هل ستختار إيران المواجهة أم التفاوض؟

* أبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني اهتمامًا بلقاء ترامب عدة مرات، إلا أن المرشد الأعلى للنظام الإيراني يرفض حتى اليوم حصول مثل هذه المحادثات
* تعمل الولايات المتحدة على زيادة العقوبات ضد النظام الإيراني ومسؤولي فيلق القدس، فيما تضغط إيران على المجتمع الدولي بطريقتها الخاصة، عن طريق الضغط على الأوروبيين لمساعدتها في تجاوز العقوبات المفروضة

واشنطن: تعرضت إيران خلال الأسابيع القليلة الماضية لمجموعة من الضربات على عدة أصعدة. فتلقت ضربات عسكرية من إسرائيل التي استهدفت بعض مواقعها ووكلائها في المنطقة وضربات مالية بسبب العقوبات الأميركية المتزايدة. في حين لا يزال الرئيس الأميركي دونالد ترامب يحاول الجلوس مع إيران حول طاولة المفاوضات قبل موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020.
وبعثت إيران رسائل مختلفة ومتناقضة بهذا الخصوص وأبدى الرئيس الإيراني حسن روحاني اهتمامًا بلقاء ترامب عدة مرات، إلا أن المرشد الأعلى للنظام الإيراني يرفض حتى اليوم حصول مثل هذه المحادثات.
وقد تكون إيران تنتظر نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة لمعرفة ما إذا كان بإمكانها التعامل مع رئيس ديمقراطي ربما يكون أقل تطلبًا من الرئيس الحالي. وإذا تمكنت من الصمود خلال أزمتها المالية الراهنة إلى أن يتم انتخاب رئيسٍ جديد فقد لا ترغب في الاستسلام للشروط الأميركية والتفاوض على اتفاق من شأنه أن يعزز من مكانة ترامب قبل الانتخابات. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، هل ستتمكن إيران من الصمود أمام الضغط المالي الأميركي حتى ذلك الحين؟
وبينما يحاول النظام الإيراني إيجاد طريقة للتغلب على الأزمة المالية، تنشغل إسرائيل بمهاجمة الوجود الإيراني في المنطقة، وخاصة المنشآت التي تستخدمها إيران ووكلاؤها لتطوير الصواريخ الدقيقة. وتقصف إسرائيل هذه المنشآت في سوريا منذ فترة، لكن وبما أن «حزب الله» نقل بعضها إلى لبنان والعراق، فقد قررت إسرائيل توسيع استراتيجيتها في سوريا لاستهداف هذه المنشآت أيضًا.

توسيع الاستراتيجية الإقليمية
في وقتٍ سابقٍ من هذا الأسبوع، استهدفت طائرات حربية مجهولة مستودع أسلحة ومواقع لميليشيات تدعمها إيران شرقي سوريا، بالقرب من الحدود العراقية، مما أسفر عن مقتل 18مقاتلاً على الأقل. وبحسب بيان عسكري إسرائيلي، فقد تم إطلاق صواريخ من سوريا- وبالتحديد بالقرب من دمشق- في أعقاب هذا الهجوم، ولكنها فشلت جميعها في ضرب الأراضي الإسرائيلية.
وتبادلت أيضا إسرائيل و«حزب الله» إطلاق النار للمرة الأولى منذ حرب يوليو (تموز) 2006. فبعد أن ضربت إسرائيل مقر لـ«حزب الله» في الضاحية الجنوبية لبيروت، مستهدفة ما يبدو أنه خلاط صناعي يساعد في تطوير صواريخ دقيقة، أطلق الحزب صواريخ مضادة للدبابات على مركبة مدرعة إسرائيلية بالقرب من الحدود، دون وقوع إصابات. وردت إسرائيل بنيران المدفعية على أراضٍ في جنوب لبنان.
قال «حزب الله» إن الهجوم الصاروخي كان انتقامًا من غارة جوية شنتها إسرائيل في نهاية شهر أغسطس (آب) بالقرب من دمشق وأدت إلى مقتل اثنين من أعضائه.
وبعد يومٍ واحد فقط، ذكرت وسائل الإعلام العراقية أن مركبة جوية من دون طيار قصفت مستودع أسلحة تابعا للميليشيات الشيعية الموالية لإيران. ويقع المستودع المستهدف بالقرب من مدينة هيت العراقية، في محافظة الأنبار الغربية على الحدود مع سوريا، وليس بعيدًا عن المواقع التي استهدفت دير الزور، شرق سوريا.
ويبدو أن كل هذه الهجمات استهدفت الكثير من المنشآت الصاروخية الدقيقة الإيرانية، والتي حذرت إسرائيل منها مرارًا وتكرارًا المجتمع الدولي طوال فترة الأشهر الماضية. واتهمت إسرائيل «حزب الله» بالسعي إلى تحويل 130ألف صاروخ إلى صواريخ دقيقة باستخدام تقنية التوجيه الدقيق الإيرانية. وأعلن جيش الدفاع الإسرائيلي مؤخرًا عن معلومات حول مثل هذه المنشأة التابعة لـ«حزب الله» والواقعة في سهل البقاع في لبنان.
ولم تتعرض هذه المنشأة- وغيرها من المنشآت في لبنان- للقصف من قبل إسرائيل. ولكن الكشف عن الموقع كان بمثابة رسالة أو تحذير لـ«حزب الله» والحكومة اللبنانية بأنه إذا لم يتوقف الحزب عن العمل على مشروع تصنيع الصواريخ الدقيقة فستمضي إسرائيل وتقصفها. ويتوقع الكثيرون أن تكون إسرائيل مستعدة لذلك بعد انتخاباتها المقررة في 17سبتمبر (أيلول) 2019وتشكيل حكومتها.


