رغبتان لا تلتقيان!

* على إسرائيل التراجع، أو على إيران استمرار تلقيها الضربات، الواحدة تلو الأخرى، من دون ردّة فعل، لأن الرغبتين: الإسرائيلية، والإيرانية، لا تلتقيان إلا بحرب ومواجهة مفتوحة... وطبعاً، وكما دائماً، لبنان سيدفع ثمن صراعات الآخرين على ساحاته

مع تسلم الرئيس دونالد ترامب مقاليد الحكم في الولايات المتحدة الأميركية تحررت إسرائيل من القيود التي كان فرضها عليها الرئيس السابق أوباما فيما يخص صراعها ومواجهتها مع إيران وذلك لتمرير الاتفاق النووي الذي عمل جاهدا من أجل توقيعه.
اليوم إسرائيل تضرب مواقع للحرس الثوري الإيراني وميليشياته في العراق بغطاء أميركي. وهي أيضا عاودت مهاجمة لبنان في محاولة إعادة صياغة قواعد الاشتباك مع «حزب الله» والذي عمل الفريقان بوحيه قرابة العقد من الزمن محيّدين الساحة اللبنانية ومعتمدين الساحة السورية ساحة مواجهة بديلة.
أما في دمشق فقد استهدف الجيش إسرائيلي قبل هجوم «الضاحية» بيومين خلية لـ«حزب الله» والحرس الثوري الإيراني قتل بموجبه عنصران للحزب وعنصر للحرس الثوري الإيراني قال: إنهما كانا بصدد تحضير هجوم بطائرات مسيّرة على إحدى مدن إسرائيل.
أمام هذا الواقع أصبح نصر الله في وضع لا يحسد عليه. فهو يريد تفادي مواجهة مفتوحة مع إسرائيل ولكنه بالمقابل لا يمكن له ولفريقه أن يقبل تغيير قواعد الاشتباك مع إسرائيل بهذه السهولة ومن دون مقاومتها.
لكن لنعد قليلا إلى الوراء. إسرائيل تتهم إيران و«حزب الله» بإنشاء معامل للصواريخ الدقيقة في لبنان. رئيس الوزراء الإسرائيلي يحدد في مؤتمر صحافي أماكن هذه المعامل ومنها الضاحية الجنوبية، ملعب الراية تحديدا. يقوم وزير خارجية لبنان بعرض سخيف رداً على مؤتمر نتنياهو الصحافي ويتجول مع بعض السفراء في نقاط حددها نتنياهو في مؤتمره الصحافي لينفي عن «حزب الله» تلك الاتهامات. هذا كان في الماضي القريب. كان واضحا أن إسرائيل تهيئ الرأي العام العالمي لعمل ما ستقوم به في المستقبل.
وفي هذا السياق، نشرت صحيفة إسرائيلية قبل أسبوع أسماء وصور الأشخاص الذين تتهمهم إسرائيل بالوقوف وراء هذا المشروع وهم ثلاثة إيرانيين ولبناني.
أغلب الظن أن «حزب الله» وتبعا لقواعد الاشتباك التي قامت على تحييد الساحة اللبنانية من الصراعات المسلحة والتي اعتمدها الفريقان بعد حرب تموز 2006، ظن أنه بإمكانه استعمال تلك الساحة إما من خلال تهريب السلاح المتطور لداخل الأراضي اللبنانية وتخزينه وإما من خلال إنشاء مصانع للصواريخ الدقيقة، وذلك كله من دون عواقب. يعتقد «حزب الله» امتلاكه قوة صاروخية هائلة هي ضمانة كافية لردع إسرائيل من القيام بأي مغامرة تستهدف أي مواقع أو أهداف له في لبنان حتى لو كانت تلك المواقع مصانع للصواريخ الدقيقة أو مخازن لها.
حتى جات حادثة الضاحية.
سارع أركان الحزب بالتأكيد أن استهداف موقع له في الشام وهجوم الضاحية لن يمرّا من دون ردّ، مع التأكيد أنه لا يسعى لحرب مفتوحة مع إسرائيل. جاء الرد من قبل «حزب الله» باستهدافه عربة عسكرية في ثكنة «أفيفيم» بالقرب من الحدود اللبنانية من دون أن يوقع إصابات في صفوف الجنود الإسرائيليين. انتهت المواجهة ولكن ظل السؤال الأساسي: ماذا بعد؟
رئيس وزراء إسرائيل أكد: «سنواصل القيام بكل ما يلزم من أجل الحفاظ على أمن إسرائيل - بحرا وبرا وجوا، وسنواصل أيضا العمل ضد التهديد الذي تشكله الصواريخ الدقيقة».
