لبنان: انتخابات الجنوب

استسلام بوجه الثنائي الشيعي أم مواجهة باللحم الحي؟
* انتخابات فرعية في الجنوب... هل تتوحّد المعارضة بوجه الثنائي الشيعي؟
* هل هناك أسباب جوهرية لاختيار حزب الله لشخص مثل عز الدين؟ أم أنها مجرد «ملء الفراغ بمرشح من صور»؟
* هل ارتفعت حظوظ المعارضة الشيعية لتحقيق فوز أو أقلّه تسجيل نسبة تصويت يبنى عليها في المرحلة القادمة؟

بيروت: فرضت انتخابات صور الفرعية المرتقبة في 15 سبتمبر (أيلول) المقبل نفسها على الساحة اللبنانية، بعدما شغر المقعد الشيعي الذي كان يشغله النائب السابق عن حزب الله نواف الموسوي الذي قدم «استقالته» أو بمعنى آخر أقيل من عمله النيابي لأسباب عائلية.
فمنذ اللحظة الأولى لاستقالة الموسوي فتحت شهية الإعلام حول من سيكون خلفا له، لا سيما أن استقالة الموسوي كانت شبه متوقعة عقب حادثة تعرض ابنته يومذاك لمطاردة وهجوم من قبل طليقها على خلفية إشكالات سابقة وقضية «حضانة الأطفال» وما رافق ذلك من أحداث وإشكالات شارك فيها الموسوي بصفته الأبوية، إذ هب دفاعا عن ابنته مقتحما مخفرا في منطقة الدامور برفقة 20 مسلحا حيث كانت ابنته موجودة مع طليقها للادعاء عليه بعد حادثة المطاردة تلك. وفي حين كان حزب الله يدرس القواعد الداخلية المنظمة عنده من أجل اختيار اسم مناسب وبديل حزبي على أن يكون من قضاء صور تفاديا لأي إشكال قد يقع مع العائلات في المدينة، خصوصا أن الموسوي يتمتع بحيثية وشعبية كبيرة في قضاء صور، وقع خيار حزب الله على الشيخ حسن عز الدين، وهو مسؤول وحدة العلاقات العربية والأفريقية. علمًا بأنه قبل اختيار الحزب عز الدين كانت بورصة أسماء المرشحين بحسب المعلومات تضم مسؤول الإعلام الإلكتروني حسين رحال، ورئيس مركز باحث للدراسات يوسف نصر الله، ومسؤول منطقة الجنوب الأولى أحمد صفي الدين. إلا أن عز الدين كان الأوفر حظا، نظرا لكون حزب الله يرغب في ترشيح اسم من الحزبيين القدامى.

 




النائب السابق عن حزب الله نواف الموسوي

أما المعارضة الشيعية وعلى الرغم من حظوظها الخجولة في المواجهة الانتخابية فقد رفضت الاستسلام لسياسة الأمر الواقع وقررت خوض الانتخابات منعا للتزكية لصالح مرشح حزب الله علما بأنه حتى الآن فإن اجتماعات القوى المعارضة في الجنوب لم تفض إلى اختيار مرشح رسمي، إلا أن جبهة المعارضة تعمل حاليًا على الاتفاق حول اسم واحد، ويتم التداول بـ3 أسماء حاليًا، وهم: علي عيد، وأشرف صفي الدين، والمستجد طرح اسم قاسم داود، وهذا هو الأمر المفاجئ.
 
من هو الشيخ حسن عز الدين مرشح حزب الله؟
بداية أثار اسم عز الدين بلبلة واسعة في الأوساط اللبنانية بعدما وقع تضارب بالأسماء بينه وبين مسؤول أمني آخر في الحزب يحمل الاسم نفسه ومدرج على لائحة الإرهاب وتشمله لائحة العقوبات، إلا أن المرشح لخوض الانتخابات، يعد من القيادات التأسيسية في حزب الله؛ درس الهندسة في جامعة طهران في إيران قبل انتصار الثورة، ومن ثم انتقل لدراسة العلوم الدينية.
ابن بلدة معروب (مواليد 1953) كان صاحب الأفضلية المتقدمة فقد كان خيارًا جديًا خلال مرحلة جوجلة أسماء انتخابات العام 2018. فضلاً عن أنه عضو مؤسس في حزب الله. وتولى عز الدين مسؤوليات كثيرة في حزب الله ومنها مسؤولية الإعلام، وهو عضو الأمانة العامة في المؤتمر القومي العربي، ويشارك في المؤتمر القومي الإسلامي، ومؤتمر الأحزاب العربية، ولديه علاقات واسعة مع الأوساط القومية والإسلامية والعربية والحزبية في لبنان ومعظم الدول العربية والإسلامية وكان مواكبا للثورة الإسلامية الإيرانية منذ بداياتها.