 
الاتفاق النووي
في حين تعمل الولايات المتحدة على زيادة العقوبات ضد النظام الإيراني ومسؤولي فيلق القدس، تضغط إيران على المجتمع الدولي بطريقتها الخاصة، وذلك عن طريق الضغط على الأوروبيين لمساعدتها في موضوع العقوبات المفروضة.
وبدأت إيران- ولو تدريجيًا- تخفيض التزامها بخطة العمل الشاملة المشتركة وقررت في 8مايو (أيار) تخفيض هذا الالتزام بناء على المادتين 26و36وحددت موعدًا نهائيًا للأوروبيين لمعالجة الانتهاكات.
وفي8سبتمبر، أبلغت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأنها ستعيد تركيب الأنابيب في خطي أبحاث وتطوير لاستيعاب سلسلة من 164جهاز طرد مركزي من نوع «آي آر 2م» وسلسلة من 164جهاز طرد مركزي من نوع «آي آر - 2م»..
وبينما لا يزال الأوروبيون- وخاصة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون- يحاولون تنظيم قمة تجمع بين ترامب وروحاني، كشفت إسرائيل- بحسب قولها- عن موقع سري تستخدمه إيران لتطوير أسلحتها النووية.
وعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في وقت سابق من هذا الأسبوع بعض صور الأقمار الصناعية وإحداثيات خريطة المنشأة النووية في منطقة آباده، وسط إيران. وقال نتنياهو إن المعلومات مأخوذة من أرشيفات نووية سرقها عملاء إسرائيليون من العاصمة الإيرانية طهران في أوائل عام 2018.
وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن مفتشيها أكدوا أن إيران تستعد لاستخدام أجهزة طرد مركزي أكثر تقدمًا وقادرة على تخصيب اليورانيوم، وهو عنصر رئيسي في تصنيع الأسلحة النووية. وذكرت الوكالة أن المعدات التي «حضرتها إيران للاختبار» تشمل عدة أنواع من أجهزة الطرد المركزي المحظورة بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.

خيارات إيران
 
أولاً، يمكن لإيران أن تقرر عدم القيام بأي خطوة في الوقت الحاضر وانتظار الانتخابات الأميركية، ومن ثم تحدد مع من تتفاوض وعلى أي شروط.
ثانيًا، يمكن لإيران قبول عرض ترامب للتفاوض قبل الانتخابات، ولكن هذا يعني أنها لم تعد قادرة على تحمل الصعوبات المالية.
ثالثًا، تستطيع إيران التصعيد أكثر في اتجاهين.
أولاً، يمكنها تخفيض التزاماتها وإعادة تشغيل مفاعل آراك النووي لإنتاج المياه الثقيلة التي تستخدم في المفاعلات لإنتاج البلوتونيوم، وهو وقود يستخدم في الرؤوس النووية. ولهذا القرار تداعيان: لن يكون الأوروبيون قادرين على حماية الاتفاق النووي وسيتعين عليهم الانسحاب كذلك. وقد تلجأ الولايات المتحدة- وإسرائيل- إلى اتخاذ إجراءات عسكرية ضد إيران، وخاصة ضد هذه المنشآت، لمنع إيران من تطوير سلاح نووي.
ثانيًا، تستطيع إيران أن تبدأ حربًا ضد إسرائيل- والولايات المتحدة- في المنطقة عن طريق وكلائها مثل قوات الحشد الشعبي في العراق ضد القواعد والمصالح الأميركة، و«حزب الله» في لبنان وسوريا ضد إسرائيل. إلا أن هذا الخيار يحمل في طياته الكثير من المخاطر بالنسبة لإيران لأن الحرب تعني أنها ووكلاءها سيخسرون أكثر بكثير مما قد خسروه بالفعل حتى اليوم وستدفعهم أزمتهم المالية إلى إعادة النظر في الدخول في حرب مكلفة أيضًا.
* حنين غدار زميلة زائرة في زمالة فريدمان الافتتاحية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى