الصحافة الرقمية... النص والتلقي

دراسة تحدد معوقات قيام الصحافة الرقمية بدورها في المجتمع العربي
* تطبيق تشريعات الصحافة المكتوبة أو الورقية على الصحافة الرقمية مما يعني عدم الاستقلالية وعدم التميز
* الصحافة الرقمية هي «صحافة المواطن» تتميز بالتفاعلية والتواصل الفوري بوسائل متنوعة تكسر حواجز الصمت في نقل الحس الشعبي تجاه الأحداث

القاهرة:صدرت مؤخرا دراسة بعنوان «الصحافة الرقمية النص والتلقي» للدكتور أحمد عزيز الباحث في النقد الثقافي والصحافة الأدبية عن مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية. وقد جاء البحث في مقدمة وأربعة فصول وخاتمة من خلال المنهج الوصفي المرتكز على جمع المعلومات والبيانات وتحليلها وتفسيرها لاستخلاص دلالتها.
تناقش الدراسة الصحافة الرقمية بين النص والدلالة والمتلقي الجمهور والأسس وآفاق المستقبل وتأثير نظم الاتصالات والتكنولوجيا وانعكاس هذه الثورة بطبيعة الحال على الصحافة كمفهوم ووظيفة، وما استدعاه كل ذلك من إعادة هيكلة وبناء الأنماط الأساسية للصحافة بدلا من الأنماط المتعارف عليها، فالذكاء الاصطناعي فتح الباب على مصراعيه لنقل المعلومات والبيانات والأخبار والصور نقلا حرًا تجتاز المسافات والأزمنة وأصبح العالم قرية صغيرة.
 
نتيجة للتقدم التكنولوجي المتلاحق
وأكد الباحث في الدراسة على أنه نتيجة للتقدم التكنولوجي المتلاحق، فقد تغير مسار إنتاج المعلومات ومعدل تدفقها، وبالتالي أصبح من الصعب وقف هذا الزخم، وتحقيق ما يشبه ديمقراطية المعلومات، والإقلال من تحكم الدولة في مسارها وتوجيهها... بالإضافة إلى أن التحول من الكلمة المكتوبة أو المطبوعة إلى الصحافة الرقمية قد أصبح ظاهرة أكثر من كونها مجرد تغيير في وسيلة الاتصال، فالصحافة الإلكترونية هي نتاج امتزاج الإعلام بالتقنية الرقمية، ورغم عمرها القصير حققت في نحو عقد من الزمان ما حققته الصحافة المطبوعة في عشرات السنين، وتمكنت من تقديم مكاسب كثيرة إلى المهنة الإعلامية وإلى جمهور القراء وكذلك مستويات أخرى من المستفيدين مثل المعلنين والطبقة السياسية ومروجي الأفكار، والدعاة وسواهم، لكن هذه المكاسب ارتبطت ــ وما زالت ــ بتطوير التقنية وانتشارها وبطبيعة الجمهور الذي يستخدمها وبرغم أن المؤشرات حول ذلك لا تزال غير مشجعة فإن كثيرا من الباحثين جنحوا إلى الحديث عن هزيمة الصحافة التقليدية ونهاية عصرها والموت غير المعلن لها.
وتهدف الدراسة إلى التعريف بالصحافة الرقمية العربية ونشأتها وأنواعها واتجاهاتها وسماتها وأخلاقها والمعوقات التي تحول دون أن تؤدي وظيفتها الإعلامية والمجتمعية، وقد حاول الباحث التوصل إلى مجموعة أهداف منها التوصل إلى مؤشرات علمية تسهم في تحديد واقع الوظيفة الإعلامية للصحافة الرقمية والتوصل إلى النتائج الهادفة لتسهيل عملية الاتصال فيما بين الوسيلة الإعلامية والمتلقي لها لتقوم بوظيفتها.
وحاول الباحث في الدراسة تحديد المعوقات التي تعرقل قيام الصحافة الرقمية بدورها في المجتمع وتأثير هذه المعوقات على وسائل الإعلام الأخرى ومحاولة الوصول إلى ضوابط عمل الصحافة الرقمية في إطار التشريعات التي تكفل حرية الرأي ومواثيق الشرف المهنية، والوقوف على مقترحات وتوصيات علمية تسهم في بناء وازدهار الصحافة الرقمية.
وخلصت الدراسة إلى مجموعة من النتائج من أهمها، أن الصحافة الرقمية العربية تنقسم إلى ستة أنواع (نسخ إلكترونية من صحف مطبوعة ورقيا باسمها وتاريخها، وما تقدمه مجرد نسخة إلكترونية طبق الأصل لما تقدمه الصحيفة الورقية، وصحف إلكترونية تحمل اسم الصحيفة الورقية، لكنها تختلف عنها في محتواها وخدماتها وتوجيهاتها، وتعتمد على التحديث المستمر واستطلاع الرأي والتفاعلية، وصحف إلكترونية ليس لها أصل ورقي، ومواقع إعلامية ويقصد بها الشبكات الإخبارية على الإنترنت ومواقع الأحزاب والتيارات السياسية والاقتصادية، والإذاعات والفضائيات التي تعنى بتقديم تقارير إخبارية صوتية، وتقدم خدمات نصية بصور وأشكال إيضاحية وساحة حوار مع المتلقي، مواقع وكالات الأنباء العالمية والعربية التي تقدم خدماتها على شبكة الإنترنت.
 
