واشنطن والجيش اللبناني... حكايا السياسة تحت جنح الأمن

جوزف عون مرشح قوي على مقعد رئاسة الجمهورية في المرحلة المقبلة
* نصف إنفاق الحكومة اللبنانية على الرواتب للقطاع العام تذهب إلى الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى
* مؤشر السلام العالمي الصادر عن مركز بحوث الاقتصاد والسلام يصنف لبنان في المرتبة 147 من أصل 163، ما يشير إلى مستوى قدرات القوى الأمنية اللبنانية
* رغم معرفة واشنطن بمعادلات حكم الطوائف في لبنان، حافظت الولايات المتحدة على دعم متقطع للجيش، بحسب تقدم وتراجع مواسم سلطة النظام السوري في لبنان
* النظرية الأميركية في دعم الجيش اللبناني والحفاظ على نفوذه السياسي تعود إلى عام 1983، حين دخلت قوات المارينز إلى لبنان لمساندة سلطة رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل

لندن: انتهت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري إلى الولايات المتحدة الأميركية إلى لا شيء تقريباً، لا تقارب في وجهات النظر، ولا قدرة له على التأثير في القرار الأميركي القاضي بمحاصرة «حزب الله» ماليا، ولا في إقناع الولايات المتحدة بتجنيب بلده الصغير عقوبات تطال المصارف والتعاملات التجارية وشخصيات سياسية ومالية، عداك عن محاولته اليائسة للحصول على مساعدة في إطلاق برامج مؤتمر سيدر وصرف أمواله الموعودة لحكومة لبنان المنكوبة اقتصادياً وإنمائياً وسياسياً.
ربما النجاح الوحيد للزيارة هو تحديدا ما لم يكن يرغب سعد الحريري في حصوله، ومن خلف الحريري جبران باسيل، وزير الخارجية وصهر رئيس الجمهورية والحاكم الأقوى في لبنان بعد أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله. هذا النجاح يتلخص بتجديد دعم الولايات المتحدة للجيش اللبناني، وبالتالي إعطاء فرصة لقائده جوزف عون ليكون مرشحاً منافساً على مقعد رئاسة الجمهورية في المرحلة المقبلة.
 
