عز الدين ميهوبي: الجيش الجزائري محترفٌ ولا تُغويه السّلطة

الأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي قال في حوار لـ«المجلة»: الأخبار المتداولة بشأن اختياري كمرشح السلطة هي «تخاريف صيف وحديث أرصفة»

* ستركز جهودنا في حزب التجمع الوطني على إرساء ثقافة الالتزام ونكران الذّات ومحاربة الانتهازيّة والسلوك الطفيلي
* حزبنا ملكٌ لمناضليه، هم الذين يقررون مصيره، وهم الذين يتخذون بشأنه الموقف المسؤول، بناء على سؤال ما إذا كان الحزب ما يزال فاعلاً، وقائمًا في المشهد السياسي أم لا؟
* شبكات التواصل الاجتماعي تضخّ يوميا سيلاً من الأخبار المبتدعة، وشخصياً لا أهتمّ كثيراً لما أسمعه، فهو لا يعدو أن يكون مجرّد تخاريف صيف وحديث أرصفة
* في أي بلد حينما يحدث اختلال سياسي كبير أو أزمة سياسية عميقة، فإنّ الشّعب يلجأ إلى المؤسسة التي تضمن له الأمن والاستقرار
* المراحل الانتقالية، حتى وإن مثّلت حالات استثنائية، تبقى إجراءً غير ديمقرطي
* على السياسيين اليوم أن يتعالوا عن الخلافات، وأن يعملوا على بناء جسور الثقة فيما بينهم لتحقيق مطالب الجزائريين في جزائر أكثر تماسكًا، يكون فيها المعيار هو الكفاءة لا المكافأة
* لا أحد يعلو فوق العدالة، ولا أحد يتجاوز أحكام القضاء، القضاء سيّد وهو حرُ في تناول كل الملفات، وكل القضايا

الجزائر: في حديث لـ«المجلة»، تجاهل وزير الثقافة الجزائري الأسبق والأمين العام لحزب التجمع الوطني الديمقراطي حاليا عز الدين ميهوبي الأنباء المتداولة بشأن اختياره كمرشح السلطة في الرئاسيات المرتقبة واعتبر ذلك «تخاريف صيف وحديث أرصفة»، في وقت أعلنت فيه وزارة الدفاع الجزائريّة عبر لسان حالها (مجلة الجيش)، أن «عهد صناعة الرؤساء قد ولّى». 
وفي ظل الجدل الواسع الذي أثاره اقتراح قائد أركان الجيشالجزائري الفريق أحمد قايد صالح باستدعاء الهيئة الناخبة منتصفالشهر الجاري اعتبر ميهوبي أن الذهاب سريعًا إلى انتخاباترئاسية هو الأولوية القصوى التي يركز عليها الحزب، استجابة لمطلب أغلبية الشعب، وحذر من مطالب بعض الشخصياتوالأحزاب السياسية بالذهاب إلى مرحلة انتقالية، معتبرا أن المرحلةالانتقالية إجراء غير ديمقراطي.
وعن نتائج هيئة الحوار والوساطة ومقاطعة بعض الفاعلين في الحَرَاكوالأحزاب لأشغالها، اعتبر ميهوبي أن مهمة لجنة الحوار هي تعبيدالطريق نحو انتخابات رئاسية، مؤكداً أنّ الملفات والأسئلة الكبرى التي اقترحتها مختلف الأحزاب والمنظمات ليست من مهمة هذه اللجنة، بل ستكون على طاولة الرئيس القادم الذي سينتخب بكل شفافية ونزاهة بعد تشكيل الهيئة المستقلة للانتخابات.
ميهوبي تحدث أيضا عن النقاش الدائر بخصوص دور الجيش في المشهد السياسي الجزائري، ورد على المطالب الداعية لاستلهام الدرس السوداني، بقوله إنّ الأمر مختلف تماما- يقول ميهوبي- كونُ الإخوة في السودان وجدوا توليفة مناسبة لهم من خلال تقاسم الجيش للسلطة مع المدنيين... بينما الجيش الجزائري لا يريد السلطة لا نصفها ولا كلّها، ووصف مرافقة الجيش للحراك بالموقف التاريخي.
وفيما يلي نص الحوار:
 