 




الشيخ عباس الجوهري


 
لكن لماذا وقع خيار حزب الله على عز الدين؟
رئيس المركز العربي للحوار والدراسات والمعارض الشيعي الشيخ عباس الجوهري، قال لـ«المجلة» إن «الموضوع وهو موضوع فراغ وملء الفراغ بشخص من صور، وعز الدين عضو مكتب سياسي وشخصية قريبة من مستوى نواف الموسوي»، مؤكدا على أنه «لا إبعاد لاختيار هذا الاسم فلا أجنحة ولا فرق في حزب الله هناك لون واحد»، مشيرا إلى أنه «لعلّ حظوظه وقربه من نائب أمين عام حزب الله الشيخ نعيم قاسم ومن الدوائر التي تتخذ القرار جعل منه البديل لموسوي».
إلى ذلك، لفت الجوهري إلى أنه «ثمة مسؤولية على حزب الله تقضي باختيار بديل عن الموسوي من قضاء صور وعائلات صور الكبرى هي: صفي الدين، عز الدين وغيرها وهو ما جاء لصالحه كونه من إحدى هذه العائلات الكبرى وكونه من المنطقة التي وقع فيها الفراغ»،
كما أشار الجوهري إلى أن «عز الدين هو من الجيل الأوّل في الحزب وترشيحه هو الصيغة الطبيعية المتوارثة في حزب الله وبالتالي سيملأ الفراغ بطريقة ساكنة».
المعارضة الشيعية بوجه مرشح حزب الله: هل تفرض معركة انتخابية في صور؟
وفيما وقّع رئيس الجمهورية ميشال عون، المرسوم الرقم 5396 بتاريخ 31 يوليو (تموز) 2019 القاضي بدعوة الهيئات الناخبة لانتخاب نائب عن المقعد الشيعي في الدائرة الصغرى في صور، الذي شغر بعد استقالة الموسوي، وذلك يوم الأحد في 15 سبتمبر المقبل، وفقًا للنظام الأكثري. من المتوقع بحسب الدولية للمعلومات، أن يفوز مرشح حزب الله بـ50 ألف صوت على الأقل، مقابل حصول «المعارضين» على 5000 صوت، وذلك تبعًا لأرقام انتخابات عام 2018، حيث اقترع 91 ألف شخص من أصل 195 ألف ناخب، حصل منهم الحزب الشيوعي والمستقلون ورياض الأسعد على 3800 صوت فقط.
إلا أن المفاجأة كانت من الجهة المعارضة، مع تداول اسم قاسم داود، الذي لا شك أن ترشيحه سيشكل صدمة لحزب الله، ولحركة أمل أيضًا في حال تم ذلك، وداود هو شقيق شهيد حركة أمل وأحد أبرز رموزها داود داود، الذي يتهم حزب الله باغتيال الأخير بكمين في منطقة الأوزاعي إبان مرحلة الحرب التي دارت بين الفريقين الشيعيين نهاية ثمانينات القرن الفائت. والمرشح المفترض هو عم وزير الثقافة الحالي محمد داود، من بلدة بدياس في قضاء صور، يعمل بالمهجر في غانا، ومن المفترض أن يصل إلى بلدته الجنوبية في اليومين المقبلين، لتقديم ترشيحه للانتخابات الفرعية في صور كمرشح حرّ ومستقلّ وكمعارض للثنائي الشيعي.