مساعدات للأمن
يوم 16 أغسطس (آب) نشرت السفارة الأميركية في بيروت بيانا تحدثت فيه عن عملية تسليم الجيش اللبناني مساعدات عسكرية مكونة من عربات همفي مدرعة (معاد تأهيلها) وذخائر وأجهزة اتصال وبعض قطع غيار بقيمة 58 مليون دولار أميركي، مؤكدة أن هذه المساعدات التي بلغت قيمتها منذ عام 2003 نحو 3.2 مليار دولار، تؤكد التزام الولايات المتحدة بأمن لبنان.
إلا أن الأمن حكاية أخرى في لبنان، وله مستويات مختلفة، وصدور بيان السفارة الأميركية بينما رئيس الحكومة لا يزال في جولته الأميركية يحمل معنى آخر.
النتائج غير الإيجابية للزيارة تصدرت صفحات المواقع اللبنانية، وحده سعد الحريري أصر على أن الزيارة إيجابية، وأكد على دعم واشنطن للبنان سياسياً واقتصادياً، إلا أن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو أبدى اهتماماً كبيراً بموضوعي ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل بما يحدد مربعات الغاز والنفط البحرية التابعة لكل دولة، والأمن.
الأمن هنا هو موقع الجيش اللبناني في التركيبة السياسية اللبنانية، بما يسمح بطرح قائد الجيش الحالي جوزف عون منافسا لمرشح غير مرغوب غربيا هو جبران باسيل، وبما يضع الجيش اللبناني في موقع موازن سياسيا وليس عسكريا لثقل «حزب الله»، الأمن هنا مدفوع الثمن من الحكومة اللبنانية أولا ومن الولايات المتحدة تالياً ومن عدة أطراف غربية وعربية.
تصرف الحكومة اللبنانية ما يصل إلى 15 في المائة من موازنتها السنوية (البالغة 17 مليار دولار) على الجيش اللبناني، تشكل خدمة الدين العام (150 في المائة من الناتج المحلي) نحو 35 في المائة من الإنفاق الحكومي، بينما تحتل الرواتب للقطاع العام مرتبة مماثلة في الموازنة العامة لعام 2019.
هذه الأرقام تشير إلى أن نصف إنفاق الحكومة اللبنانية على الرواتب للقطاع العام تذهب إلى الجيش اللبناني والقوى الأمنية الأخرى، التي بحال أضفتها إلى بعضها تستهلك 17 في المائة (أكثر من 2.55 مليار دولار أميركي) من الموازنة العامة، وبما أن الجيش اللبناني لا يحصل على حصة مالية تذكر في الموازنة للتسلح والنفقات الجارية والإنشاءات، فإن الرواتب تكاد تستهلك مجمل موازنته.
يتبخر العجب إذا ما علمنا أن رواتب الجيش اللبناني من ضباط ورتباء هي الأعلى في الموازنة العامة، وأن هؤلاء يستفيدون من تدابير أقرت في زمن الحرب ولم ترفع في زمن السلم، وأن تعداد الجيش اللبناني يتجاوز 65 ألفا من المتطوعين والضباط والجنود، ويضاف إليهم القوى الأمنية الأخرى من قوى أمن وأمن عام وأمن الدولة بعطاءات ورواتب مشابهة، تجعل الدخول إلى المدرسة الحربية يتطلب وساطة سياسية من زعماء الطوائف، حيث يحصل كل زعيم طائفي على حصة نسبية من المتطوعين في القوى الأمنية سواء كان من الرتب الدنيا أو من تلامذة الضباط.
بينما يتفوق الجيش اللبناني في حصته من موازنة حكومته على الجيش الأميركي الذي لا يحصل إلا على 9 في المائة من موازنة حكومته، لا يملك الأول أسلحة نوعية تذكر، فما عدا آليات النقل والأسلحة الخفيفة والمدفعية وناقلات الجند وبعض الطائرات المسيرة، من الصعب الاعتداد بالتسليح الذي يملكه هذا الجيش، وبعض الأسلحة الأميركية التي قدمت للجيش تحولت إلى عبء على مستوى الذخائر والصيانة، إضافة إلى أن جزءا منها غير صالح للاستخدام كالمدفعية ذاتية الحركة التي قدمتها الحكومة الأميركية في عام 2015، حيث تبين أن جزءا منها غير صالح للاستخدام، وعانى المختصون من تأمين الذخائر التي وفرت الولايات المتحدة كمية محدودة منها وتركت المدفعية صامتة تقريبا في معركة الجيش ضد قوات تنظيم داعش عام 2017.