* بداية جدد قائد الأركان الفريق أحمد قايد صالح، يوم الأربعاء، مقترحه بضرورة استدعاء الهيئة الناخبة منتصف الشهر الجاري وهو الموقف الذي أثار جدلاً واسعًا بين رافض ومرحب، كيف ترون هذا المقترح؟
 - أعتقد أننا قبل أن نتحدث عن موقفنا من الإعلان الأخير المتمثل في اقتراح استدعاء الهيئة الناخبة قبل منتصف الشهر الجاري، وما تلاه من تأكيد على أنّها ستجري في وقتها المحدّد بعد استيفاء شروط مراجعة نصّي قانون الانتخابات وإنشاء السلطة المستقلة للانتخابات، يجب أن نعود قليلاً إلى الوراء، وتحديدا إلى مسار ستة أشهر من التجاذبات السياسية التي ميزت الساحة السياسية في الجزائر، فأول ما تجدر الإشارة إليه هو سلميّة الحراك الشعبي التي أثارت دهشة العالم، إذْ أمّنت لها القيادات العسكرية والأمنية من خلال المرافقة الميدانية في كل المواقع كل شروط السير الآمن والتعبير الحرّ، ولا يختلف اثنان في أن قيادة الجيش قرأت بصورة سريعة الأحداث والمطالب التي صدرت عن الشارع، هذه القراءة الواعية لمختلف الرسائل، وللأسئلة التي طُرحت، بدأت تجد أجوبة لها منذ الأسبوع الثالث أو الرابع عندما اقترح الفريق أحمد قايد صالح من مدينة جانت تطبيق المادة 102 من الدستور التي أفضت إلى استقالة الرئيس بوتفليقة، ثم الانتقال سريعًا إلى المادتين السابعة والثامنة، واللتين تنصان على أن السيادة والشرعية للشعب، وأنّ ممارسة ذلك تتمّ من خلال الاقتراع، ثم الشروع في تغيير رؤساء ومديري المؤسسات التي اعتمد عليها النظام السابق في سياسته، وكذا توفير المناخ المساعد للعدالة حتّى تفتح الملفات الكبرى للفساد.
هذا المسار التدريجي يراعي المطالب الشعبيّة ومدى تطابق ذلك مع الدستور وقوانين الجمهورية، وهو ما دعت إليه قيادة الجيش من خلال التزامها الثابت بالدستور كإطار لحل المشكلة وتجاوز تبعاتها التي نجمت عن استقالة الرئيس وعدوله عن الترشح لعهدة خامسة، وهي المطالب التي رفعها الشعب الجزائري، غير أن أطرافاً سياسية معروفة ترتكز على موروث تاريخي قديم استغلت الظرف لترفع سقف المطالب إلى مرحلة انتقالية خارج إطار الدستور، وهو ما قد يشكل خطرا حقيقيا على كل الأصعدة.
هذا الأمر أدركته المؤسسة العسكرية وقرأت جيدا المتغيرات التي عرفتها البلاد ةألزمت نفسها بأن تكون مرافقة لهذه التحولات ضمن المسالك التي حدّدها الدستور، وأن لا يتم الخروج عنه بأي حال، لأن أي خروج عنه قد ينجم عنه انفلات في البنية السياسية للبلد.