مفهوم الصحافة لم يعد حكرًا على المؤسسات الصحافية
اعتبرت الدراسة أن انتشار استخدام الإنترنت فرض نفسه على العملية الصحافية، بما في ذلك استقاء المعلومات من مصادر متعددة، وتوظيفها ثم تخزينها بعد ذلك في أوعية إلكترونية تمثل أرشيف المحرر بعد ذلك ولم يعد مفهوم الصحافة حكرًا على المؤسسات الصحافية بالمعنى التقليدي في الصحافة المطبوعة، لذلك فإن الصحيفة الإلكترونية يجب أن تتميز بالاستقلال التام عن الصحف المطبوعة، حتى وإن كانت تصدر عن مؤسسة صحافية قائمة أو تحمل نفس عناوين إصداراتها ويمتد الاستقلال ليشمل جميع المراحل بدءا من التخطيط لإنشاء الموقع وأهدافه إلى تحرير المادة الصحافية، وتصميم الصفحات ونشرها على الشبكة، تمت الاستفادة من خصائص النظم الرقمية في تصميم البرامج والمواقع بالتركيز على خصائص المتلقي وحاجاته، لتلبية هذه الحاجات وفق نظام التحول والاختيار والتفاعل والمشاركة التي توفرها هذه المواقع، بحيث يصبح الموقع أو المحتوى كما لو كان مخصصا للمتلقي بذاته وتكون له الحرية في توجيه اختياراته وفق هذه الخصائص والحاجات، بما يؤدي بالتالي إلى تطوير العلاقة بالقارئ وتدعيمها. بالإضافة إلى تصميم آليات تفاعل المستخدم أو القارئ، فإن الصحيفة الإلكترونية يجب أن تستفيد أيضًا من أدوات الاتصال المتاحة على الشبكة، حتى يتحقق في هذه العملية الاتصال ثنائي الاتجاه، أو متعدد الاتجاهات لتأكيد تفاعل مع الصحيفة والعاملين بها وأقرانه من القراء والمستخدمين لهذه الصحيفة وموقعها.
وأكد الباحث على أنه يغلب على بنية المواقع الصحافية العربية- موضوع الدراسة- انعدام توظيف الوسائط المتعددة باستثناء مواقع قليلة جدًا، بعضها خاص بفضائيات عربية شهيرة، وباقي مواقع الصحف الإلكترونية تعرض صماء دون تعليق أو دون وجود صور فيديو، أو إحالة إلى مواقع أخرى، واستخدام أنظمة الوسائط المتعددة في الصحافة يمارسه صحافيون كبار في صحف عالمية واسعة الانتشار مثل «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز»، حيث يقدمون عروض فيديو أو صورًا مصحوبة بتعليقات ينفذها محررون صحافيون.


