العملات المشفرة... إرهاب عابر للبحار أم تطور للاقتصاد العالمي

مخاوف من تمويل النشاطات المشبوهة وغسل الأموال
* خبير اقتصاد دولي: العملات المشفرة «تسونامي مالي» يجب تهيئة الدول والمؤسسات المالية التقليدية للتعامل معه
* مطالبات للمؤسسات الدولية بمواكبة التطور الرقمي العالمي الجديد
* كيف تسيطر الحكومات على تمويلات الإرهاب عبر البحار وتجارة المخدرات والنشاطات المشبوهة من خلال العملات الإلكترونية؟
* هل ستسمح الدول الكبرى باستمرار مشروع «الليبرا» في ظل المخاوف الأمنية
* إجراءات الخصوصية والسلامة من خبراء إدارة المخاطر لمنع عمليات الاستخدام للأغراض المشبوهة وعمليات الاحتيال

القاهرة: أثار الإعلان عن إطلاق عملة «فيسبوك» الرقمية المشفرة الجديدة (ليبرا) خلال منتصف العام القادم 2020 مخاوف لا حصر لها، بسبب سهولة تداول العملة الجديدة بين الأشخاص والمؤسسات عبر العالم، حيث إنه بضغطة زر علي الهاتف الجوال تستطيع تحويل الأموال، واستقبالها من خلال تطبيقات (الواتس آب، و«فيسبوك» ماسنجر)، وتطرح تساؤلات مهمة عن كيفية سيطرة الحكومات على تبادل عملات ليس لها حدود أو غطاء، ويتم تحويلها بين الأشخاص والشركات والمؤسسات على الفور من خلال الهواتف الذكية التي أصبحت موجودة لدى مليارات الأشخاص حول العالم، ومن دون شرط وجود أي حسابات مصرفية تقليدية لهم لدى البنوك.
 
تخوفات مبررة من العملات الرقمية
التخوفات المبررة، والتساؤلات الحائرة عن هذه العملات الرقمية المشفرة لا تزال موجودة ومشروعة في ظل التوترات التي يعيشها العالم، والإرهاب الذي لا يزال يتحرك شرقا وغربا وتحاول الأجهزة الأمنية في معظم دول العالم مطاردته، وتجفيف مصادر تمويله، وكذلك عمليات غسل أموال تجارة المخدرات والنشاطات غير المشروعة والمشبوهة حول العالم، ومن هنا يبرز المزيد من التخوفات عن إمكانية مساهمة العملات الرقمية العابرة للبحار بسهولة، ودرء مخاطر تحويل الأموال بهذه السهولة للجماعات الإرهابية في ظل ما يعيشه العالم حاليا، خاصة أن عملية التحويل لا تشترط وجود حسابات بنكية وهو ما يؤكد السهولة التي يمكن من خلالها تبادل وتحويل الأموال، في غياب أي رقابة مصرفية عن العمليات التي ستكون بمئات الملايين بين الأشخاص أنفسهم والشركات حول العالم.
ومما زاد من التخوف هو ما أوضحته شركة «فيسبوك» من أن التعامل بالليبرا لن يقتصر فقط على مستخدمي العملة، بل سيكون متاحا لجميع أعضاء «فيسبوك» الذين تجاوز عددهم حاليا 2.5 مليار مستخدم على مستوى العالم، وهو عدد مرشح للزيادة بشكل كبير في حال إطلاق الليبرا، وسيكون لكل منهم «حافظة إلكترونية» يحفظ من خلالها العملة ويتم تداولها في أي وقت إلكترونياً أيضاً من خلال تطبيق «واتس آب»، ومما يعزز من التخوف أيضا هو مدي تأمين النظام الرقمي الجديد الذي يتداول من خلاله المليارات سنويا بين الأشخاص والشركات، وكيفية حمايته من الاختراق أو تعرضه لأزمات مفاجئة دون التمكن من السيطرة على الأوضاع في حالة وجود أي طارئ في عمليات التحويل والاستلام خاصة أن الأمر خارج سلطات البنوك المركزية والسلطات الأمنية.
 