الأمر الآخر، هو أن الالتزام الكبير للمؤسسة العسكرية بالسعي لحلول عملية دستورية، على اعتبار أنها هي التي تحملت أعباء هذه المرحلة كاملة، تعزّزت بدعوة نائب وزير الدفاع الوطني رئيس أركان الجيش الوطني إلى ضرورة انتهاج الحوار بين مختلف الشركاء والفرقاء والفاعلين في الحياة السياسية والاجتماعية، إذ لا يختلف اثنان في أنّ الفريق أحمد قايد صالح، الذي ينتمي لجيل الثورة من المجاهدين، عبّر بصورة واضحة وصريحة أن الشعب والجيش مصيرهما واحد، وأنه يقف بمسؤولية كبيرة إلى جانب المطالب الشعبيّة الواقعيّة، غير التعجيزيّة التي رفعتها بعض الأطراف، وبالتالي يأتي مقترحه المتعلق بالحوار الذي يفتحُ الطريق نحو إجراء انتخابات رئاسية تكريسًا للإرادة الشعبية.
لو نقرأ الأحداث لوجدنا أن العنوان الكبير الذي يتم فيه كل هذا المسار هو تكريس الإرادة السيّدة للشعب، التزامًا بما جاء في الدستور في مادتيه السابعة والثامنة واللتين تنصان كما قلت سابقا على أن السيادة والشرعيّة هي للشعب، وهذه السيادة لا يمكن أن تمارس بالتعيين الفوقي ولكن بانتخابات تفضي إلى انتخاب رئيس جديد بمطلق الحرية والشفافية والديمقراطية، وبالتالي فإنّ الالتزام بالدستور يقي الدّولة من انهيارات غير محسوبة، ويمنع حدوث أي انفلات في الحياة السياسية ببلادنا رغم أن هناك أصواتًا تدعو إلى المرور عبر مرحلة انتقالية بمسوّغات غير مقنعة في أغلب الأحيان، كما أنّ الدعوة للقطيعة لا تعني إلغاء مؤسسات وُجدت لأن تكون من الشعب وفي خدمة الشعب وتتطوّر بصورة اضطراديه، إنّما القطيعة تكون مع الممارسات السلبيّة والمرفوضة قانونيا وأخلاقيا، ثمّ إنّ الجزائر تعرف جيدا المراحل الانتقالية وقد عاشتها في مسارها السياسي منذ الاستقلال، فمرحلة بومدين استمرت 10 سنوات، ومرحلة ما بعد استقالة الشاذلي دامت نحو ست سنوات، إذن ما الداعي لمرحلة انتقالية بمضامين غامضة، قد تجرُّ البلد إلى مخاطر، في حين هناك دستور يؤمّن المسار السليم لهذه الشرعية الشعبية، لذلك نحن نرى أنّ تأكيد رئيس الأركان على الذهاب في أسرع وقت للانتخابات الرئاسية سيضع في نظرنا حدًّا لوضع استمر نحو نصف عام، وفي حال استمراره سيكون الرابح فيه خاسرا، فكل الأسئلة أصبحت واضحة، وكل الأفكار طُرحت، وأهمها هيئة الحوار والوساطة التي تم تشكيلها، وتفاعلت مع الكثير من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات السياسية، وحينما نتحسس نبض الشارع والمواطن العادي نجد أنه يؤمن بوجوب الذهاب سريعا إلى الانتخابات اتقاءً لتبعات الفراغ، فهي امتحانٌ حقيقي لإرادته، ثم إنّه لا يختلف اثنان في أنّ بلدًا من دون رئيس شرعي ومنتخب هو أمرٌ شاذ وغير منطقي.
 