 
عدم الثقة وعدم توافر الدعم المالي
وكشفت الدراسة على أن الكثير من الصحف الإلكترونية العربية والمواقع الإعلامية والشبكات الإخبارية على الإنترنت يعيد نشر ما هو منشور سابقًا، مثل شبكة الأخبار العربية «محيط» فهي تعيد نشر ما تبثه الوكالات المشتركة بها، وتعيد نشر ما تنشره الصحف بعد تلخيصه، كذلك موقع «نسيج» الإخباري، وهذا يشير ضمنًا إلى أن لدينا صحافة إلكترونية قائمة محكومة بتصور في الفعل ومرتكزة على منظومة عمل، في حين أن الحاصل هو وجود بعض المنابر على الشبكة على أساس من هذه الخلفية أو تلك..
كما كشفت الدراسة أن الصحافة الرقمية العربية تواجه صعوبات كثيرة منها عدم وجود عائد مادي من الإعلانات أو الاشتراكات أو التسويق مثل الذي توفره الصحافة الورقية، فالمعلن ما زال يشعر بعدم الثقة في هذا النوع الجديد من الصحافة وندرة وجود الصحافي الإلكتروني المدرب والمؤهل للتحرير الإلكتروني وإلمامه بالتقنيات الرقمية المتعددة، التي تحتاج إلى مهارة ودراسة وتدريب، وكذلك متابعة الصحف الإلكترونية الدولية وطرق تحريرها ولا يتوفر ذلك إلا بإجادة الصحافي أكثر من لغة، مع غياب الأنظمة والقوانين العربية التي تنظم الصحافة الإلكترونية، ما لها وما عليها، لهذا يتعاظم الاهتمام بأمن المعلومات الإلكترونية وسلامتها..
واعتبرت الدراسة أن احتكار الصحف للأخبار ولى زمنه، وأن التحدي هو نقل الأخبار في الشكل الذي يريده المستهلكون، وعلى أصحاب المؤسسات الصحافية والإعلامية التخلي عن الأحكام المسبقة والبدء بالتفكير في طرق جديدة ومبتكرة لجذب قطاعات كبيرة من القراء، فأصبح من الضروري تطوير كيفية تفكيرنا بمنتجنا، وفي كيفية التواصل الفعال فيما بين المحررين والمراسلين مع قرائهم، فالسمة البارزة التي تميز ظاهرة الصحافة الإلكترونية هي الابتكار والتمدد والتشعب لتصل به إلى مصادر إعلامية أخرى ذات توجهات ورؤى مختلفة، فالصحف الرقمية تتعرض لما لا تتعرض له الصحف الورقية من حجب وإتلاف ومن ثم تعرضها لخسائر معنوية ومادية كبيرة ويرتبط هذا أكثر ما يرتبط بمسألة الدعاية والدعاية المضادة كما رأينا، حيث تأخذ هذه الفكرة شكلا عدائيًا، وقد ترتب على هذا كله ظهور نوع جديد من الإرهاب سماه المحللون «الإرهاب الإلكتروني» أي الإرهاب الذي يتخذ له موقعا جديدًا على الإنترنت وأدواته جديدة هي الصحف والمواقع الإلكترونية.
 
ضعف التشريعات
وقالت الدراسة إن ضعف التشريعات الخاصة بالصحافة الرقمية في العالم العربي فرض حالة من الفوضى، فلم نجد بعد بنية من القوانين الخاصة بهذا اللون الجديد من الصحافة الذي يعد صوت المستقبل، وهذا يعني أننا مختلفون عن الركب ولا نواكب الأحداث فضلا عن أن نسبقها بل نتأخر دائمًا عن ملاحقة الحدث وننتظر حتى تقع الكارثة، ومن ثم فإننا نشتغل بالأمور غير الجوهرية من خلال ضعف بنية التشريعات لهذا الوليد الجيد، كذلك فإن كثيرًا من الدول تكيل بمعيار واحد لنمطين مختلفين من الصحافة بمعنى أنها تطبق تشريعات الصحافة المكتوبة أو الورقية على الصحافة الرقمية مما يعني عدم الاستقلالية والتمييز، صحيح أن الصحافة واحدة من حيث هي حرفة لكن آلياتها وأدواتها ومفاهيمها أصبحت مختلفة، الأمر الذي يعني المطابقة في البداية وضرورة الفصل والاستقلال في النهاية، ومن ثم فتطبيق تشريعات الصحافة المكتوبة أو الورقية على الصحافة الرقمية هو نوع من التقصير لا بد من تداركه الآن، وفي كثير من الدول العربية لا توجد قوانين أو تشريعات خاصة بالصحافة الرقمية لكن السلطة الحاكمة تكيف بعض نصوص القوانين لتكميم هذا النوع من الصحافة بالحجب أو المصادرة مما يؤدي إلى القضاء عليه.
وأكدت دراسة على أن الصحافة الرقمية نوع جديد من الصحافة هو «صحافة المواطن» تتميز بالتفاعلية والتواصل الفوري بوسائل متنوعة تكسر حواجز الصمت في سرعة نقل الحس الشعبي تجاه الأحداث والمواقف والشخصيات وهدم اللغة الرسمية والفوقية وحرية طرح المواضيع الحساسة والخطيرة، الأمر الذي يستدعي توافر قسط من الرسائل والدراسات العلمية هو هذا الموضوع بالذات، مع ضرورة تفعيل مواثيق الشرف المهني على الصحافة الرقمية، في ميثاق الشرف هو الجانب الأخلاقي في المهنة وهو متفرع عن عقيدة الأخلاق في كل الثقافات والديانات، وهو مظهر من مظاهر المنظمات غير الحكومية نشأ في الغرب ثم انتقل إلى الشرق، وهو فكرة غير فعالة لأنه مما يقلص من فاعليتها انتشار أنظمة الحزب الواحد والعشيرة الواحدة والزعيم الأوحد ومن ثم فقد تبدو فكرة مرتبطة بمناخ حضاري حتى تتأسس في بنية سليمة وتعتبر مواثيق الشرف تكمل القوانين، لكن حين تتباعد المسافة بين طرفي الثنائية فهذا يعني أن المجتمع في أزمة.
وأوصت الدراسة بضرورة إعلاء قيم الحريات الصحافية في ظل حماية قانونية ودستورية للصحافي والمجتمع معًا، والاستفادة من تجارب دول العالم المتقدمة في هذا المجال.


اشترك في النقاش