آية الله المعصومي: «ولاية الفقيه» لا تحظى بتأييد عموم الشيعة

قال من طهران لـ«المجلة» إن إيران حاولت نشر فكرها المذهبي بين العرب وفشلت
* بعد وفاة الخميني تمت إضافة كلمة «المطلقة» إلى مبدأ ولاية الفقيه المشار إليه في الدستور وهذا ما أدى إلى إعطاء صبغة شرعية وحقوقية إلى الصلاحيات غير القانونية لولي الفقيه
* جزء كبير من الشعب الإيراني رحب بحكم ولاية الفقيه من دون أن تكون له معرفة بماهيته والنتائج التي ستترتب عليه

واشنطن: عين مجلس خبراء القيادة آية الله خامنئي مرشدا للثورة الإيرانية في 4 يونيو (حزيران) 1989 وذلك عقب وفاة آية الله الخميني. وبالتالي أصبح علي خامنئي في خطوة مفاجئة وبدعم من الرئيس الإيراني الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني الولي الفقيه الجديد والمرشد الثاني للجمهورية الإسلامية. كان هذا التعيين مفاجئا بالنسبة للكثيرين لأن آية الله حسين علي المنتظري كان نائبا للخميني، وبالتالي كان من المتوقع أن يحل محله. كما أن عددا من علماء الدين البارزين في إيران أعلنوا أن خامنئي ليس «المجتهد الجامع للشرائط» وليس مخولا ليكون الولي الفقيه. وكان واضحا أن خامنئي لا يفتقر للشخصية الكاريزماتية التي تمتع به الخميني فحسب بل كان رئيسا ضعيفا بالمقارنة مع بقية رؤساء مؤسسات النظام الرئيسية وبدا آنذاك في نظر الكثير من المتابعين بأنه لن يتمكن من البقاء في منصبه طويلا.

تعني «ولاية الفقيه» التي تحظى بقبول معظم الشيعة وليس كلهم (يشكل الشيعة نحو 10 في المائة من تعداد العالم الإسلامي) أن يتم منح صلاحية الولاية للفقيه من جانب الله أو النبي أو الأئمة.

وحسب نظرية «ولاية الفقيه» فإن الولي الفقيه يملك صلاحية الولاية على الشعب.

لم تتم الإشارة إلى مبدأ «ولاية الفقيه» في مسودة الدستور الذي تمت كتابته بعد قيام الثورة الإيرانية في مارس (آذار) 1979 وتمت إضافة مصطلح «ولاية الفقيه» إليه

في سبتمبر (أيلول) 1979. وألحقت كلمة «المطلقة» إليه ليصبح «ولاية الفقيه المطلقة».

وفي هذا الإطار، أجرت «المجلة» حوارا مع آية الله عبد الحميد المعصومي الطهراني المقيم في طهران وهو المثقف الديني ومنتقد نظرية «ولاية الفقيه المطلقة». وتحدث المعصومي حول تعريف ولاية الفقيه ومكانته في الجمهورية الإسلامية والعالم العربي.

وفيما يلي نص الحوار:

* ما التعريف الذي تقدمه حول «ولاية الفقيه»؟

- ولاية الفقيه مصطلح جديد لم يكن موجوداً في فقه الشيعة الإمامية الاثنى عشرية. كانت صلاحية «حاكم الشرع» و«الفقيه الجامع للشرائط» تقتصر على إصدار الفتاوى وتسلم الوجوه الشرعية وإدارة الأمور الحسبية والتصرف في إحقاق الحق وإبطال الباطل. وكان المقصود منه هو المرجع الديني. ونظرا للتعاليم والروايات الشيعية الإمامية الإثنى عشرية فإن كلمة «الولاية» تعني «الصداقة» و«المحبة» و«التقارب الفكري والعاطفي» مع إمام الشيعة وهذا التعريف يتطابق مع المعنى اللغوي لكلمة «الولي» ومشتقاته في القرآن الكريم وهو «المحبة» و«التقارب». وانحرفت هذه الكلمة عن معناها الرئيسي وقدمت على أنها تعني «الرعاية».

