موجة غلاء واسعة في إيران وموائد فارغة

* الإحصائيات الصادرة من مركز الإحصاء الإيراني تشير إلى وجود تضخم مفرط شهدته أسعار المواد الغذائية والمشروبات ومنتجات الألبان واللحم والدجاج

* شهدت أسعار الحليب قليل الدسم بوزن 900 غرام زيادة بنسبة 23 % وارتفع سعره من 2.600 تومان إلى 3.200 تومان

* أدى الارتفاع اللافت في إيجارات المنازل وارتفاع تكاليف المعيشة وتدني الأجور بالعمال وذوي الرواتب المتدنية إلى الانتقال والعيش في أطراف المدن

لقد أصبح ارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة ظاهرة اعتيادية للمواطنين في إيران، حيث تسجل أسعار كل السلع الاستهلاكية الأساسية والمواد الغذائية زيادة يومية تقريبا.

وتجد فئات واسعة من الشعب خلال الأشهر الأخيرة خاصة صعوبة في شراء المواد الغذائية. فقد عانى المواطنون خلال الأعوام الأخيرة من موجات تضخمية كثيرة غير أن الإحصائيات الصادرة من مركز الإحصاء الإيراني (المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تقدم إحصائيات حول معدلات التضخم والبطالة) تشير إلى وجود تضخم مفرط شهدته أسعار المواد الغذائية والمشروبات ومنتجات الألبان واللحم والدجاج وتسارعت وتيرته.

وكتبت صحيفة «جهان صنعت» في عددها الصادر في يوليو (تموز): «يقول المسؤولون إن المحال التي تقوم ببيع الدجاج بأكثر من 12.900 تومان للكيلو ترتكب مخالفة ولكن أسعار الدجاج وصلت حاليا إلى أكثر من 15 ألف تومان للكيلو في الأسواق». 

وأفادت وسائل إعلام محلية بأن سعر الدجاج ارتفع في عدد من المدن إلى 20 ألف تومان للكيلو. 

وأشارت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا) في تقرير لها إلى ارتفاع أسعار منتجات الألبان قائلة: «يعتبر حليب الأكياس الأكثر استهلاكا بين المواد الغذائية حيث شهدت أسعار كمية من الحليب قليل الدسم بوزن 900 غرام زيادة بنسبة 23 في المائة وارتفع سعره من 2.600 تومان إلى 3.200 تومان». 

لقد أدى الارتفاع اللافت في إيجارات المنازل وارتفاع تكاليف المعيشة وتدني الأجور بالعمال وذوي الرواتب المتدنية إلى الانتقال والعيش في أطراف المدن الكبيرة والمناطق التي تكون تكاليف المعيشة فيها أدنى من غيرها وتتمتع هذه المناطق غالبا بإمكانيات بسيطة قياسا بالمدن الكبيرة.

وانتقلت امرأة شابة ووالدتها مؤخرا من طهران إلى بلدة واوان التي تقع بالقرب من مدينة ورامين الواقعة جنوب غربي طهران.

وتعمل المرأة الشابة في أحد مصانع التعبئة والتغليف. وتقول المرأة لـ«المجلة» إنها لا تستطيع تأمين تكاليف المعيشة بأجرها المتدني، وأضافت: «نقوم بتأمين التكاليف المعيشية من خلال الراتب التقاعدي الذي يحصل عليه والدي. لا نسافر إلى مدن أو مناطق أخرى بسبب ارتفاع الأسعار. وعندما تقوم أختى وأخى وأبناؤهما بزيارتنا كل سنة مرة تعد والدتي وجبة الأرز مع الخضار واللحم، حيث يكلفنا إعداد هذه الوجبة 200 ألف تومان. عندما اشتريت الدجاج كان سعره 24 ألف تومان للكيلو. وسعر الجبنة 29 ألف تومان للعلبة الواحدة. إذا أردنا إعداد وجبة لحم بسيطة يلزم كيلوين من اللحم على أقل تقدير حيث يكون سعر الكيلو 180 ألف تومان». 

وتتابع بنبرة ممتعضة: «لقد أصبح الأرز والبطاطس والقرعيات المواد الرئيسية في السلة الغذائية للعائلات ذات الدخل المنخفض حيث لا يتم تناول اللحوم إلا نادرا لأن سعرها مرتفع للغاية. أعرف عائلات تشتري كمية بسيطة للغاية من اللحم لأبنائها فقط. لقد انخفضت نسبة شراء الفواكه بسبب الغلاء. ولا تقل أسعار الفواكه عادة عن 90 ألف تومان للكيلو، بحيث لا يستطيع الكثيرون دفع مثل هذا المبلغ وبالتالي يفضلون عدم تناول الفواكه».

