«ولاية الفقيه» في خطر... ومطالب داخلية بـ«اقالة خامنئي»

شرعية مرشد الثورة الإيرانية باتت في أسوأ حالاتها منذ انطلاق احتجاجات ديسمبر 2017
* اعتقلت السلطات خلال الأعوام الماضية الكثير من منتقدي مرشد الجمهورية الإسلامية على غرار بعض الموقعين على البيانات المطالبة باستقالة المرشد، في الوقت الذي أكد فيه آية الله خامنئي مرارا على حرية الانتقاد
* يترتب على انتقاد المرشد ولو كان بسيطاً تداعيات كثيرة على غرار الاعتقال والسجن بتهمة «الإساءة للمرشد»
 

  كلما تزايد نطاق الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في إيران، ازدادت النظرة السلبية الشعبية حول النظام الديني الاستبدادي والسلطة المركزية والأبدية للمرشد علي خامنئي. وبالتزامن مع هذه التحديات يزداد التشكيك بشرعية المرشد والتي أصبحت في أسوأ حالاتها منذ انطلاق الاحتجاجات في ديسمبر (كانون الأول) 2017 وبدأت الأصوات المطالبة باستقالة المرشد والانتقال من الجمهورية الإسلامية ترتفع يوما بعد يوم في البلاد.

وأصدرت 14 ناشطة نسائية بيانا في 5 أغسطس (آب) 2019 طالبن فيه بـ«استقالة خامنئي» و«الانتقال من نظام الجمهورية الإسلامية». وكان قد طالب 14 ناشطا مدنيا في يونيو (حزيران) في بيان بـ«استقالة خامنئي».

وفي فبراير (شباط) 2018 دعا 15 ناشطا سياسيا ومدنيا في إيران في بيان إلى إجراء استفتاء بهدف تغيير النظام القائم والانتقال إلى جمهورية ديمقراطية علمانية برلمانية.

وكانت الدرجة الفقهية لآية الله خامنئي عند وفاة آية الله الخميني في يونيو 1989، هي حجة الإسلام. وتولى خامنئي منصب مرشد الجمهورية الإسلامية من دون بلوغ درجة الاجتهاد. وبرز خامنئي بعد رحيل الخميني كـ«رأس» نظام الجمهورية الإسلامية ودخل في تحالف مع العساكر والأجهزة الأمنية وبدأ يهيمن على مؤسسات الدولة وأركان الحكم تحت ظل حكم الفرد رافضا مشاركة الشعب في الحكم معارضا الحريات الأساسية للشعب. وفرض خامنئي رؤيته على الأجيال الثلاثة في إيران وتمكن من شراء ولاءات المؤسسات الحكومية ومراجع التقليد والفقهاء من خلال

إمبراطوريته المالية مستغلا النظام القضائي الذي استشرى فيه الفساد بأشكاله كافة والفشل بسبب الاستبداد الديني.

وعزز آية الله خامنئي خلال الـ30 عاما الماضية سلطته الاستبدادية الفردية والاستبداد الديني في الجمهورية الإسلامية وذلك للبقاء في السلطة وبسط سيطرته المطلقة على الشعب.

وأصبح الولاء للمرشد والتملق للولي الفقيه سمة رئيسية وركيزة ثابتة في «النظام المقدس» للجمهورية الإسلامية. ويشكل المتشددون المتطرفون والقوى التي تعرف باسم «القوى الولائية» من موالي الحاكم مدى الحياة. وتهيمن هذه القوى على كافة المؤسسات غير المنتخبة وترى هذه المجموعة بأن النفوذ والمكانة اللذين تتمتع بهما يأتيان بفضل آية الله خامنئي. وأضافت القوى المتشددة الولائية حالة من القدسية إلى خامنئي معتبرة إياه نائب الله ونائب الإمام الثاني عشر للشيعة على الأرض وأن مكانته مشابهة لمكانة الرسول الأكرم والأئمة المعصومين.

وبدأ نظام الجمهورية الإسلامية يخرج عن سكته في فترة قيادة آية الله خامنئي للبلاد بعد أن أخذ يتهرب المرشد عن مسؤولياته وينكر الفشل والفساد اللذين ينخران النظام السياسي لولاية الفقيه. ويعتمد خامنئي سياسة قائمة على الابتعاد عن العصبية والتحلي بالثقة بالنفس الزائفة وإطلاق هتافات على طريقة دون كيشوت وإنكار الفشل والفساد الهيكلي في النظام السياسي لولاية الفقية.

وقدم آية الله خامنئي خلال الأعوام الثلاثين الماضية بعد وصوله إلى كرسي الولي الفقيه نموذجا عمليا وفريدا لنظام ولاية الفقيه المطلقة بنهجه السياسي العنيف وسلطته الجائرة. وأقدم خامنئي الذي كان يخشي من تقليص نفوذه وسلطته على إقصاء كل منتقدي ولاية الفقيه ومعارضي هذه النظرية.

وراح آية الله منتظري أحد المؤيدين الرئيسيين لنظرية ولاية الفقيه ضحية للنظام بسبب وقوفه في وجه خامنئي وانتقاده بسبب سجله الإجرامي. ويعتبر منتظري من أهم معارضي خامنئي وهو الذي عارض آية الله الخميني مما أدى إلى إقصائه عن السلطة ووضعه قيد الإقامة الجبرية. وبالطبع لم يكن منتظري الوحيد الذي ذاق طعم الإقصاء عن السلطة في فترة خامنئي بل إن الكثير من منتقدي المرشد في الحوزة العلمية على غرار آية الله آذري قمي وآية الله صادقي طهراني واجهوا المصير ذاته حيث تعرضوا للتهميش.

