«فورايا» حارسة بجاية الجزائرية… بين الأسطورة والحقيقة


* قمة «فورايا» الجبلية هي المعلم الأبرز، وقبلة السياح من خارج وداخل الجزائر، وعلى مدار التاريخ دار سجال كبير حول حقيقة «يمّا فورايا» أي «الأم فورايا»أو «حارسة بجاية» كما يسميها البعض

* في عام 2004 صنفت منظمة اليونيسكو فورايا كمحمية طبيعية عالمية، وهي تضم خمسة أماكن سياحية منها حصن يما فورايا ورأس القردة ورأس كربون، وكلها قمم جبلية، ومقبض زيغواط
* تشتهر فورايا والمناطق القريبة منها بوجود قرد «المكاك البربري» أو الماغو، الذي يُعَد أشهر أنواع القردة وأكثرها في الجزائر، وهو من نوع القردة التي بلا ذيل
 

الجزائر: تقول إحدى الأساطير الشعبية بمحافظة بجاية الجزائرية، أنه قديمًا كانت ثَمَة فتاة جميلة وطاهرة تقيم بإحدى قرى هذه المدينة الساحلية، قرر والدها تزويجها من رجل لا تعرفه ولا تحبه، فقررت الهروب نحو قمة الجبل الذي يحرس المدينة من علٍ، فمكثت هناك متضرعة خالقها بأن يحميها من هذا الزواج وشرّه، فظلّت هناك تحتمي وتتضرع لخالقها إلى أن وافتها المنية، فصار الجبل وقمته يحملان اسمها، وبات مكان تضرعها مكانا تشدٌ إليه الرحال من كل حدبٍ وصوب منذ خمسة قرون طمعًا في استجابة الله للدعاء مثلما فعلت الفتاة الطاهرة الجميلة «فورايا».

على شاطئ البحر الأبيض المتوسط تطل مدينة بجاية المدينة التاريخية العريقة التي أسسها الناصر بن علناس بن حماد بن زيري، أحد ملوك بني حماد بالجزائر، في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، لذا تسمى أيضًا الناصرية نسبة إليه، عرفت المدينة أيضًا باسم صالداي وبوجي، وهي التي بنى فيها الناصر قصر اللؤلؤة أعجب قصور الدنيا آنذاك ونقل إليها الناس، وامتاز عهده فيها بالأمن والاستقرار.

تنقل المراجع التاريخية أن «بجاية» تمتعت في ظل الحماديين بسمعة وشهرة واسعة، استمدتها من معاهدها الثقافية المتعددة، وتجارتها الرائجة على الشاطئ الأفريقي، واستقبالها الفارين من محاكم التفتيش بالأندلس، كما اشتهرت بعد ذلك بقوتها البحرية التي دافعت بها عن شواطئ المغرب العربي كله، فساهمت من ثم في الحفاظ على الحضارية والهوية الإسلامية للمنطقة.

وكان لعهود الازدهار الثقافي والانتعاش الفكري الذي شهدته بجايةلقرون كثيرة أثر بالغ في أن تصبح قبلة العلماء وطالبي المعرفة، فخرَجت العلماء، وأنجبت المفكرين والمبدعين رجالاً ونساء، ولم تفقد تلك الشهرة وذلك الدور إلا حين امتدت إليها أيدي المستعمرين فخربتها، ودمرت ماضيها الزاهر.

وتعتبر بجاية من أهم المناطق السياحية في الجزائر نظرا للأماكن الخلابة المتوفرة فيها كرأس كربون، قمة القرود، وقصبة مدينة بجاية، وجزيرة جربة ببوليماط في الساحل الغربي.

ورغم ثراء المدينة بمعالمها التاريخية، إلا أن قمة «فورايا» الجبلية تبقى المعلم الأبرز، وقبلة للسياح من خارج وداخل الجزائر، وعلى مدار التاريخ دار سجال كبير حول حقيقة «يمّا فورايا» أي «الأم فورايا»أو «حارسة بجاية» كما يسميها البعض، لكن الجميع متفق على أن داخل أطلال القلعة الموجودة في أعلى الجبل يوجد مرقد ولية صالحة متصوفة عاشت من قرون خلت.

الزائر لمدينة بجاية التي تبعد260 كلم شمال شرقي العاصمة، ومن بعيد، يتراءى له الجبل الذي يعلو المدينة على ارتفاع672  مترا عن سطح البحر، وهو على شكل امرأة نائمة، وداخل ضريح هذه المرأة تُقاد الشموع، وتقام مختلف الطقوس في ساحة القلعة المتهالكة التي تؤوي الضريح.

تقول إحدى الروايات التاريخية إن اسم «فورايا» يعود إلى سنة 429م عندما غزا الوندال مدينة صلداي (الاسم القديم لبجاية)، ويعني اسم فورايا باللغة الوندالية الجبل الصغير.