الكونغرس الأميركي ناقش قضية الليبرا
التخوفات الكبيرة من الليبرا وصلت لدرجة مناقشة الكونغرس الأميركي لها في ظل المعلومات الضئيلة المتاحة عنها، والمخاطر التي تحيط بها ونقص الحماية، مما يطرح علامات استفهام كبيرة، مثل: هل ستمضي «فيسبوك» في مشروعها برغم كل المحاذير الأمنية حوله، وهل ستسمح الدول الكبرى للمشروع أن يظهر للنور في ظل هذه المخاوف الكبيرة والمتعلق معظمها بأمان الأشخاص والمؤسسات، بل والإرهاب الدولي حول العالم، والتمويلات المشبوهة وغسل الأموال، وهل سيكون «فيسبوك» من جديد محركا لأمور قد تضر الأمن القومي للدول، يمكن من خلالها تهديد السياسات النقدية للدول الكبرى خاصة أميركا التي تتخوف بالفعل من سيطرة عملتها العالمية «الدولار» جراء العملات الرقمية وما يمكن أن تسببه من أخطار.


 
شركاء مؤكدون
سيكون الشركاء المؤكدون لـ«فيسبوك» في التعامل والتداول مع عملة الليبرا الإلكترونية الرقمية هم سلسلة من الشركات العالمية الكبرى وجميعهم ينتهجون نظام الدفع الإلكتروني، ويبلغ عددهم 27 شركة بحسب تأكيدات «فيسبوك» ومنهم شركات «أوبر» و«فيزا» و«باي بال»، و«ماستر كارد».
 
العملات المشفرة لا تتمتع بغطاء نقدي
الدكتور إبراهيم مصطفى استشاري الاقتصاد والاستثمار الدولي قال لـ«المجلة»: «العملات المشفرة منتشرة منذ فترة طويلة ومن بينها عملة البيتكوين الرقمية وغيرها، وهو تطور طبيعي وليس جديدا، وهناك عدد كبير من الشركات الكبرى وبعض الدول تتعامل بما يسمى «بلو تشين»، أو العملات المشفرة، وهناك من الدول من يتعامل بالعملات المشفرة بجانب العملات العادية، وحتى الدول الكبرى مثل الصين تصدر حاليا عملات مشفرة جديدة».
وتابع: «التخوف فقط سيكون من قبل البنوك الكبرى على مراكزها المالية، لأن التداول من خلال العملات المشفرة الرقمية لن يحتاج إلى وسيط في التعامل حيث سيكون مباشرا بين الشخص المستفيد وجهة ما من المؤسسات الموجودة على الساحة الرقمية، وبالتالي فإنه سيؤثر على الوضع المالي لهذه البنوك، التي يجب أن تتجاوب مع التطور الحاصل من خلال تطوير معاملاتها لتتواكب مع الوضع الجديد الذي سيفرض نفسه على الأسواق المالية خلال الفترة القادمة».
وعن اختلاف العملات المشفرة الجديدة عن المتداولة حاليا مثل «البتكوين» في استقرار قيمتها على المستوى الطويل وعدم المضاربة عليها، قال الدكتور إبراهيم مصطفى: «بالنسبة لموضوع المضاربات فالدولار الأميركي هو أكبر عملة يتم المضاربة عليها، والعملات التقليدية معرضة للصعود والهبوط بحسب العرض والطلب، ومثلا نموذج العملة الصينية «اليوان» وما تتعرض له مؤخرا، وهناك من يقول إن العملات المشفرة ليس لديها غطاء نقدي، على الرغم من عدم وجود غطاء نقدي لبعض العملات الرقمية العالمية الحالية مثل «البتكوين»، ومع ذلك يتم التداول بها بين عدد من الدول والمؤسسات الكبرى حول العالم، وتستخدم في بيع وشراء سلع استراتيجية، وقديمًا كان هناك تخوف من إصدار العملات التقليدية الورقية «البنكنوت»، وبعد ذلك ومع التداول واستخدامها المستمر أصبحت شيئا عاديا داخل الدول والمجتمعات».