لقد تطرقت في إحدى مقالاتي بعنوان: «لم يكن تشكيل الحكومة هو هدف الأنبياء» بالتفصيل حول هذه المسألة وهي أن القرآن الكريم - المصدر الرئيسي للتعاليم الإسلامية - لم يشر إلى أن النبي (صلى الله عليه وسلم) حاكم أو ولي على الناس.

* لقد مرت نظرية «ولاية الفقيه» بالكثير من التحولات في فترة زعامة الخميني؛ هل يمكنك أن تحدثنا عن هذا الأمر؟

- تبنى الراحل السيد الخميني نظرية «السلطة السياسية للفقيه» وهذا يعني أن الفقيه يكون نائب الإمام والحاكم المعين من قبل الله - إلى جانب الصلاحيات الأخرى التي أشرت إليها سابقا - خلال فترة غيبة الإمام المعصوم. ويجب على الفقيه التدخل في السياسة وتشكيل الحكومة.

وتشكل نظرية الولاية المحدودة للفقيه التي طرحت من قبل الراحلين النراقي والنائيني قبل الخميني أساسا معارضا لأصول الفكر الشيعي الإثنى عشري. تؤكد روايات كثيرة على أن تأسيس الحكومة والتدخل في الشؤون التنفيذية والسياسية في فترة غيبة الإمام المعصوم يؤدي إلى الفساد والانحراف في الدين والمجتمع. على سبيل المثال وفي رواية يقول الإمام جعفر الصادق: «لا أحد يخرج من أهل البيت لإبعاد الظلم أو إحقاق الحق قبل قيام القائم، لأنه سيعاني من المصائب، وإن خروجه سيؤدي إلى زيادة معاناتنا نحن والشيعة».

بناء على ذلك فإن أغلب الفقهاء الشيعة لم يعارضوا نظرية «السلطة السياسية للفقيه» فحسب، بل طالب عدد منهم بأن تقتصر صلاحيات ولي الفقيه على إصدار الفتاوى.

يمكن القول إن النقد الأقوى والأكثر شفافية لنظرية السلطة السياسية لولي الفقيه جاء من قبل المرحوم آخوند الخراساني الذي كتب نقدا بشأن تدخل علماء الدين في الشؤون السياسية وإدارة الحكم والسياسات التنفيذية. يتضمن هذا النقد كل التداعيات الناجمة عن تدخل الفقهاء في الشؤون التنفيذية والسياسية بالتفصيل حيث نرى اليوم كافة النتائج الناجمة عن هذا التدخل بوضوح.

وبعد وفاة الخميني تمت إضافة كلمة «المطلقة» إلى مبدأ ولاية الفقيه المشار إليه في الدستور وهذا ما أدى إلى إعطاء صبغة شرعية وحقوقية إلى الصلاحيات غير القانونية لولي الفقيه الذي كان من المفروض أن يكون جزءا من الشعب وفقاً للقوانين المدنية.

* ما مدى الشعبية التي تتمتع بها نظرية «ولاية الفقيه» منذ قيام الثورة حتى الآن؟

- لم تطرح نظرية ولاية الفقيه في خضم أحداث الثورة الإيرانية بل إن السيد الخميني قال ردا على سؤال مراسل عما إذا كان يرغب في أن يحل محل الشاه في حال تنحي

الأخير «لا. أنا طالب في الحوزة الدينية وأرغب في التوجه إلى قم وسأمنح حكم البلاد لأهل السياسة».

وجرى النقاش حول ولاية الفقيه لأول مرة في مجلس خبراء الدستور آنذاك (1979) وكان الراحل السيد الطالقاني من أشد المعارضين لضم مبدأ ولاية الفقيه في الدستور ولكنه للأسف توفي في خضم النقاش والجدل حول هذه المسألة. ويعتبر كثيرون أن الطالقاني توفي في ظروف غامضة.