لكن هذا الاسم سرعان ما اختفى مع موجة الفتوحات الإسلامية للمغرب الأوسط، وبات الجبل المذكور معروفا بكنية أمسيون وهو ما أورده الشريف الإدريسي في كتابه «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» الصادر أثناء القرن السادس الهجري، حيث ذكر الإدريسي أن «مدينة بجاية تطل على البحر لكنها على حرف حجر ولها من الشمال جبل يسمى أمسيون».

ويبرز الكاتب العيد معوش نقلا عن أخبار بجاية، أنّ اسم فورايا ظهر مجددا عندما احتل الإسبان مدينة بجاية سنة 1510 م، واقتحم مصارعو الثيران المدينة الباسلة متحججين بكونهم أحفاد الوندال، قبل أن يحررها الأتراك لاحقا، في وقت ينفي دارسون أن يكون هناك ثمّة مقام لفتاة اسمها فورايا وهو ما استشفوه من مصنّف نزهة الأنظار في فضل التاريخ والأخبار للحسين ابن محمد الورتيلاني، حيث لم يذكر اسم فورايا مطلقا في رحلته إلى بجاية.

ورغم الذي تقدّم، إلا أنّ المخيال العام لأصلاء بجاية والسكان المحليين يراود مقام يمّا فورايا ويجزم بكون المسألة تتعلق بامرأة صالحة عاشت منذ قرون خلت، وينوّه هؤلاء إلى أنّ كل من يعانق مقامها سيستفيد من بركات الولية وينجو من العين الحسود وتنفتح أمامه أبواب الخير الوفير، وهي ارتسامات يراها كثيرون خرافات.

وتتردّد في بجاية مقوله على ألسنة سكانها، مفادها أن «لبجاية99  وليّا آخرهم امرأة»، ويقول آخرون إن فورايا امرأة إسبانية جاءت مع الاستعمار الإسباني، ومع مرور الوقت أسلمت وتحوّلت إلى مدافعة عن المدينة ضد الغزو الإسباني نفسه، ولذلك سميت «حارسة المدينة».

وإلى جانب الروايات السابقة، يتم تناقل روايات أخرى بأن فورايا هي فتاة جميلة طاهرة أراد والدها تزويجها من رجل لا تحبه ولا تعرفه فقررت الاحتماء بالجبل والتضرع إلى الله لتخليصها من هذا الرجل فظلت هناك إلى أن توفاها الله، في حين تقول رواية أخرى إنها فتاة فائقة الجمال، أحبت رجلا يسمى تيشي فرفض أهلها تزويجها منه، فانزوت إلى الجبل واعتكفت هناك طيلة حياتها، إلى أن رحلت عن الحياة.

ورغم أن الروايات السابقة تلقى رواجًا واسعًا، إلا أنها لا تستند إلى معطيات وحقائق تاريخية ثابتة، وتبقى قصة يمّا فورايا المرأة المحاربة ضد الإسبان الأقرب إلى الحقيقة، فهذه المرأة لم تكن عاشقة ولا ولية بل مقاومة للغزو الإسباني لبجاية، قاومت إلى جانب الأخوين العثمانيين خير الدين وبربروس سنة 1516م، حينما استنجدت بهما بجاية وجيجل (شرق)ضد الغزو الإسباني. وقد أكدت نتائج بحث هندسي تاريخي أجراه المهندس الجزائري مالك آيت حمودة، أن قصة يمّا فورايا حقيقية وليست نسجا من خيال، وقد أدلى آيت حمودة بتصريحات صحافية حول هذه القضية، وأكّد المهندس الجزائري المنحدر من منطقة القبائل، بأن يمّا فورايا كانت ثائرة ضد الإسبان، مثلما كانت لالة فاطمة نسومر ثائرة ضد الفرنسيين.

في العام 2004 صنفت منظمة اليونيسكو فورايا كمحمية طبيعية عالمية، وهي تضم خمسة أماكن سياحية منها حصن يما فورايا ورأس القردة ورأس كربون وكلها قمم جبلية ومقبض زيغواط.

«المجلة» قامت بجولة نحو قمة الجبل، والوصول إلى القمة لم يكن سهلاً، بل يتطلب جهدا بدنيا قويا يمكّنك من المشي في مسلك ملتوٍ نحو القمة، لكنك وأنت تتسلق الجبل عبر مسلكه المكسو بالحجارة والإسمنت يحدث وأن تصادف عجائز طاعنات في السّن وكلهن قوة وتحدً من أجل بلوغ القمة، والوقوف على أعتاب القلعة والضريح الذي ترقد في جنباته الشابة الصالحة، فيزيدك ذلك حماسًا وقوة في أن تمضي للأمام دون تردد.