* لكنّ هناك من يرى أن مقترح قائد الأركان جاء متسرعًا، والدليل برأيهم أنه استبق نتائج هيئة الحوار والوساطة، ومقترح الفريق اعتبره أيضا البعض تحجيمًا للحوار، وتدخلاً في عمل الهيئة؟
 - ليس صحيحًا. قلت لك إنه بعد ستة أشهر لا أعتقد أن اللجنة في حد ذاتها ستبتكر أسئلة جديدة أو مطالب إضافية، فالحوار هو وسيلة للوصول إلى غاية وليس غاية في حدّ ذاته، إذن ما هو الهدف؟ الهدف ليس مناقشة كل القضايا التي يرفعها الحراك الشعبي أو تطرح على مستوى الأحزاب أو التنظيمات أو هيئات معينة، ولكن هدف هذه الهيئة كان فتح الطريق نحو الانتخابات، أمّا الأسئلة الكبرى والقضايا التي تطرحها الأحزاب والتنظيمات والجمعيات ومختلف المبادرات السياسية ستوضع على طاولة الرئيس المنتخب شعبيًا، وله أن يفتح الورشات، أو يقوم بإصلاحات أو يجري انتخابات، أو يدعو لمراجعة الدستور، وغير ذلك مما هو مطروح، إذن دور هذه اللجنة محدد، وكان يمكن أن لا يتجاوز عملها أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، وأعتقد أن هذا الوقت كافٍ لوضع أرضية عملية، لأن دور الهيئة كما قلت ليس ابتكار أسئلة جديدة أو ابتداع حلول خارج الدستور، دورها أن تستمع لآراء مختلف مكونات المجتمع في كيفية الوصول إلى الانتخابات، والتي تتم عبر تشكيل آلية وطنية مستقلة لتحضير وتنظيم ومراقبة الانتخابات. فإذا كان الحوار حتميّا فالانتخابات مصيريّة.
إذن الأمر المعقود بهذه الهيئة هو ترجمة الآراء إلى تصوّر للآلية، أمّا بقية الأفكار فيمكن أن تُنقل في شكل توصيات للسلطة القائمة على شؤون الدولة، وأذهب أبعد من ذلك، فلو نظرنا إلى مطالب الأحزاب سابقا، ونحن منها، نرى أنها كانت تشكو دائمًا من الإدارة المتواطئة وغير المنصفة، والتي لا تضمن لها حقوقها السياسية، ونحن في التجمع الوطني الديمقراطي تحدثنا في اجتماعات هياكلنا عن هذا الموضوع كثيرًا عند تقويم الاستحقاقات الانتخابية الماضية، إذن الهدف الأساس هو تحرير الانتخابات من مظلة الإدارة إلى مظلة هيئة مستقلة يكون أعضاؤها مستقلين وغير متحزبين. هذه الهيئة في تقديري هي الضامن لحقوق الناخبين والمترشحين والأحزاب السياسية والنهج الديمقراطي والتعددية على حدّ سواء.
 