مصادر متابعة أشارت لـ«المجلة» إلى أنه «لا يزال اغتيال القيادي في الحركة داود داود له حساسية بالغة بين حزب الله، وأمل، وكان توزير الرئيس نبيه بري لنجل داود من ضمن حصته في الحكومة الحالية، له رمزية خاصة لدى أنصار أمل، إذ اعتبرها البعض رسالة مبطنة إلى حزب الله، وتساءلت المصادر: هل ثمة رمزية مشابهة لترشيح قاسم داود بوجه الثنائي الشيعي؟».
علي عيد: المعارض الشيعي، واحد من الأسماء المتداولة كمرشح منافس لعز الدين، قال لـ«المجلة» إن «تجمع الشباب المعارضين والقوى المعارضة لا تزال تدرس الأسماء المطروحة للترشح بهدف كسر احتكار التمثيل السياسي في الساحة الشيعية من جهة ومن جهة ثانية احتجاجا على واقع الحال لا سيما أنه لم يتم الإيفاء بأية وعود على الأرض، إضافة إلى قمع الحريات وكم أفواه المعارضين وصبغ المنطقة بلون واحد لصالح ثنائي الأمر الواقع».
وعن تجربة 2018 قال عيد إن «هذه المرة خلافا للمرة السابقة تقدمنا من حيث التوافق حول ترشيح شخصية واحدة توافقية ترضي الجميع لكن حتى الآن لم يتم التوافق حول الاسم»، مشيرا إلى أن «الانتخابات الأخيرة شهدت خلافات كبيرة بين القوى المعارضة وتم غض النظر عن أمور كثيرة لفرض معركة انتخابية ومنعا للتذكية».
وأشار عيد إلى أن تجمع المعارضين الشيعة يمكن التعريف عنها تحت عنوان «المعارضة المستقلة» من أطياف سياسية مستقلة منها تابعة للحزب الشيوعي اللبناني والعائلات التقليدية: آل خليل، وآل الأسعد، ومنتدى صور الثقافي، وشخصيات فاعلة في المنطقة».
وعن الأسماء المطروحة من قبل المعارضة الشيعية، قال عيد إن أحد الأسماء المطروحة أيضا هو المحامي أشرف صفي الدين إضافة إلى قاسم داود وهو شقيق شهيد حركة أمل داود داود لكن حتى الآن لا شيء رسمي حتى الآن».
وقال عيد إن «معركتنا معركة ديمقراطية ونحن نخوض الانتخابات لرفع الصوت لمصلحة البلد ومنطقتنا وعلى جميع المعارضين للنهج السائد أن يترجموا مواقفهم عبر تسجيل موقف والاقتراع علنا نستطيع الفوز أو تحقيق حيثية معينة قد يبنى عليها في المرحلة القادمة والتي قد تكون ربما عامل ضغط على قوى الأمر الواقع».
 