العمرية صاحبة العقد الخامس من العمر، وجدناها في باحة القلعة تأخذ نفسًا عميقًا، وتسترجع ما ضاع منها من جهد عبر الدرب الوعر للجبل، قالت لـ«المجلة» إنها «قدمت من محافظة تيزي وزو من أجل التبرك بمقام الولية الصالحة»، وغير بعيدً عنها التقينا بعبد القادر الخمسيني الذي قدم من منطقة تسمى «بوزغان» قال لـ«المجلة» إنه جد سعيد بتواجده في هذا المكان الذي وصفه بالمبارك، وعبّر عن «سعادته بتهافت الناس على هذا المقام لاستحضار ذكرى هذه المرأة الصالحة»، والتي قال- خلافا للرواية السابقة- أنها تنحدر من قريته ببوزغان، لذلك حرص على زيارتها عدة مرات وسيبقى كذلك إلى أن يتوفاه الله.

قبل الوصول إلى قمة الجبل، يقف الزائر على عدة أنشطة تقام هنا وهناك تعبر عن التراث الزاخر للمنطقة، على غرار بيع الألبسة التقليدية، وبعض المنحوتات التي ترمز للمدينة، وعند بداية المسلك الجبلي، وفي ساحة واسعة شيدت لركن السيارات، وتحت ظلال الأشجار الوارفة، يتناهى إلى سمع الزائر أصوات نسوة ورجال يتغنون ويمدحون المرأة الصالحة، أشهرهم المدّاح فريد الذي يتلاعب بين يديه بآلة موسيقية إيقاعية محلية يطلق عليها اسم «البندير» وهي عبارة عن دائرة خشبية مكسوة بجلد الماعز القاسي، وتستعمل بشكل خاص في الغناء والمديح الصوفي، قطرها نحو 40 سم، وعلى حاشيتها ثقب يولج فيه الناقر إبهام يده اليسرى، ويعمد الناقر عليه في العادة إلى تعريض جلد البندير للحرارة قبل استخدامه.

فريد كشف لـ«المجلة» أنه «تعلم هذه المهن مذ كان عمره 15 عامًا والآن عمره خمسون عامًا»، وعلى مدار الخمسة والأربعين عامًا الماضية يؤكد فريد أنه «لم يتخلف يومًا عن المديح بمآثر الولية الصالحة، ويدعو للحاضرين وللزوار بأن تستجاب كل أمنياتهم ودعواتهم»، ويحيط بفريد عشرات النسوة بين من يشاركنه النقر على البنادير أو الغناء بأغانٍ شعبية متوارثة جيلا عن جيل.

نوايا زوار المنطقة التي تتزين بمناظر طبيعية ساحرة تتباين بين من قصدها للسياحة والاستمتاع بمناظرها الجميلة الآسرة، ومن قصدها طلبا لقضاء حاجة، فالشّابات يقصدن يمّا فورايا بحثا عن فارس الأحلام، والمرضى يقصدونه طلبًا للعلاج متكئين في ذلك على حكايا شعبية متوارثة، حيث تقول أمثولة ذائعة الصيت هناك أنّ الداي حسين آخر حكام الجزائر إبان عهد الدولة العثمانية، كانت له صبية مصابة بطفح جلدي أعجز الأطباء، فذهب بها بعد مشورة عارفين إلى منطقة قريبة، وهناك شُفيت ابنته من دائها واستعادت نضارتها، فما كان من النسوة منذ ذاك الزمان سوى الذهاب بقوة إلى ذاك النبع، بعضهن يبحثن عن شفاء من مرض ما، وأخريات ينشدن التخلص من عقمهنّ، وفريق ثالث غالبا يأتي لتحقيق هدف الظفر بشريك حياة طال انتظاره!

تشتهر فورايا والمناطق القريبة منها بوجود قرد «المكاك البربري» أو الماغو، الذي يُعَد أشهر أنواع القردة وأكثرها في الجزائر، وهو من نوع القردة التي بلا ذيل، وتُعَد من أفضل الأنواع المعروفة لقرد العالم القديم. ومن خلال تسميته «المكاك البربري»، يتضح أن هذه التسمية مستمدة من سكان منطقة المغرب العربي التي يقطنها الأمازيغ أو كما يطلق عليهم أيضا «البربر»، ويطلق عليه سكان بجاية وتيزي وزو في الجزائر «زعضوض» باللهجة الأمازيغية القبائلية.، وإضافة إلى تميزه عن بقية القردة بعدم وجود الذيل وصغر حجم الإناث مقارنة بالذكور، فإن لونه بُني مائل للاصفرار، وجانبه الأسفل إلى اللون الرمادي الفاتح، أما لون وجهه فوردي غامق.

ولحمايته، اتخذت السلطات الجزائرية عدة إجراءات بسبب تعرضه لخطر الانقراض؛ حيث تم وضع إشارات في أماكن وجوده بكثرة، تجنبا لإعطائه أطعمة قد تؤدي إلى وفاته، إضافة إلى منع امتلاكه لغرض التربية.


اشترك في النقاش