وبشأن أشهر معارضي مبدأ ولاية الفقيه في إيران يمكن الإشارة إلى السيد محمود طالقاني، ومهدي بازرغان، والشيخ مرتضى حائري يزدي، والشيخ ناصر مكارم الشيرازي، والشيخ محمد جواد حجتي كرماني، ورحمة الله مقدم مراغه إي، وعزة الله سحابي، وأحمد نوربخش، وأبو الحسن بني صدر.

ولم تشر مسودة الدستور التي تمت صياغتها بعد قيام الجمهورية الإسلامية إلى ولاية الفقيه بمعناها الحرفي وهو تعيين الفقيه من قبل الله أو النبي أو الأئمة ليتولى أمور

الشعب. وقد تم إلحاق قانون مبدأ ولاية الفقيه في نهاية 1979 إلى الدستور وبعد أعوام أضيفت كلمة «المطلقة» إلى «ولاية الفقيه».

وتنص المادة 57 على أن السلطات الثلاث الحاكمة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) التي تخضع لإشراف «ولي الفقيه المطلق» تقوم بتنفيذ القوانين.

وجاء فيها حرفيا «السلطات الحاكمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية. وتخضع السلطات الثلاث لإشراف الولاية المطلقة وتعمل السلطات بشكل مستقل عن بعضها البعض».

وتقدم المادة 110 في دستور الجمهورية الإسلامية صورة شاملة عن صلاحيات المرشد غير المحدودة وجاء فيها أن الولي الفقيه المطلق يقوم بتحديد السياسات الكلية للنظام.

وتشير المادة 110 إلى أن القرارات والأوامر الصادرة عن ولي الفقيه شأنها شأن القوانين. ومنحت هذه المادة صلاحيات واسعة للمرشد وهي: القيادة العامة للقوات المسلحة وإعلان الحرب والسلام والنفير العام والقيام بالتعيين والعزل وقبول استقالة رئيس الأركان المشتركة للقوات المسلحة وقائد الحرس الثوري والقيادات العليا في المؤسسات العسكرية والشرطة والمصادقة على القوانين الصادرة عن المجلس الأعلى للأمن القومي وأن يقوم بتعيين عضوين في المجلس الأعلى للأمن القومي والإشراف على حسن تطبيق السياسات الكلية للنظام والقيام بالتعيين والعزل وقبول استقالة

الأعضاء الفقهاء في مجلس صيانة الدستور ورئيس السلطة القضائية ورئيس هيئة الإذاعة والتلفزيون والقيام بحل الخلافات وتنظيم العلاقات بين السلطات الثلاث وإيجاد حلول للمشاكل المستعصية للنظام والتي لا يتم حلها من خلال الآليات المتعارفة والتوقيع على حكم تعيين رئيس الجمهورية وعزله والتخفيف من العقوبة الصادرة بحق المتهمين في القضاء.

وتشير الفقرة الثالثة في المادة 110 إلى أن المرشد لديه الصلاحية في إصدار حكم لإجراء الاستفتاء في البلاد.

وأشارت الفقرة التاسعة في المادة 110 إلى أن «مرشد الثورة ومجلس صيانة الدستور يقومان بتأييد أهلية مرشحي رئاسة الجمهورية في الانتخابات قبل إجرائها».

وأضافت المادة الخامسة في الدستور هالة من القدسية على الولي الفقيه قائلة: «يجب أن يتصف الفقيه بالعدالة والتقوى والعلم بأمور زمانه والشجاعة والإدارة الجيدة والتدبير لولاية أمور الشعب والإمامة في فترة غيبة الإمام المهدي».

وتؤكد المادة الثانية من الفصل الأول للدستور الإيراني على «الإمامة والقيادة المستمرة والدور الأساسي والمهم للمرشد في استمرارية الثورة الإسلامية».

ولم يشر الدستور الإيراني إلى ضرورة خضوع المرشد إلى المساءلة وتحمله للمسؤولية أمام الشعب والقانون وبذلك تبقى هذه المسألة غير شفافة وغير واضحة.

ويعتبر روح الله الخميني ولي الفقيه نائباً للإمام المعصوم ويقول: «لقد قام الإمام المعصوم وبأمر من الله تعالى بتعيين ولي الفقيه حيث يكسب النظام الإسلامي وأركان الحكم والسلطات الثلاث والدستور والقوانين وغيره مشروعيتهم من ولي الفقيه. ويتمتع ولي الفقيه بالصلاحيات التي يتمتع بها الرسول الأعظم والأئمة المعصومون في إدارة المجتمع».

واعتقلت السلطات خلال الأعوام الماضية الكثير من منتقدي مرشد الجمهورية الإسلامية على غرار بعض الموقعين على البيانات المطالبة باستقالة المرشد. هذا في الوقت الذي أكد فيه آية الله خامنئي مرارا على حرية الانتقاد، ولكن الانتقاد بشأن أداء مرشد الجمهورية الإسلامية يبقى خطاً أحمر يجب على المواطنين ووسائل الإعلام والصحافة الالتزام به. ويترتب على الانتقاد للمرشد ولو كان بسيطا تداعيات كثيرة على غرار الاعتقال والسجن باتهام «الإساءة للمرشد».


اشترك في النقاش