وبالتزامن مع استمرار ارتفاع الأسعار وانخفاض القوة الشرائية هناك مخاوف من أن العائلات تشطب المواد اللبنية والفواكه والخضراوات من سلتها الغذائية. وهذا ما أكد عليه إبراهيم حسيني الرئيس التنفيذي لشركة بكاه لإنتاج الحليب بقوله «إن انخفاض نسبة استهلاك الحليب للفرد خلال عام واحد إلى 70 كيلوغرام يدق ناقوس الخطر بشأن مخاطر انخفاض مستوى الصحة العامة للمجتمع». 

وأشارت المديرة العامة في مكتب التغذية الصحية في وزارة الصحة الإيرانية زهراء عبد اللهي إلى أن نقص الكالسيوم بين العائلات ذات الدخل المحدود بلغ مستويات متدنية للغاية، وأضافت: «الفئات المحدودة الدخل ليست لديها قدرة على شراء المنتجات اللبنية».

ولفت أحد سكان غرب طهران إلى أن قدرة المواطنين على شراء المنتجات اللبنية انخفضت بشدة، قائلا: «القدرة المالية على شراء المنتجات اللبنية انخفضت بشدة وهذه الظاهرة لا تقتصر على الطبقة العاملة والموظفين بل امتدت إلى الطبقة الوسطى أيضا. عندما كنت في أحد المحال التجارية لشراء الحليب والألبان في وقت متأخر رأيت أن نصف الثلاجات مملوءة بالحليب والمنتجات اللبنية وهذا يدل على أن الناس لم يعودوا يشترون هذه المنتجات». 

وتعاني المطاعم ومحال بيع الأغذية في إيران من جهتها من أزمة حيث قال أسد الله أحمدي رئيس رابطة متاجر بيع الأغذية في سبتمبر (أيلول) 2018 بأن معدل شراء السندويتشات انخفض بنسبة تتراوح بين 30 إلى 40 في المائة.

وتقول سيدة إيرانية من مدينة شيراز: «لقد ارتفعت أسعار الأكلات باللحم بشدة في المطاعم ومحال الأغذية، فعلى سبيل المثال، يتراوح سعر سندويتش البرغر أو سندويتش الهوت دوغ بين 30 ألفا إلى 35 ألف تومان على أقل تقدير. عندما تذهبين إلى أرخص مطعم فسعر الأرز والكباب هو نحو 40 ألف تومان». 

وتجاوز سعر اللحم الأحمر 100 ألف تومان للكيلو في كثير من المدن. وكانت تعرف شوربة اللحم في إيران تقليديا بوجبة الفقراء ولكن هذه الوجبة تحولت الآن إلى حلم للكثيرين.

وهذا ما تؤكد عليه مديرة منزل في مدينة كرج قائلة: «إذا أردتم إعداد شوربة اللحم وهي وجبة بسيطة فذلك سيكلفكم كثيراً». 

ويبلغ سعر اللية (شحم الغنم) الآن 43 ألف تومان للكيلو. وتضطر الفئات التي لم تكن تشتري اللية إلى شرائها بدلا من اللحم، حيث يتم إعداد شوربة اللحم برقبة الغنم وهذا يكلف 120 ألف تومان للكيلو الواحد. لم يعد هناك أكلة رخيصة، حتى إذا أردت تناول الخبز والجبنة فذلك سيكلفك مبلغا لا بأس به. فسعر الجبنة ارتفع أيضاً. كان يعتبر البيض وجبة طلبة الجامعات والعمال أو العازبين ولكن البيض ارتفع سعره أيضا وبلغ سعر الـ30 بيضة 20 ألف تومان، فقد ارتفع سعر كل السلع والمواد الغذائية، حيث يلجأ كثير من العائلات إلى شراء أحشاء الدجاج لأن دخلها محدود واكتفت بشراء اللحم مرة في كل شهر أو أكثر من شهر». 

وأضافت: «اللافت هو أنني اشتريت علبة شاي كلستان 450 غراما بـ32 ألف تومان نحو شهرين، ولكنني اشتريت نفس الكمية من الشاي ذاته منذ أيام بـ64 ألف تومان». 