* قبل الحديث عن لجنة مستقلة للانتخابات، أنت قلت إن الدعوة للانتخابات الرئاسية هي استجابة لمطالب شعبية، لكن هناك مطالب شعبية ترفض الذهاب للانتخابات قبل الاستجابة لمطلب أساسي للحَرَاك وهو رحيل الحكومة؟
- لو نقيم مقارنة بين وجود الحكومة الحالية وإنشاء هيئة مستقلة للانتخابات أيهما يلبي حاجة الشعب ويحرر العمل السياسي ويكون الضامن لانتخابات نزيهة ومنصفة؟ في تقديري ويشاطرني في هذا كثيرون أنّ المطلب الأساسي للطبقة السياسية بمختلف توجهاتها معارضة أو موالاة ينصبُّ على تشكيل الهيئة أو السلطة المستقلة للانتخابات، ومعروف أيضا أن دور الحكومة ينتهي مباشرة بعد انتخاب رئيس جديد للبلاد، إذن الأهم هو وضع آلية وطنية قوية مستقلة ذات مصداقية منصفة هذا هو الأساس.
 
* من الملاحظات البارزة بشأن مشروع القانون الخاص بتأسيس اللجنة المستقلة للانتخابات الذي اقترحته لجنة الحوار اعتمادها على مبدأ التعيين، ولرئيس الدولة الحق في تعيين 15 عضوا من أصل عشرين، ما يعني برأي البعض استبدال إدارة بأخرى أي وزارة الداخلية بلجنة تعين من طرف الرئيس؟
 - نحن أيضا كحزب تلقينا هذه المسودة التي توضح آلية إنشاء السلطة المستقلة للانتخابات، والتعديلات المقترحة أيضا في قانون الانتخابات، وقدمنا ملاحظاتنا، فإذا كان النص الأصلي يعتمد منهج انتخاب بعض أعضاء الهيئة، فإن الظرف والمستجدات الاستعجالية هي التي أدت إلى تكييف هذا البند بصورة انتقالية ومؤقتة وقد تم إسنادها لرئيس الدولة، وبلا شك فإنّ تعميق الإصلاحات بعد انتخاب رئيس للجمهورية، سيمس كل هذه المسائل الجوهرية وتفاصيلها.
موقفنا نحن هو أن نحافظ على المسار وعلى المسعى في إطار هذا الدستور، ويبقى أن لكل حزب وجهة نظر، ونحن لا نرى أنّ في هذا التعديل الاستعجالي ما يعيق العملية الانتخابية.
 
