الفيتو الروسي واللجنة الدستورية... سوريا بلد اللاحرب واللاسلم

ما الذي يجبر المعارضة على القبول بتقديم كل هذه التنازلات، وهم يدركون بلا شك أن كل ما يحصل ليس إلا من باب اللعب بالوقت بدل الضائع؟

حدثان بارزان سيطرا على المشهد السوري في الأيام القليلة الماضية لا بد أن يقف المتابع عندهما. الحدث الأول، استخدام روسيا والصين لحق النقض لمنع صدور قرار عن مجلس الأمن كانت قد تقدمت به كل من ألمانيا والكويت وبلجيكا ينص على وقف فوري لإطلاق النار في إدلب شمال غربي سوريا، وهذا الفيتو هو الفيتو رقم 13 الذي تلجأ إليه روسيا لمنع صدور قرار بشأن سوريا منذ بداية الأزمة عام 2011.

أما الحدث الثاني، فهو إعلان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش موافقة كل من الحكومة السورية ولجنة المفاوضات (التابعة للمعارضة) على إنشاء لجنة دستورية، وذكر أن مبعوثه الخاص إلى سوريا، غير بيدرسون، سيدعو إلى انعقاد هذه اللجنة في الأسابيع المقبلة.

هذه اللجنة التي رحبت دمشق رسميًا بتشكيلها، ففي أول تعليق له، قال الأسد خلال لقائه علي أصغر خاجي، كبير مساعدي وزير الخارجية الإيراني، إن «التنسيق السوري الإيراني الروسي أنجز لجنة مناقشة الدستور، رغم كل العراقيل والعقبات التي حاولت فرضها الأطراف الأخرى الداعمة للإرهاب» وفق وصفه. بينما نقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن وزير الخارجية وليد المعلم، إنه «جرى الاتفاق على كل تفاصيل هذه اللجنة، وذلك بفضل مواكبة وتوجيهات الأسد طوال 18 شهرًا من المحادثات». ونقلت صحيفة «الوطن» المقربة من النظام في دمشق، أن «سوريا فرضت رؤيتها فيما يتعلق بتشكيل اللجنة الدستورية وآليات وإجراءات عملها».

بدوره اعتبر نصر الحريري، رئيس هيئة التفاوض السورية المعارضة أن إعلان تشكيل اللجنة هو انتصار للشعب السوري وإنجاز حقيقي وجزء من القرار 2254.

وأعلنت هيئة التفاوض، في بيان لها، أنها «غير غافلة عن أي عراقيل قد يضعها النظام في وجه عمل اللجنة»، آملة أن تشكل «بوابة لمناقشة باقي مضامين قرار مجلس الأمن رقم 2254

فمن هو المنتصر إذن من تشكيل هذه اللجنة، وهل حقًا هي بداية الطريق للوصول إلى حل سياسي وفق بيان «جنيف-1» والقرار 2254؟ وماذا عن قواعد العمل الإجرائية التي تحتمل تفسيرات مختلفة بين طرفيها، فلكل طرف رؤيته وتفسيره الخاص، عدا عمن هي الجهة المخولة بالدعوة إلى الاستفتاء على نتائج عمل اللجنة، إن ظهرت أي نتائج.

في بداية عام 2017 توقف التفاوض وفق بيان جنيف، وحلت اجتماعات آستانة التي ترعاها كل من روسيا وتركيا وإيران، محل اجتماعات جنيف التي كانت برعاية أممية، وتغير مسار المفاوضات بعد ما بات يعرف باجتماع سوتشي في بداية عام 2018 الذي دعت إليه روسيا في منتجع سوتشي، وصدر عنه اقتراح تشكيل لجنة دستورية، تقوم بـ«صياغة إصلاح دستوري يسهم في التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة»، فقبل ذلك الاجتماع لم تكن اللجنة المذكورة موضع تفاوض بين المعارضة والحكومة السورية، ولا كانت مطروحة كبند من بنود بيان جنيف، وللقرار 2254 الذي ينص صراحة على مرجعية بيان جنيف للحل السياسي في سوريا، فبيان جنيف واضح من حيث الدعوة لـ«إقامة هيئة حكم انتقالية باستطاعتها أن تُهيّئ بيئة محايدة تتحرك في ظلها العملية الانتقالية، وأن تمارس هيئة الحكم الانتقالية كامل السلطات التنفيذية. ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى».

ولاحقًا يمكن إعادة النظر في النظام الدستوري والمنظومة القانونية، وأن تُعرض نتائج الصياغة الدستورية على الاستفتاء العام، أما الاتفاق على تشكيل اللجنة الدستورية الذي أعلن التوصل إليه فهو مخالفة واضحة وصريحة لبيان جنيف وللقرار 2254.

وفق كل ذلك، بالإمكان طرح أسئلة، من قبيل: لماذا تعلن المعارضة الانتصار؟ ولماذا الإصرار على أن اللجنة الدستورية لا تتعارض مع بيان جنيف؟ فهل تخلت المعارضة عن جنيف، أم أن العالم تخلى عن السوريين؟

فبعد سقوط مئات الآلاف من الضحايا في سوريا، هل من عاقل يصدق أن قرارًا بمجلس الأمن بوقف القتل الذي تمارسه روسيا ومعها النظام السوري وإيران، ستوافق عليه روسيا؟ أم أن اللجوء إلى مجلس الأمن هو فقط من باب رفع العتب؟ وهل أصبحت الأمم المتحدة مسيرة لنتائج اتفاقات روسية تركية إيرانية، بدل أن تكون مهمتها تنفيذ القرارات الصادرة عنها؟

من الواضح في خضم كل هذا الواقع المزري أن سوريا صارت متروكة لدول محور آستانة لتحدد وفق مصالحها أولويات الحل، وشخوص ممثليها في لجان هذا الحل، وإلا فأين الرعاة الإقليميون والدوليون لجنيف؟ واين جامعة الدول العربية من كل هذه التدخلات والاحتلالات، أم أن الجميع ينتظر الموقف الأميركي، وهذا الأخير غائب تمامًا، فسوريا اليوم ليست على سلم أولويات إدارة الرئيس دونالد ترامب، ولكن ذلك لا يمنع روسيا ومعها إيران وتركيا من محاولة تمرير حلول ومشاريع حلول تضمن مصالحهم بغض النظر إن كانت هذه الحلول تتوافق مع إرادة السوريين أم لا.

والسؤال: ما الذي يجبر المعارضة على القبول بتقديم كل هذه التنازلات، وهم يدركون بلا شك أن كل ما يحصل ليس إلا من باب اللعب بالوقت بدل الضائع؟

في الحقيقة قبل أن تتجه أنظار ترامب إلى سوريا (إن حصل)، ستكثر الجعجعة ولن نرى طحينًا. وإلى حينه ستكون سوريا بلد اللا حرب واللا سلم.