قام السيد الخميني بتأليف كتاب «ولاية الفقيه» قبل قيام الثورة بسنوات. يشير الكتاب إلى النظريات المهمة للخميني. كان يعرف الخميني آنذاك ماذا يريد في نهاية الأمر ولكنه تعمد إخفاء بعض أفكاره في إبان الثورة. ولكن الأمر المحير هو يخص بعض أعضاء مجلس خبراء الدستور الذين لم يكن لديهم المعرفة الكافية بأصول الدين ولكنهم أخذوا يدعمون مبدأ ولاية الفقيه.

* لماذا فعلوا ذلك وماذا كانت أهدافهم؟

- هذا سؤال قد لا نجد له إجابة صحيحة ومنطقية. ولكن ما يمكن قوله إن الشعب آنذاك لم تكن لديه معرفة بأصول نظرية «ولاية الفقيه». كما أن أصوات منتقدي «ولاية الفقيه» ومعارضيها كانت غير مسموعة في خضم الثورة وصخب الثوار

آنذاك. وكان معظم المنتقدين لـ«ولاية الفقيه» بعد الثورة من جماعة رجال الدين. وقام الخميني بإقصاء المنتقدين وعزلهم بعد توجيه اتهامات متعددة لهم.

وبناء عليه يمكن القول إن جزءا كبيرا من الشعب رحب بحكم ولاية الفقيه من دون أن تكون له معرفة بماهيته والنتائج التي ستترتب عليه. وهذه للأسف إحدى المشاكل الثقافية التي يعاني منها الشعب الإيراني. فالمواطنون في إيران يصابون بسرعة بعواطف جياشة ويدعمون أو يعارضون بشدة شخصية أو زعيما ما من دون التحقق حوله. ولذلك فنحن نتحسر دوماً على الماضي.

* برأيك ما مدى شعبية «ولاية الفقيه» في الدول العربية منذ قيام الثورة الإسلامية حتى الآن؟

- ينتمي أغلب المسلمين في العالم العربي إلى أهل السنة وبالتالي فإنهم لا يؤمنون بولاية الفقيه. كما قلت سابقا فإن نظرية ولاية الفقيه نظرية جديدة لا تحظى بتأييد الفقهاء الشيعة الإثنى عشرية التقليديين. فنظرية ولاية الفقيه تتناقض مع الأصول والعقيدة الشيعية.

حاولت الجمهورية الإسلامية جاهدة الترويج لنظرية ولاية الفقيه وبسطها بين الشيعة في الدول العربية ولكنها لم تنجح كثيرا في ذلك. يتمتع علماء الدين السنة بنفوذ أكبر من نظرائهم الشيعة في المجتمعات العربية لذلك تحاول إيران منذ سنوات كثيرة أن

تنشئ جيلا جديدا من رجال الدين التابعين لها لتقليص نفوذ علماء الدين السنة في دول كثيرة.

ولكن مما لا شك فيه أن كل محاولات إيران للترويج للتشيع ومبدأ ولاية الفقيه في الدول العربية لم تؤد إلى النتائج المنشودة. إن قضية الجماعات التابعة لإيران في الدول العربية تختلف عن مسألة مدى شعبية نظرية ولاية الفقيه بين الشعوب. فالجماعات التابعة لإيران في الدول العربية والتي لا يرتبط بعضها عقائديا بالمذهب الشيعي لها مصالح مادية وسياسية مع النظام الإيراني. وقد لا تتمتع نظرية ولاية الفقيه بشعبية وتأييد واسعين بين هذه الجماعات ولكن هناك مصالح مشتركة. ما دام النظام الإيراني يقدم دعما سياسيا وماليا لهذه الجماعات فهي تستمر في دعمها للنظام الإيراني. وإذا توقف الدعم المالي فستكف الجماعات التابعة لإيران عن دعمها للنظام.


اشترك في النقاش