المحامية بشرى الخليل

أما على المستوى الرسمي ومن خارج التجمع الشيعي المعارض، فقد رشحت المحامية بشرى الخليل نفسها رسميا بوجه مرشح حزب الله كمرشحة مستقلة. وفي حديث لـ«المجلة» قالت الخليل إنه «لا وجود لمعركة سهلة لكن اليوم ثمة تململ كبير في الشارع الشيعي من الوضع المعيشي والأزمات الاقتصادية والاجتماعية باعتبار أن الدولة هي المسؤولة عن هذا الواقع بسبب سوء الأداء»، وتابعت: «المواطن بات يعلم أن من يمثل الجنوب هو جزء من هذه الدولة الفاسدة وموجود في الحكومة الحالية وهذا الطرف يتحمل أيضا مسؤولية الحال التي وصلنا إليها وهو ما دفع بجزء كبير من المواطنين بالرغبة في التغيير، وفي الجنوب تحديدا الصوت عال في هذا الإطار لدرجة أصبح لدي أمل كبير وجدّي في الفوز بالمعركة».
وأكدت الخليل أنها مرشحة مستقلة غير تابعة لأي جهة حزبية علما بأنها تؤيّد مقاومة المشروع الصهيوني، مشيرة إلى أنها «تنتقد الأداء السياسي لجميع القوى السياسية ومن ضمنها حزب الله، مؤكدة على أن «مرشح حزب الله يتمتع بسمعة طيبة، لكن كدور نيابي وتشريع وسياسة عامة أنا أستطيع لعب هذا الدور أفضل منه»، وتابعت: «أنا أملك شروطاً أوفر بكثير من التي يمكلها عز الدين».
هذا وقد سبق وأن ترشحت الخليل أربع مرات للانتخابات النيابية ولم يحالفها الحظ، وأوضحت الخليل تعرضها لضغوطات سياسية وبالقوة المسلحة عندما كانت مرشحة على لائحة رياض الأسعد، مشيرة إلى أنه «حتى الآن لم تتعرض لأي ضغوطات تذكر». لافتة إلى أن «حزب الله أو غيره من القوى السياسية كونهم في السلطة يستغلون هذا الأمر لمحاولة التأثير على الموظفين والعاملين في الدوائر الرسمية كالعاملين في البلديات والمخاتير وأيضا فعاليات لها مصالح معينة».
وحول التجمع الشيعي بما فيه الحزب الشيوعي وعمله على ترشيح شخصية للمقعد نفسه، قالت الخليل إنها «دعتهم للتحالف والتوحد عبر تبني ترشحها إلا أنه يبدو أن لديهم هوى آخر أو ربما يعتبرون شعاراتها السياسية تختلف عن شعاراتهم».
وقد أكدت الخليل أن «على حزب الله تصحيح علاقته بالبيئة الحاضنة والمجتمع الجنوبي من خلال ترك الخيار للبيئة الحاضنة بترشيح اسم يمثلها بدلا من حصر الخيارات بالمحازبين لأنه بذلك يخسر طاقات فكرية ضخمة ممكن أن تبلي بلاء حسنا في الدولة وهذا الأمر ينطبق على كافة الأحزاب والقوى السياسية».
لكن هل تغيرت الظروف عن الاستحقاق النيابي 2018، وهل ارتفعت حظوظ المعارضة الشيعية لتحقيق فوز أو أقلّه تسجيل نسبة تصويت يبنى عليها؟ وهل تعلمت المعارضة من تجربتها الماضية أهمية توحيد صفوفها بوجه حزب الله عبر التوافق على مرشح واحد؟
رأى الشيخ عباس الجوهري أن ترشيح المعارضة اسماً بوجه حزب الله لن يساهم سوى بتكليف الدولة وخدمة الحزب نظرا لعدم اختيار الفريق الآخر شخصية معارضة قادرة على المنافسة وتفرض معركة انتخابية، مشيرا إلى أن «المشكلة هي في المعارضة الشيعية وليست بملء الفراغ لدى الحزب، فالمعارضة لم تنظم صفوفها وكانت الأنانيات القاتلة متحكمة بالنخب والشخصيات التي تعمل على الصعيد الانتخابي وهو ما فجر الوضع في الانتخابات النيابية الأخيرة إذ لم يستطيعوا التوافق فيما بينهم فكيف الحال في هذه الانتخابات الفرعية»، لافتا إلى أن «معظم المعارضين الشيعة لا يمتلكون رؤية تغلب المصلحة العامة لأنهم يحاولون استرجاع مواقع لهم ولآبائهم ضاعت منهم، علما بأنه من المفترض أن يصب اهتمام المعارضة بقضية إدارة الشأن الشيعي الخاطئة والتي تدار بها اليوم من قبل حزب الله وهذا الأمر مفقود اليوم».
كما شدّد الجوهري على أنه «بعد الهزائم التي منينا فيها بإدارتنا الخاطئة وليس بسبب عوامل أخرى، فثمة أغلبية صامتة في الساحة الشيعية لا تجد جهة تثق فيها وتعبر من خلالها عن موقفها»، مؤكدا على أنه «لا وجود لمعركة انتخابية لعدم وجود مرشحين معارضين لديهم نص سياسي من جهة ومن جهة أخرى لعدم وجود دعم كاف لهؤلاء لذلك فإن المعارضة الشيعية هي رأي معارض لديه حجة ومنطق ولكن ليس له أعوان لأن الرأي الآخر محاط بقدرة ودعم كبيرين لذلك لا توازن بين الجهتين».


اشترك في النقاش