* لكن التخوف القائم أن اللجنة بالشكل المقترح لا توفر ضمانات لإجراء انتخابات نزيهة وشفافة؟
 - لقد عرض وزير العدل بلقاسم زغماتي أمام البرلمان النصّين، وشرح بمنطق عقلاني المبررات التي أدّت إلى إجراء هذه التعديلات الهامة ومعالجة الاختلالات السابقة مزيلاً كلّ المخاوف، وأوّلها إبعاد الإدارة بكلّ مكوناتها عن العملية الانتخابية حيث تضطلع بها السلطة المستقلة للانتخابات المكوّنة من قضاة وأساتذة جامعيين وكفاءات وخبرات مشهود لها غير متحزبة، وهو مطلبٌ أزلي للطبقة السياسية، فإذا كان هناك تشكيك في القضاة فهذا يعني أنْ لا ثقة في العدالة، إذا كنا لا نثق في الجميع، فلا يمكننا أن نستورد أشخاصا من خارج البلاد أو من كوكب آخر لوضعهم في هذه اللجنة، ونطلب منهم الإشراف عليها، نحن لا نشعر بوجود أي خلل في هذا الأمر، رغم أن لنا تصورا كاملا لهذه الهيئة مستقبلا، كنّا عبّرنا عنه منذ أيّام.
* هناك أحزاب وفاعلون في الحَرَاك قاطعوا هيئة الوساطة والحوار، ألا يؤثر ذلك على مصداقية مخرجات هذه الهيئة، وعلى شرعية الانتخابات في حال تنظميها في ديسمبر (كانون الأول) القادم، بل هناك من يتوقع بسبب ما سبق عزوفا شعبيا كبيرا خلال هذا الاستحقاق؟
 - علينا أن لا نستبق الأمور... وهذه قراءات وتخمينات تختلف من طرف إلى آخر، رغم وجود أحزاب لا تملك تمثيلا نيابيا ولا حتّى في المجالس المحليّة المنتخبة، إنْ لم أقل لم تمتحن وزنها مع الشعب، وحضورها بارزٌ في شبكات التواصل الاجتماعي أكثر منه في الواقع، هذه الأحزاب التقت هيئة الحوار وقدّمت وجهة نظرها، واعتبرنا هذا جزءا من النسيج الديمقراطي والتعدّدي، بينما نحن حزب مكرّس ومنتشر في مختلف الهيئات المنتخبة، لم ننزعج من عدم دعوتنا أو لقائنا، لأنّ مصير حزبنا لا يتوقّف على جلسة مع هيئة مؤقّتة، وقلنا لا حرج في ذلك طالما أنّ الحوار يهدف في النهاية إلى تعزيز مؤسسات الدولة واستقرارها مستقبلا، وترسيخ الإرادة الشعبية أيضا.
نحن في الحزب نحترم كل الآراء والخيارات، ونحترم كل التوجهات والتيارات، لكن نحن أيضا لدينا رؤيتنا وتوجهنا، ونمتلك أيضا هياكلنا وقواعدنا التي نستشيرها قبل اتخاذ أي قرار مفصلي، وبالتالي الذي يستبق الأمور بطرح أحكاما جاهزة، بقوله إنّ الشعب لن ينتخب، هذه مجرّد حسابات مرتبطة بأمزجة وقناعات آيديولوجية، أي ما دمتُ رافضا لهذه الانتخابات فإنّ الشعب لن ينتخب، من يملك الوصاية على الشعب فيصدر أحكاما قطعية؟ الشّعبُ سيّد أمره ولم تعد تنطلي عليه دغدغات العواطف. أما نحن كحزب مقتنع بمسار الانتخابات فدورنا هو أن نذهب إلى الميدان، وسنعمل على توعية المواطنين بأهمية هذا الموعد الحاسم، وأن لا يبقى المواطن أسيرًا لمخاوف تسوّقها بعض الأطراف، لنذهب إلى عمق الجزائر وهناك سنجد آراء وتصورات أخرى مختلفة تمامًا، أقول هذا دون الانتقاص من أي وجهة نظر صادرة عن تيارات أو مجموعات استقطاب، ثمّ من المستفيد من عزوف النّاس عن الانتخابات؟ الجواب واضح، المستفيد هو الذي يلتفّ على الإرادة الشعبيّة، والذي يعمل على أن تعمّر الأزمة طويلا..
الآن وقد تمّ الفصل، رهاننا هو الذهاب إلى الميدان لتحسيس الجزائريين بأهمية هذا الاستحقاق المصيري، وإقناعهم بضرورة النظر إلى المستقبل، لأن الذي يعني الجزائريين هو أن تكون هناك مؤسسات منتخبة تحظى بالمصداقية والثقة لإدارة شؤون البلد.
* وما موقفكم من الأصوات التي طالبت ليس فقط بعدم مشاركة أحزاب الموالاة من الحوار، بل حلّها ومنعها من النشاط؟
 - هذا الكلام منتهي الصلاحية، نابع من نزعة شعبوية ومزايدات سياسوية، فالأحزاب المعتمدة نشأت وفقًا لقوانين الجمهورية ولم تطلع من فراغ، وأسهمت بصورة أو بأخرى في دعم مؤسسات الدولة ومجالسها، وبالنسبة لحزبنا فهو مكرّسٌ منذ أكثر من عشرين عامًا، يساهم في الحياة السياسية وفي بناء مسار الديمقراطية والتعددية، إذا ما حدثت بعض الاختلالات في الممارسات السياسية فهي لا تخص حزبنا لوحده، ولا تخص أحزاب الموالاة دون غيرها، جميع الأحزاب تتحمل جزءا من المسؤولية، فكلٌ له نصيبه مما جرى خلال المرحلة السابقة، ومحاولة التنصل من المسؤولية والاختباء وراء الحراك الشعبي السّلمي، لن يعفيها من المسؤولية، لأن الأمر لا يتعلق بمحاكمة سياسية في الربع ساعة الأخير من عمر النظام، ولكن بعقدين كاملين من وجوده..
 