 




الدكتور إبراهيم مصطفى استشاري الاقتصاد والاستثمار الدولي


 
تخوفات من التمويلات المشبوهة
وحول التخوفات من استخدام العملات المشفرة في النشاطات غير الرسمية والتمويلات المشبوهة خاصة مع تنامي ظاهرة الإرهاب الدولي والتنظيمات الإرهابية أضاف الدكتور إبراهيم: «لإنشاء نموذج العملات المشفرة الرقمية بهذا الكم والقيمة العالية، لا بد من إنشاء نظام ضخم (سيستم) لاستيعاب هذا الكم من البيانات والمعاملات المالية الهائلة، وستقوم شركة «فيسبوك» بإنشاء هذا النظام الذي سيتمتع بلا أدني شك بأعلى مستويات الأمان الإلكتروني التي يصعب معها الاختراق من أي جهة، وستصبح بيانات العملاء موجودة داخل هذا النظام، وبالتالي سيتم التعرف إلى الشخص الذي حوّل الأموال، وإلى من، وبالتالي فإن عملية الأمان ستكون عالية في هذا النظام، وستكون إلى أبعد حدود الأمان، وسيتم وضعها بحسب المتطلبات الضرورية للحماية».
 
عملة صينية مشفرة
وأضاف الدكتور إبراهيم: «هناك عدد من البنوك المركزية في عدد من الدول العربية أقرت التعامل قانونيا بالعملات المشفرة، لكن من خلال نظام التراخيص، وحتى الدول الكبرى، وعلى سبيل المثال الصين بعد منع التداول بالعملات المشفرة، عادت وسمحت بها، وحاليا تقوم بإصدار العملة الإلكترونية الخاصة بها والتي ستكون خاصة بالدولة نفسها، وذلك في ظل التوتر الحاصل بين الولايات المتحدة الأميركية والصين، وستصبح العملات المشفرة الفترة القادمة مثل «تسونامي»، وعلى الدول التي لم تهيئ نفسها للتطور الجديد على الساحة العالمية أن تقوم بذلك بأسرع وقت ممكن، حتى لا يتجاوزها التطور، وهو ما سيلقي بتداعيات خطيرة عليها ماليا واقتصاديا، وعليها أن تقبل التعامل بالعملات المشفرة لأنها أصبحت الآن وسيلة للدخل، فهناك صفقات كبرى في الفحم والبترول بين الدول الكبرى تتم بالعملات المشفرة، وهناك منصات تداول بيع وشراء إلكترونية بالبيتكوين مثل «أمازون» و«على بابا» ويستخدم الأخير قسما لديه خاصا بالعملات المشفرة، وهناك الكثير من العلامات التجارية الكبرى تتعامل بها، وأخرى أصبحت تهيئ المنصات والأنظمة المالية الخاصة بها للتعامل بالعملات المشفرة، وأرى أنها تعد أحد العوامل المالية «خارج الصندوق» لتسريع عملية الشمول المالي وهي قصة أخرى مهمة جدا بالنسبة للدول والحكومات والأفراد». 


 
 