ويتفاقم الوضع المعيشي للمتقاعدين يوما بعد يوم. وقد قال معلم متقاعد «يبلغ راتبي للتقاعد نحو مليون و500 ألف تومان. صدقوني الراتب يكفيني فقط للعشرة أيام الأولى من الشهر ولا أعلم ماذا سأفعل في بقية الأيام. لقد تضاعف سعر السلع والمواد الغذائية وبلغ سعر اللحم الأحمر 140 ألف تومان للكيلو الواحد في الوقت الذي كان سعر الدجاج للكيلو الواحد 5 آلاف تومان وسعر اللحم الأحمر 60 ألف تومان للكيلو الواحد في العام الماضي». 

ويقول هذا المواطن الإيراني إنه متقاعد ولكنه مضطر إلى العمل كبائع جوال وأضاف: «أصبحت حياتنا صعبة لا تطاق. إذا لم أعمل ولو ليوم واحد فلن أستطيع تأمين تكاليف المعيشة حتى نهاية الأسبوع. لا تستطيع الادخار وإذا لم تدخر فهذا يعني أنه ليس لديك أمل». 

وطرحت سؤالا حول سبب ارتفاع أسعار المواد الغذائية على طالب في مدينة أراك فقال إن نسبة استهلاك المواد الغذائية للعائلات الإيرانية انخفضت بعد تنفيذ خطة ترشيد الإعانات الحكومية وأضاف: «ليس من المعقول أن نتوقع الثبات في الأسعار في بلد وصلت فيه الأزمات السياسية والاقتصادية ذروتها. إن نفقات مصانع المواد الغذائية ومواقع تربية المواشي جنونية فلو لم تقم هذه المصانع بزيادة السعر النهائي للمستهلكين فإنها ستقوم بتقليص كمية المواد الغذائية مع عدم التغيير في السعر النهائي. على سبيل المثال كنت أشتري كيس حليب وزن 900 غرام بـ3 آلاف تومان ولكنني أشتري نفس المنتج اليوم بكمية أقل أي 700 غرام بـ3.200 تومان». 

وقال مالك مكتب عقاري في طهران إنه يدير عائلة من 4 أفراد، مضيفاً: «ارتفعت الأسعار بشكل جنوني. وأشكر ربي أننا ما زلنا قادرين على تناول وجبة شوربة اللحم مرة في كل أسبوع أو أسبوعين ونتناول لحم الدجاج مرة في الأسبوع». 

وتابع: «ارتفع سعر الحليب المعلب إلى 8 آلاف تومان، وبلغ سعر نوعين من الأرز 25 ألف تومان و17 ألف تومان للكيلو، واللحم الأحمر 120 ألف تومان للكيلو، والدجاج 24 ألف تومان للكيلو. كنا نشتري قطع اللحم منذ عامين ولكننا نشتريها اليوم حسب الكيلو. نشتري كمية قليلة منها ولكنني أعرف كثيرين لا يتناولون اللحوم الحمراء في الشهر. أشكر ربي على هذا لأن الآتي قد يكون أسوأ». 

كانت أعلى نسبة للتضخم 4.42 في المائة قبل وصول حسن روحاني إلى سدة الرئاسة في يونيو (حزيران) 2013، ولكنه بلغ 47 في المائة في مارس (آذار) 2019 ووصل التضخم إلى أكثر من 50 في المائة في شهر أبريل (نيسان) ومايو (أيار) ويونيو (حزيران) 2019.

أصاب سهام الموجة التضخمية الجديدة ذوي الدخل المحدود على غرار المتقاعدين والعاملين والطبقة الوسطى في المدن على حد سواء، ونتيجة لذلك انخفضت القوة الشرائية للمجموعات من ذوي الدخل المحدود. هذا ولم ترتفع الرواتب والأجور ولا تستطيع استيعاب التداعيات السلبية الناجمة عن التضخم الأخير. وتتحمل الطبقة العاملة والوسطى العبء الأكبر من التضخم وذلك بسبب هبوط العملة الوطنية والاختلاف الفاحش بين نسبة الأجور ومعدل التضخم.

وأفاد التقرير الصادر عن مركز أبحاث مجلس الشورى الإيراني في 2016 بأن 15 في المائة من سكان المدن و12 في المائة من سكان القرى يعيشون تحت خط الفقر. وأدى ظهور الصدمة التضخمية في 2018 إلى ارتفاع خط الفقر بنسبة 1.5 مرة أكثر من السابق.

يقول الأستاذ الجامعي حسين راغفر إن نسبة الفقر المطلق وصلت إلى أكثر من 33 في المائة أي ما يعادل 26 مليون شخص في الوقت الذي قال فيه العالم الاقتصادي إبراهيم رزاقي إن هذه النسبة تجاوزت 60 في المائة.


اشترك في النقاش