* لكن الأمر مرتبط بكون غالبية الأسماء المرتبطة بقضايا الفساد منتمية لأحزاب الموالاة؟
 - تقصد الفساد المرتبط بالتسيير في هيئات حكوميّة ومؤسسات الدّولة... إننا يوميا نتابع جهود العدالة في معالجة هذه الملفات..
 
* في رأيك ألا يتحمل الحزب مسؤولية أفعال منتسبيه في مناصب مسؤوليتهم؟
لا يمكن لأي حزب سياسي أن يقبل بوجود ممارسات سلبية تؤثر على صورته وسمعته وتفقده احترام الشعب والمجتمع، وسترتكز جهودنا على إرساء ثقافة الالتزام ونكران الذّات ومحاربة الانتهازيّة والسلوك الطفيلي.
 
* وماذا عن المطالبة بحلّ أحزاب الموالاة؟
 - أتساءل هل الذي ينزل في الشارع ويحمل لافتة يدعو من خلالها لحل حزب سياسي ما، يمكن الاعتداد برأيه، أحترم هذا الموقف عندما يصدر عن مواطن؟ لكن أن يصدر عن ساسة وأحزاب نُعدُّ هذا سلوكًا شعبويا، غير مقبول... ومع هذا نحن لا ننزعج من هذه الأشياء، فحزبنا هو ملكٌ لمناضليه، هم الذين يقررون مصيره، هم الذين يتخذون بشأنه الموقف المسؤول بناء على سؤال ما إذا كان الحزب ما يزال فاعلاً، وقائمًا في المشهد السياسي أم لا؟ ثم إن هذا الحزب أنشئ بموجب قوانين الجمهورية، وإذا ارتكب أخطاء قانونية أو سياسية تستدعي اتخاذ قرار بشأنه فإن هذه المسألة ليست مبتدعة، ولا مبتكرة في الحياة السياسية، إذن فهذا الحزب يعمل في إطار واضح وشفاف، وله مناضلون يتجاوز عددهم النصف مليون مناضل ومتعاطف ينشطون في كل المواقع، وببساطة يأتي طرف سياسي يستغل الظرف ويحاول إزاحتك من مكانك ويحل محلك هذا غير منطقي، الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تؤثّر على موقعك ديمقرطيًا هو الصندوق من خلال الاحتكام لقرار الشعب، لنذهب جميعا إلى صناديق الاقتراع، ولنكف عن الاتهامات والمزايدات لأنها لن تضيف شيئا للعمل السياسي، وهي مجرد ألاعيب مكشوفة نحن لا نتعاطاها، نحن حزب يحترم الجميع، لم نسئ لأي حزب كان ولم نكن سببا في أي فشل سياسي أو انتخابي لأي حزب، وأمامنا محطات مفصلية ستكشف وزن كل حزب، أما أن نستمر في التدثر ببرنوس الحَرَاك الشعبي، وأن نكون صوتًا خفيا داخل صوت الشعب فذلك غير مستساغ، ومن غير المقبول أن يطالب حزب سياسي بحلّ حزب سياسي آخر، وأضيف أنّنا نتلقّى يوميا اتصالات في مكاتبنا الولائية من مواطنين ومناضلين في أحزاب يريدون الالتحاق بحزبنا..
 
* بالعودة إلى موضوع انتخابات الرئاسة، تناقل نشطاء عبر شبكات التواصل معلومات تقول إن عز الدين ميهوبي سيكون مرشح السلطة للرئاسيات القادمة، ما صحة هذه المعلومات؟
 - شبكات التواصل الاجتماعي تضخّ يوميا سيلاً من الأخبار المبتدعة، وشخصيا لا أهتمّ كثيرا لما أسمعه، فهو لا يعدو أن يكون مجرّد تخاريف صيف وحديث أرصفة ومقاهٍ، وفي كل الأحوال فإنّ الرئيس المقبل سينتخبه الشعب.
 
* الحديث عن علاقة الجيش بالسياسة حديث متجدد، هناك من يتحدث عن الجيش الآن بوصفه الآمر الناهي في المشهد السياسي؟
 - يجب أن نأخذ المسألة من زاوية أخرى، وهي أنه في أي بلد حينما يحدث اختلال سياسي كبير أو أزمة سياسية عميقة، ويكون هناك عجز في مؤسسات البلد في التصدي لهذه الأزمة، وإيجاد حلول لها، فإنّ الشّعب يلجأ إلى المؤسسة التي تضمن له الأمن والاستقرار والمرافقة الإيجابية لتجاوز هذا الوضع المعقّد، وهو ما قامت به المؤسسة العسكرية منذ البداية، حيث أعطت التطمينات الكافية لكل الفاعلين في الحياة السياسية في أنها لا ترغب في السلطة، وأنها تلتزم التزامًا كاملاً بالإطار الدستوري لحل الأزمة، هذا الموقف في تقديرنا موقف تاريخي، لماذا؟ لأنه جرت العادة في البلدان التي تشهد مثل هذه الأزمات في أفريقيا وفي أميركا الجنوبية وفي بعض الدول العربية عندما يمسك الجيش بمقاليد الأمور يعطل العمل بالدستور، ويحلّ المؤسسات القائمة، ويفرض مرحلة انتقالية لثلاث أو أربع سنوات لإعادة ترتيب البيت الداخلي بتنظيم الانتخابات والعودة إلى الشرعية الدستورية، وكان سهلا على الجيش الجزائري أن يقوم بذلك، لكنّه جيش شعبي المنبع، جمهوري العقيدة، لا تغويه السياسة، ظلّ حريصًا على الحوار والحل الدستوري الذي يعيد الكلمة للشعب، غير مؤمن البتّة بالمراحل الانتقاليّة لمعرفته بما تنطوي عليه.
 