قصة الليبرا بدأت من منشور لمارك زوكربيرغ
بدأت قصة الليبرا من خلال منشور من مارك زوكربيرغ صاحب «فيسبوك» على حسابه الخاص على المنصة الدولية منذ أسابيع قليلة أعلن فيه عن قرب إطلاق «فيسبوك» لأول مرة، وهي عبارة عن عملة رقمية مشفرة تقوم على تقنية «بلوك تشين» أو سلسلة الكتل (وهو نظام سجل إلكتروني لمعالجة الصفقات وتدوينها بما يتيح لكل الأطراف تتبع المعلومات عبر شبكة آمنة) حيث من المقرر أن تحتفظ بقيمتها دون تغيير ودون أن تكون معرضة لخفض قيمتها في أي وقت، وذلك درءاً لمخاطر عملة «بيتكوين» المشفرة غير المستقرة على المستويات البعيدة، والتي يتقلب سعرها صعودا وهبوطا مما يقوض من إمكانية استخدامها كاستثمار طويل الأجل وذي عائد مضمون، وهو ما جعل مؤسس «فيسبوك» يفكر في عملة تسمى «ليبرا» أو «الميزان» وهي عبارة عن بنية مالية تمكن مليارات الأشخاص حول العالم عام 2020 من التداول وتبادل الأموال من خلال الهواتف المحمولة من دون الحاجة إلى حمل النقود أو دفع رسوم إضافية لعملات التحويل، وسيكون الشخص قادراً على استخدام الهاتف المحمول – بحسب مارك زوكربيرغ – بطريقة آمنة وهو شيء مهم للأشخاص الذين ليست لديهم إمكانية الوصول إلى البنوك من خلال حسابات رسمية، في أن يكونوا قادرين على تداول واستخدام الأموال في عمليات البيع والشراء والدفع الإلكتروني من خلال الهاتف المحمول وهو ما يمكن أن يكون له أثر إيجابي على حياة الناس، ويجنبهم حمل الأموال النقدية والمخاطر التي تترتب على ذلك، وكذلك دفع رسوم إضافية لعمليات التحويل من خلال شركات تحويل الأموال المعروفة، وهو شيء مهم بالنسبة لمن لا يستطيعون الوصول إلى البنوك أو القيام بالعمليات المالية التقليدية، وكذلك لمن لا يمتلكون حسابات مصرفية، ولديهم فقط هاتف محمول، وهم شريحة كبيرة جدا تقدر بأكثر من مليار شخص حول العالم، وييسر النظام الجديد من خلال عملة الليبرا المشفرة على هؤلاء إرسال وتلقى الأموال بنفس السهولة التي يتبادلون بها الصور ومقاطع الفيديو والرسائل على الواتس آب، وسيكون ذلك من خلال شركة مستقلة تطلقها «فيسبوك» تدعى «كاليبرا» والتي ستقوم ببناء منصة الخدمات الرقمية التي سيسمح من خلالها بتلقي وإرسال الأموال من خلال حافظة رقمية لكل شخص ستكون متاحة عبر تطبيق الواتس آب وفيسبوك ماسنجر، وستكون المعلومات المتداولة عبر هذا النظام – بحسب زوكربيرغ - منفصلة عن المعلومات التي تشاركها على «فيسبوك»، وستتم عمليات التداول الإلكتروني من خلال هذا النظام بسعر مخفض للغاية أو من دون تكلفة تقريبا، وسيستطيع الشخص فيما بعد دفع الفواتير وشراء القهوة وركوب المواصلات العامة، والقيام بأعمال تجارية من خلال مسح للرمز الإلكتروني ومن دون الحاجة إلى حمل أموال نقدية، وبخلاف الشركات الكبرى التي انضمت بالفعل إلى نظام العملة الجديدة الخاصة بـ«فيسبوك» (ليبرا) ستنضم شركات أخرى من المقرر أن تصل إلى نحو 100 شركة عالمية في العام الأول لانطلاق الفكرة التي تم بناؤها وفق تقنية «بلوك تشين» التي تتمتع باللامركزية حيث تتم إدارتها من قبل منظمات مختلفة بدلا من واحدة فقط، وهي متاحة لمن لديه اتصال بالإنترنت برسوم بسيطة جدا وتتمتع بالأمان في التداول من خلال التشفير الخاص بها، وستكون عملية الأمان وفق إجراءات قوية تتمتع بالخصوصية والسلامة في جميع خطواتها من خلال فريق متخصص من الخبراء في إدارة المخاطر، ويركز على منع عمليات الاستخدام للأغراض المشبوهة وعمليات الاحتيال، وستكون عملية استرداد الأموال متاحة لمن يتعرض لأي نوع من أنواع فقدان قيمة العملة خلال عمليات التداول، وأوضحت «فيسبوك» مدى المسؤولية الملقاه على عاتقها لخروج هذه التقنية الخاصة بالليبرا إلى النور، وذلك من خلال أداء صحيح سيتم بالتوافق مع صناع القرار السياسي وخبراء الاندماج المالي والاقتصاد والأمن والخصوصية، ومواصلة الاستماع إلى آرائهم لتقديم نموذج قوي للجميع ولجميع الأعمال التجارية والمؤسسات الأكاديمية والمنظمات.


اشترك في النقاش