مصائب لبنان الكثيرة

* الأهم يبقى أن قرار الحرب والسلم والحق في حصرية استعمال العنف هما بيد أمين عام «حزب الله»، ما يجعل عمل الحكومة بلا جدوى لأنها تكون كالرجل الأعمى الذي يقاد

يقال: إن المصائب تأتي على الناس دفعة واحدة. وهذا هو حال لبنان؛ يستقبل الأزمات الواحدة تلو الأخرى. كل شيء فيه ينهار. الأمن أولا. وهنا الكلام ليس عن الجرائم التي ترتكب بوتيرة متصاعدة داخل المجتمع نفسه، إنما عن تحرك إسرائيل العسكري الذي وصل قبل مدة إلى عمق الضاحية بطائراتها المسيّرة. هذا من شأنه أن يفتح فصلا جديدا من فصول المواجهة بين إسرائيل و«حزب الله» ويضع لبنان على سكة حرب مدمرة إن حصلت فلن تُبقي ولن تذر.
في الأمن أيضا تستعمل إيران لبنان ساحة للمواجهة مع الغرب والدول العربية وإسرائيل، وتنشئ فيه معامل للصواريخ الدقيقة وتستبيح سيادته وتوقع الدولة في تناقضات مسؤوليها في محاولتهم لرفع تلك التهمة عن البلد. ففي حين ينفي وزير خارجية لبنان وجود تلك المعامل ويأخذ بعض الوزراء إلى مواقع أشارت إليها إسرائيل من أجل نفي تلك الاتهامات، يقول رئيس وزراء لبنان في مؤتمر صحافي من واشنطن إنه يناقش هذا الموضوع مع الإدارة الأميركية.
أما في الاقتصاد، فالأزمة متعددة الأوجه، منها المالي ومنها الاقتصادي.
من الناحية المالية تكفي الإشارة إلى وجود سوق سوداء للدولار الأميركي في الأسواق اللبنانية، وسعر صرفه أغلى من السعر المعتمد لدى المصرف المركزي. ما يشير إلى أزمة ثقة بالليرة اللبنانية.
أما في المجال الاقتصادي فهناك عجز في الموازنة يمنع أصلا الدولة من الاستثمار في أي من القطاعات الإنتاجية، وبالتالي تنشيطها. بل على العكس تماما، تعتمد الدولة على المواطنين وعلى عطاءات الدول غير المجانية من أجل تسديد جزء من هذا العجز. ليس هناك من قطاع في لبنان بخير، أولهم وأهمهم قطاع البناء الذي يعاني من عدم إقراض البنوك الراغبين في شراء شقق سكنية، ما ينعكس جموداً لا يطال فقط المطور العقاري إنما أكثر من أربعين مهنة أساسية لهذا القطاع، من حدادين وبنائين... إلخ.
أما في الوضع الاجتماعي فالبطالة بين الشباب المتخرج من الجامعات مرتفع، بالإضافة إلى وجود حركة هجرة كثيفة لا تتجرأ السلطات على الإعلان عنها خوفا من ارتداداتها السلبية على الباقين وبالتالي دفعهم إلى اللحاق بالذين غادروا البلد نهائياً.
وبين هذه وتلك تأتيك العقوبات الأميركية على المصارف اللبنانية التي تساهم في تمويل «حزب الله» وآخرها كانت العقوبات على مصرف «جمال ترست بنك» الذي أقفل أبوابه نهائياً فور إدراجه على لائحة العقوبات الأميركية.
حتى البنك الدولي والدول المانحة في مؤتمر دعم لبنان اقتصاديا (سيدر) يفرضون شروطاً على الدولة اللبنانية ويتأخرون في إقراضها المليارات الأحد عشر الموعودة قبل شروع الحكومة بإصلاحات جدية في البنى الاقتصادية لا سيما في موضوع الكهرباء والإصلاح الضريبي والتوظيف العشوائي والتهريب والفساد.
لا يوجد مسؤول لبناني أو حتى موفد غربي لا يحذر من الحالة الحرجة التي وصل إليها البلد. ولكن من الواضح أن الحكومة عاجزة عن إيجاد حلول تنشل لبنان من دائرة الخطر، أولا لأنها لا تملك رؤية اقتصادية موحدة للخروج من المآزق، فغالبا ما تتحول الحكومة إلى ساحة لتصفية الحسابات بين السياسيين المتناحرين خارج المجلس الحكومي ما يشل إنتاجيتها.
والأهم، ثانياً، لأن قراراتها بيد أمين عام «حزب الله». فحزب الله يسيطر على قرارات الدولة اللبنانية ويستعمل مرافئها الحيوية لتمرير كل البضائع التي تخص رجال أعماله ومجلسه العسكري.
ثم، الأهم يبقى أن قرار الحرب والسلم والحق في حصرية استعمال العنف هما بيد أمين عام «حزب الله»، ما يجعل عمل الحكومة بلا جدوى لأنها تكون كالرجل الأعمى الذي يقاد.
أمام هذا الواقع ما زال الشعب اللبناني خانعاً. لا يأبه إن كان هواؤه ملوثاً، ونفاياته منتشرة على الطرقات، وبناه التحتية سيئة، وكهرباؤه مقطوعة... إلخ. تراه غير مهتم إن كان نمو الاقتصاد صفراً، وسعر صرف الليرة في خطر وقطاعه الخاص في نزف مستمر. تراه منشغلا في أمور إقليمية وعالمية. يهتف لهذه من الدول ويموت فداء لتلك من الزعامات الإقليمية فيما نوعية حياته في تراجع دائم.
ألم يقل نصر الله في إحدى إطلالاته الأخيرة وما أكثرها أنه يخوض بقيادة إيران معركة كبرى، وأن قائد مخيّمه هو خامنئي، ولم تحرك الحكومة ساكناً؟