* هناك من يطالب باستنساخ التجربة السودانية على المشهد الجزائري؟
 - الردّ أيضًا كان واضحًا وصريحًا في خطاب رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح، حينما قال لماذا لا نأخذ التجربة الجزائرية وهي تجربة عميقة في مثل هذه المسائل ونلجأ إلى تجارب قريبة؟، وأنا قرأتُ منذ أسابيع تصريحا لأحد الأحزاب يدعونا لأن نتعلم ونستلهم من السودان الشقيق، وأنا إذ أُهنّئ إخواننا في هذا البلد باجتيازهم هذا الامتحان بأن أوجدوا توليفة مناسبة لهم من خلال تقاسم السلطة بين المجلس العسكري وقوى التغيير المدنيّة، فإنّ الجيش الجزائري أكد أنه لا يريد السلطة لا نصفها ولا كلها، أكثر من هذا لم يتوقّف عن حثّ الجزائريين على أن يتحاوروا فيما بينهم، وأن يتوجهوا للانتخابات لاختيار رئيس منهم، على أن يلتزم الجيش بممارسة مهامه الدستورية في حماية أمن البلاد وضمان استقرارها، فالجيش الجزائري تواجهه تحديات أمنيّة كبيرة ومعقدة للغاية، ومع هذا يقوم بدوره في حماية البلد من أي مخاطر، دون أن يتوقف عن تعميق احترافيته والرفع من درجة العصرنة والتطور، وهذا الأمر يجب أن ننوّه به ونثمنه عاليا.
فاهتمام الجيش بالشأن الداخلي، والاهتمام بالمسار الشعبي من خلال المرافقة الواعية والذكية للحراك يأتي تجسيدا لشعار المصير المشترك بين الجيش والشعب، وهو أمر يجب أن نشيد به، وبالمقابل هناك بعض الأوساط اعتادت دائما في مثل هذه الأوضاع استخدام مظلة الجيش، فتدعو إلى مراحل انتقالية، لأنها ترى في هذه الأوضاع مصلحة لها، وفرصة لممارسة العمل السياسي لإدارة الدولة أو بعض مؤسساتها بعيدا عن تأشيرة الشعب، في حين أن المراحل الانتقالية، حتى وإن مثّلت حالات استثنائية، تبقى إجراءً غير ديمقرطي، فقبل ثلاثين عامًا تم الزج بالجيش في مستنقع لم يسلم منه، ووجد نفسه طرفا في تلك المرحلة، لذلك كانت رسالة الجيش اليوم واضحة وصريحة لا أحد يعبث بالجيش، ولا يجب أن تتكرر مثل تلك التجارب، والجيش الجزائري الآن محترف، ويعي جيدا حدود مهامه وطبيعتها، وما على السياسيين اليوم إلا أن يتعالوا عن مثل هذه الخلافات، وأن يعملوا على بناء جسور الثقة فيما بينهم لتحقيق مطالب الجزائريين في جزائر أكثر تماسكًا، يكون فيها المعيار هو الكفاءة لا المكافأة في إدارة مؤسسات الدولة، لأن الجزائر تستحق الأفضل، وتتوفر على شروط النهضة السريعة.
 
* بالحديث عن مكافحة الفساد، هناك أصوات تتعالى بين أوساط المثقفين تدعو إلى تسليط الضوء على فترة إشرافكم على وزارة الثقافة، ما موقفكم من هذه الدعوات؟
 - أحيانًا أقرأ مثل هذه الأشياء، وأنا أقول وأؤكد أنه لا أحد يعلو فوق العدالة، لا أحد يتجاوز أحكام القضاء، القضاء سيّد وهو حرُ في تناول كل الملفات، وكل القضايا، ويجب أن نلتزم جميعا بهذا، إن كنّا في موقع سياسي أو موقع اقتصادي أو موقع ثقافي، كل من مارس الإدارة والمسؤولية أو أشرف على تسيير المال العام عليه أن يقبل بهذا المبدأ، ثم إن هناك أجهزة وهيئات مكلفة بالمراقبة والمتابعة، ونحن كسياسيين لا يمكننا أن نعلق على أحكام القضاء التي تصدر وفقا لأحكام قوانين الجمهورية، وتصدر باسم الشعب الجزائري.


اشترك في النقاش