أما «حزب الله» فيعلن بلسان أمينه العام أنه لا خطوط حمراء بعد اليوم في المواجهة مع إسرائيل.
ما زال الطرفان يراهنان على عدم رغبة أي منهما في الدخول إلى مواجهة مفتوحة.
ولكن هل تبقى إيران مكتوفة الأيدي أمام استهداف إسرائيل لقواعدها ومخازن أسلحتها وعناصرها؟
طبعا أمر توسع عمليات الاستهداف الإسرائيلية والتي شملت بالإضافة إلى سوريا، العراق ولبنان وتأكيد نتنياهو على استمرارها لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار احتمال مواجهة مفتوحة مع «حزب الله» وإيران. فهل هذا يعني أن صواريخ «حزب الله» الموجهة صوب إسرائيل، لم تعد رادعة بالنسبة لحكومة نتنياهو؟ بمعنى آخر هل بدأت إسرائيل ترى أن مشاريع إيران العسكرية في لبنان أو سوريا أو العراق هي بمثابة تهديد لأمنها القومي ولا يمكن أن تستمر حتى لو تطلب الأمر حربا مفتوحة؟ وهل تستعد إسرائيل لدفع ثمن الحرب مع إيران و«حزب الله» من أجل حماية أمنها القومي؟
ثم ماذا عن إيران؟ إن دخول «حزب الله» اليوم في حرب مع إسرائيل المدعومة أميركيا بالكامل أمر صعب، إذ إن تداعياته ستكون كبيرة على جميع المستويات. أولا على المستوى اللبناني الذي ستتركه والبنى التحتية، في أي حرب، مدمراً بالكامل، وسيرى البلد المدمر نفسه وحيدا عاجزا عن إعادة إعمار ما دمرته إسرائيل محاصرا بالعين الأميركية على أي دولار يدخل بنوكه.
أما على مستوى «حزب الله» فهو المنتشر في أكثر من منطقة في سوريا عليه أن يلم شمل المقاتلين ويستنزفهم لمواجهة إسرائيل، ما يمكن أن يضعف الجبهة السورية التي ضحى بالكثير من أجل أن يبقى نظام الأسد قائما في سوريا وبالتالي يبقى طريق طهران بيروت مفتوحا، ناهيك عن استهلاك ترسانة الصواريخ التي لن يكون بالسهل إعادة بنائها إلى المستوى الذي هو عليه اليوم في ظل الحروب القائمة في المنطقة.
أما على المستوى الإيراني فسيخسر أهم ورقة يملكها في مفاوضته الغرب؛ إذ إن «حزب الله» من دون سلاح وعتاد لا يفيد قاسم سليماني ولا استراتيجية إيران التوسعية.
هذا لا يعني أن هذه الحرب ستكون مجرد نزهة لإسرائيل، فهي الأخرى ستدفع ثمنا - بالطبع لا يقارن مع الثمن الذي سيدفعه لبنان - لا مفر منه في هذه المواجهة على مستوى الضحايا ودمار البنى التحتية والأضرار الاقتصادية الباهظة.
من الواضح أن الطرفين لا يريدان حربا أو مواجهة كبرى. ولكن إسرائيل تريد أن تتابع استهداف الحرس الثوري الإيراني من دون عواقب، أما إيران و«حزب الله» فيسعيان إلى إيقاف التمادي الإسرائيلي الخطير الذي تعدى سوريا ليشمل العراق ويعود إلى لبنان بعد غياب طويل. 
على إسرائيل التراجع أو على إيران استمرار تلقيها الضربات الواحدة تلو الأخرى من دون ردّة فعل، لأن الرغبتين - الإسرائيلية في الاستمرار باستهداف البرنامج العسكري الإيراني، والإيرانية بردع إسرائيل من استهداف حرسها الثوري ونشاطاته، لا تلتقيان إلا بحرب ومواجهة مفتوحة.
وطبعاً، وكما دائماً، لبنان سيدفع ثمن صراعات الآخرين على ساحاته...