدات. وبدلاً من التوقف عن توجيه الانتقادات، انتقلت فدوى إلى وسائل التواصل الاجتماعي– وخاصة موقع «يوتيوب»– وانتقدت بشكلٍ أكبر هذه التهديدات. وقالت أيضًا إنها حاولت اللجوء إلى الشرطة المحلية ولكن دون جدوى. وقالت خلال إحدى حلقاتها على موقع «يوتيوب»: «إنت (حزب الله) تدينني بسبب انتقادي لحزب الله، في حين ينتقده الجميع، لكنني كنت الشخص الوحيد الذي تجرأ على ذلك علنًا».

ونشرت فدوات بعد عدة أيام فيديو جديداً، قالت فيه إنها وأطفالها قد أجبروا على الخروج من منزلهم انتقامًا لما نشرته. وتضمن الفيديو صورًا انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لأثاثٍ مرميٍ في الشارع من منزلها الذي كانت قد استأجرته في بلدة دبعال.

وعلى الرغم من صغر هذه الحادثة بالمقارنة مع غيرها، إلا أن لها آثارا كبيرة لأنها تعكس مدى نفوذ «حزب الله» في الجنوب ونطاق قوته وسلطته على مؤسسات الدولة، مثل مراكز الشرطة. وتعكس هذه الحادثة أيضًا حجم الاضطرابات داخل المجتمعات المحلية في جنوب لبنان بسبب الأزمة المالية التي يمر بها الحزب.

ولن يتساهل «حزب الله» مع أي من منتقديه بعد اليوم. ويرجع هذا التعصب المتزايد تجاه منتقديه إلى حقيقة أن الحزب يتعرض لضغوط أكبر من جانب مجتمعه الداخلي، ويشعر بالقلق من إمكانية انتشار هذا النقد وحرية التعبير وتسببهما بالمزيد من الضغط. ولذلك، فإن طرد فدوات من منزلها وبلدتها كانت غايته توجيه رسالة إلى المجتمع الشيعي مفادها أن أي شخص يتجرأ على انتقاد الحزب قد يواجه مصيرًا مشابهًا، إن لم يكن أسوأ. وكانت قصة فدوات تذكيرا واضحا بأنه لن يتم تجاوز خطوط «حزب الله» الحمراء.

لماذا الآن؟

أظهرت الحادثتان المذكورتان أعلاه احتياج «حزب الله» إلى مزيدٍ من السيطرة على خطابه وسياسته. فلماذا لا يشعر الحزب بالرضا عن السلطة التي حصلت عليها، مؤخرًا، ديمقراطيًا من خلال الانتخابات؟ ألن يكون من الأفضل السماح لأصوات معارضة قليلة لا يمكنها تحدي المعادلة السياسية أو تغييرها حقًا من التعبير عن رأيها؟

قد يكون ذلك صحيحًا إذا لم يكن «حزب الله» يواجه تحدياته الخاصة أو يكون قلقًا على التحديات التي من المتوقع أن يواجهها في المستقبل، فإحدى هذه التحديات القرار النهائي للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان، المتوقع أن يصدر بحلول نهاية العام، وقد يشمل تسمية بعض الأعضاء في «حزب الله». وبالإضافة إلى الضربة الداخلية التي قد ينتج عنها ذلك، فمن المحتمل أن يعرض «حزب الله» لمزيد من التدقيق من قبل المجتمع الدولي، وخاصة أوروبا، التي لم تدرج بعد في لائحتها «الجناح السياسي» لـ«حزب الله» كمنظمة إرهابية.

ويشعر «حزب الله» بالقلق أيضًا من فرض المزيد من العقوبات الأميركية على إيران- مما سيزيد من مشاكله المالية، وقد يؤدي إلى فرض عقوبات محتملة ضد أعضائه ومموليه وحلفائه اللبنانيين. وإذا تم فرض عقوبات على حلفاء «حزب الله»- مثل العونيين وأعضاء حركة أمل- فقد يتزعزع التوازن السياسي للحزب.

وبالإضافة إلى هذين التحديين، لا يسير الاقتصاد اللبناني على ما يرام، ويشعر الكثيرون بالقلق من احتمال سقوط قيمة الليرة اللبنانية وعدم تمكن الحكومة من دفع الرواتب. أضف إلى ذلك القضايا المعلقة الأخرى مثل الكهرباء والتلوث وأزمة النفايات والتعليم العام وغيرها.

يجيد «حزب الله» في العادة انتقاد الحكومة وتشجيع الآخرين على رفض الفساد ولكن ذلك كان يحصل عندما كان «حزب الله» إلى جانب المعارضة.

أما اليوم، فالحزب هو السلطة والجهة الملامة على عيوب الحكومة بطريقة أو بأخرى. واختيار الحريري لرئاسة الوزراء سيفيد الحزب لفترة من الزمن، ولكن الجميع يعلم أن الحريري لا يتحكم حقًا في هذه القرارات. ولا يستطيع «حزب الله» تحمل المزيد من النقد. لذلك، يجب إسكات الجميع، بدءًا من جنبلاط ووصولاً إلى فدوات.

 

* حنين غدار: زميلة زائرة في زمالة فريدمان الافتتاحية في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى.