اللبنانيون سيدفعون ثمن تعامل قياداتهم مع «حزب الله»

* من المستغرب أن لا يكون وزير خارجية لبنان على دراية بمدى تشدد إدارة البيت الأبيض بكل ما له علاقة بـ«حزب الله» وما يدور في فلكه

الباراغواي والأرجنتين يصنفان «حزب الله» منظمة إرهابية، والبرازيل على الطريق. هذا ليس تفصيل، فلطالما تمتع «حزب الله» بحصانة للقيام بأعماله «الإجرامية» التي كانت تدر عليه الأموال في تلك البلاد، حصانة حكومية وحصانة شعبية من خلال وجود رجال أعمال نافذين من أصول لبنانية موالين له. هذا التصنيف لا يضع قيودا على كل حركات الحزب والموالين والممولين له أيضا ويضعهم بدائرة الاشتباه وخطر الاعتقال والتسليم للولايات المتحدة تماما كما حصل مع نادر فرحات الذي تتهمه الولايات المتحدة بتبييض أموال وبيع مخدرات لصالح «حزب الله».
هذا التطور يتبعه تطور آخر لافت في لبنان هذه المرّة. فالعقوبات الأميركية على «حزب الله» بدأت تتوسع لتطال حلفاءه المقربين من أمثال التيار الوطني الحر وآخرين. كل الأخبار الآتية من واشنطن تؤكد مضي إدارة ترامب قدما بمعاقبة كل من يدافع أو يسّهل ويشارك «حزب الله» في تسهيل سيطرة «حزب الله» على القرار اللبناني.
اكتشفت الإدارة الأميركية أن «حزب الله» لا يستطيع أن يحكم لبنان إلا بالشراكة مع بعض المكونات الطائفية الأخرى. طبعا هي وجهة نظر فيها نقاش، لأن أغلب الظن أن التسوية التي أتت بميشال عون رئيسا، هي بمكان ما تسليم المكونات الطائفية في لبنان بسيطرة «حزب الله» على مفاصل القرار اللبناني، ولكن هذا نقاش في مكان آخر.
إذن، اكتشفت إدارة البيت الأبيض أن «حزب الله» استثمر بشكل خاص بالتيار الوطني الحر وباسيل وقدم له كل الدعم الممكن ليتمكن ظاهريا من الطائفة المسيحية ويصبح مرجعيتها الأولى مقابل أن يكون داعما للحزب بكل ما يقوم به بالكامل. فمثلا خطف الجنود الإسرائيليين وتحمل التداعيات الكارثية لهذا العمل على كل الصعد لم يلقَ إلا كل الدعم من قبل التيار الوطني الحر الذي حوّل دمار لبنان من البنى التحتية إلى الاقتصاد انتصارا. كذلك أمعن التيار الوطني الحر نزولا عند رغبة «حزب الله» بمهاجمة تيار المستقبل وتسفيه كل ما ينادي به من محكمة دولية، إلى نزع سلاح «المقاومة»، من أجل إظهاره على أنه ومطالبه فاقدان لأي إجماع وطني وشرعية «ميثاقية»، وهو ذهب إلى حد تأييد 7 أيار العمل الميليشياوي الذي قام به «حزب الله» من أجل تعديل الدستور بالممارسة وفرض الثلث المعطل داخل الحكومة هرطقة دستورية هي الأخرى، وهو - أي التيار الوطني الحر - دعم تدخل الحزب في القتال في سوريا على أساس أنه محارب للإرهاب، وهو ذهب إلى حد الدفاع عن أعماله بالمحافل الدولية مغضبا إشقاءه العرب غير آبه بتداعيات هذه المواقف على اقتصاد لبنان الذي لطالما اعتمد على الإخوة الخليجيين عموما والسعوديين خصوصا.
الإدارة الأميركية وتجاه هذه الحال ستعلن عن لائحة أسماء جديدة تابعة للتيار الوطني الحر وضعتها على لائحة العقوبات، ويمكن أن يكون من بينها جبران باسيل وزير الخارجية الذي يسعى جاهدا لخلافة عمّه في قصر بعبدا.
لا يمكن اليوم لباسيل أن يتفاجأ إذا ما ورد اسمه أو أسماء رجال أعمال أو قياديين مقربين منه على لائحة العقوبات وهو أمر بات شبه مؤكد، فالأميركيون يعرفون مدى متانة علاقته بالحزب، ولديهم شكوك في تعامله معهم إبان حرب يوليو (تموز) 2006 في إعادة إعمار الضاحية الجنوبية التي دمرها الإسرائيليون وهم على علم بمواقفه المعلنة والمؤيدة للحزب.
من المستغرب أن لا يكون وزير خارجية لبنان على دراية بمدى تشدد إدارة البيت الأبيض بكل ما له علاقة بـ«حزب الله» وما يدور في فلكه وهو كثير الترحال، يجول العالم تارة مرافقا عمّه وأخرى وحيدا ليقابل وزراء ورؤساء دول. ألم يتردد على مسامعه من أحد المسؤولين الغربيين أن مواقفه وتلك التي يطلقها هو وعمّه دعما للحزب سيكون لها عواقب وخيمة وهي لن تمر مرور الكرام لدى الإدارة الأميركية؟ هل كان يظن أن هناك مظلة يمكن أن تحميه مثلا؟ أو هو بات مقتنعا بالفعل بأن لبنان يستطيع تحدي الولايات المتحدة الأميركية كما يردد أركان «حزب الله» على مسامعنا في كل مناسبة؟ أو أن هدف الرئاسة أسمى من أي شيء آخر حتى لو عني أن يكون باسيل ومن معه خاضعين ومقيدين بإيران بالمطلق؟
المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، فلبنان بلد حجم اقتصاده صغير جدا، وهو يخضع لتأثيرات خارجية ولا يمتلك مناعة تمكنه من مواجهة وضع اقتصادي صعب. فلبنان مثلا يتوجس من تصنيف المؤسسات المالية العالمية له، لأنه في حال جاء سلبيًا، فهذا يعني ارتفاع معدلات الفوائد، وانخفاض أسعار سندات «اليوروبوند» في الأسواق العالمية وتراجع التدفقات المالية إلى لبنان، وزيادة العجز في ميزان المدفوعات. إلى هذه الدرجة اقتصاد لبنان هشّ، يتكل بشكل أساسي في هذه المرحلة على مليارات مؤتمر سيدر الـ11 من أجل أن لا يغرق بالكامل.
ثم يأتي من يحدثك عن الانتصارات وتغيير وجه المنطقة وانكسار الأميركيين بفضل «المقاومين».
الخوف كل الخوف أن تكتشف غدا أو بعده إدارة ترامب أن اللبنانيين يستطيعون التأقلم مع أوضاع غريبة ولو على حساب سيادتهم وحريتهم واستقلالهم، شعارات لطالما رددوها من دون أن يسعوا جديا إلى تحقيقها أو حتى النضال من أجلها.
الخوف كل الخوف أن يدفع كل اللبنانيون ثمن تعامل قياداتهم مع «حزب الله»...