 
السياسة أولا
يمكن المحاججة بأن لبنان يقع على خط العواصف الإقليمية، فبينما تحده إسرائيل من الجنوب، تغرق سوريا في موجة عنف غير مسبوقة، ولا يتمكن الجيش اللبناني من مواجهة كل الأزمات الناتجة عن الموقع الجغرافي في هذه اللحظة السياسية، إلا أن لبنان لطالما كان في عين العواصف الإقليمية منذ استقلاله في عام 1943، وجيشه لم يسجل كبير نجاح إلا في الانحياز إلى الطرف الأقوى في السلطة المحلية، وأن النفقات التي تصرف على جنود وضباط القوى المسلحة لم تحسم موقف الجيش والتزامه بالقوانين، حيث يمكن ذكر تجربتين مر بهما الجيش من بين عشرات الاختبارات التي مر بها، الأولى عام 2005 بعيد اغتيال رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، إذ سمح الجيش بقيادة ميشال سليمان آنذاك للمتظاهرين بالتجمهر يوم 14 مارس (آذار) خلافا للقرار الحكومي، والثانية في عام 2008، حيث تحول الجيش بقيادة سليمان نفسه، إلى مجرد شاهد على أحداث يوم الثامن من مايو (أيار)، التي سيطر فيها «حزب الله» على العاصمة وبعض مناطق الجبل وفرض موقفه السياسي على الحكومة اللبنانية.
قائد الجيش ميشال سليمان، الذي ترك طرفي النزاع الأهلي يتصرفون، وكل مرة بتسامح يطال الطرف الأقوى، أصبح تالياً رئيساً للجمهورية، بعد قائد جيش آخر يدعى إميل لحود، كان سبق أن عينه الرئيس السوري السابق حافظ الأسد رئيساً للجمهورية في زمن التوافق السوري الأميركي حول لبنان.
أما من ناحية الأمن، فإن مؤشر السلام العالمي الصادر عن مركز بحوث الاقتصاد والسلام يصنف لبنان في المرتبة 147 من أصل 163، ما يشير إلى مستوى قدرات القوى الأمنية التي تحظى بدعم الولايات المتحدة وتتمتع بدعم مالي عربي وخاصة من دول الخليج وتنهك موازنة الحكومة اللبنانية في أن معاً.
النظرية الأميركية في دعم الجيش اللبناني والحفاظ على نفوذه السياسي في لبنان تعود إلى عام 1983، حين دخلت قوات المارينز إلى لبنان لمساندة سلطة رئيس الجمهورية آنذاك أمين الجميل، وقبلها كان للولايات المتحدة نفوذها على الجيش اللبناني، وصلاتها الوثيقة بضباط رئيسيين فيه.
لاحقا، وعلى رغم معرفة واشنطن بمعادلات حكم الطوائف في لبنان، حافظت الولايات المتحدة على دعم متقطع للجيش، بحسب تقدم وتراجع مواسم سلطة النظام السوري في لبنان.
وحين تتحدث واشنطن عن دعم الأمن في لبنان لا بد من ذكر أن الحكومة اللبنانية المركزية تعاني الضعف والهشاشة، وأن الجيش اللبناني يمتنع عن مكافحة عصابات المخدرات ما لم يرفع «حزب الله» الغطاء السياسي عن هذه العصابات، وأن الأحداث الأمنية في البلاد لا يتدخل الجيش لفضها حتى لو طلبت الحكومة منه ذلك، إلا بعد الحصول على الغطاء السياسي من الأطراف الطائفية المتسلطة في المناطق.
لا تتوقف الأمور عند هذا الحد، فالجيش والقوى المسلحة وأجهزة الأمن والتجسس اللبنانية لم تنجح في واحدة من مهامها تقريبا، فعلى مستوى مكافحة الإرهاب فشل الجيش اللبناني في حسم معركة «فجر الجرود» (أغسطس 2017) ضد قوات تنظيم داعش في العراق والشام الموجودة على الجرود الشرقية من الأراضي اللبنانية، وانتهت العملية بمفاوضات بين «حزب الله» وقوات داعش أفضت إلى نقل مقاتلي الأخيرة مع عائلاتهم في باصات مكيفة إلى المناطق الشرقية من سوريا حيث كان حينها الثقل العسكري للتنظيم المتشدد.
إلا أن معرفة واشنطن بهذه المعطيات لا تمنعها من تكرار لازمة دعم الجيش في مواجهة الإرهاب ولتعزيز قدرات لبنان الدفاعية ومنع عبور اللاجئين (السوريين تحديدا) نحو الغرب، وإذا ما أراد باحثون إضافة بعض العمق على سياسة واشنطن يعمدون إلى القول بأن الولايات المتحدة الأميركية تحاول جعل كفة العسكرة لصالح الجيش اللبناني بمواجهة «حزب الله»، بما يسمح للحكومة اللبنانية بالاعتراض على احتلال «حزب الله» للقرار السياسي.
إلا أن هذا الكلام يكاد يتحول لأضحوكة في ظل مشاركة «حزب الله» في المجلس النيابي منذ عام 1992، وفي الحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ عام 2005، واختراقه للأجهزة الأمنية وفي مقدمتها الجيش اللبناني واحتلال بعض الخلص له لأعلى المراتب العسكرية، إضافة إلى نمط تسليحه وقدرته على التجييش المذهبي وخبرته القتالية والتعبوية.
يبقى أن واشنطن تلعب في التوازن الداخلي لا أكثر، عبر دعم قائد الجيش، تماما كما جنبت وليد جنبلاط المقتلة السياسية ببيان صادر عن سفارتها في بيروت في بداية شهر أغسطس الحالي.

 


اشترك في النقاش