الخرافات الاقتصادية السبع

الأكثر تداولا بين الشعوب العربية

* تختلف هذه الخرافات بين بلد وآخر، إلا أن جميعها يتفق على أن معظم الدول العربية، سيما غير النفطية منها، قادرة بإمكانياتها الحالية على توفير مستوى معيشة للمواطنين، يفوق ذلك الموجود في الدول الاسكندنافية

* هذه الخرافات السبع هي الأكثر تداولا على ألسنة العرب، وهي مستمرة منذ عقود، ومن المتوقع أن تبقى في التداول طالما أن مبادئ الاقتصاد لم تدخل إلى مناهج التعليم الأساسي حتى الآن

جدة:  يعد الجهل بالوقائع الاقتصادية وعزلها عن السياق الاجتماعي والديموغرافي والسياسي في العالم العربي، أحد أبرز المعضلات التي تسود بين فئات واسعة من مختلف الطبقات الاجتماعية في العالم العربي.

لا يتوقف الجهل عند الامتناع عن الحديث والاعتراف بعدم القدرة على الخوض في المواضيع الاقتصادية لمن لا يفقه مبادئها، بل تجد ترويجًا مخيفًا لخرافات لا تمت إلى الواقع بصلة.

وتختلف تلك الخرافات بين بلد وآخر، إلا أن جميعها يتفق على أن معظم الدول العربية، سيما غير النفطية منها، قادرة بإمكانياتها الحالية على توفير مستوى معيشة للمواطنين، يفوق ذلك الموجود في الدول الاسكندنافية؛ دون سوق أدلة واقعية!

وتكمن خطورة تلك الخرافات أنها تستخدم لأغراض الشحن السياسي والتحريض غير المبني على أسس ثابتة، وكذلك شحن الجماهير بغوغائية.

ولا يعني ذلك أن الأمور بخير وأن الفساد في حدوده الدنيا وأن توزيع الثروة العربية يسير بتوازن معقول بين أفراد الشعوب، لكن ينبغي مناقشة ذلك بأسلوب عقلاني سليم مدعم بالأدلة.

فما أهم تلك الخرافات الاقتصادية المنتشرة بين العرب؟

أولاً: دخل قناة السويس يكفي لعيش 100 مليون مصري برفاهية!

تتردد هذه الخرافة لعقود طويلة، وزاد ترويجها أثناء انتفاضة 25 يناير مع اتهامات لنظام الرئيس مبارك بأنه ينهب بئر الذهب المسمى «قناة السويس». لكن عند رؤية الأرقام الحقيقية لدخل القناة وتوسعتها، نجد أنه بلغ 5.9 مليار دولار للعام المالي 2018-2019. فيما بلغ دخل القناة عام 2010 كاملاً نحو 4.77 مليار دولار.

ورغم رفع الدعم أو خفضه عن طائفة كبيرة من السلع والخدمات في مصر العام الجاري، إلا أن موازنة 2018-2019 تضمنت دعمًا بلغت قيمته 86 مليار جنيه مصري (نحو 5 مليارات دولار بأسعار السوق الحالية) على سبيل المثال.

إذن، يكون دخل قناة السويس مساويًا تقريبًا لتغطية الدعم في الميزانية. وقد كانت الميزانيات السابقة تحظى بدعم أعلى، فقد حظي بند الدعم بنحو115 مليار جنيه (16 مليار دولار بأسعار السوق آنذاك) في موازنة 2010 - 2011 وهو أكثر بما يقارب 4 أضعاف دخل قناة السويس عام 2010.

ثانيًا: الأردن لديه نفط وغاز بوفرة ولكن الحكومة تخفيه ولا تريد استخراجه.. والفوسفات يغني الشعب!

هل يعقل أن بلدًا تلامس ديونه حاجز 40 مليار دولار لديه ثروة لا يريد استخراجها؟ ومن يصدق أن بلدًا طالت فيه الضرائب الخبز والخضار ونفقاته أكبر من إيراداته يتكاسل عن الاستفادة من ثروته؟

خرافة أن الأدرن لديه احتياطيات مثبتة من النفط والغاز تشيع على ألسنة الكثيرين؛ دون حجة منطقية. الحقيقة أنه اكتشفت بعض آبار النفط والغاز، لكن الغالبية الساحقة منها غير مجدية اقتصاديا. كما أنه لم يتم مسح جميع مناطق البلاد للتأكد من وجود احتياطيات. وحاليًا، ينتج الأردن فقط نحو 2 في المائة من احتياجاته الكلية للطاقة التي تبلغ 130 ألف برميل نفط يوميًا ونحو 335 مليون قدم مكعبة من الغاز المسال.

وفي يونيو (حزيران) الماضي، قال رئيس الوزراء الأردني إن «نتائج تقييم أو بئر غاز في حقل الريشة تحفره شركة البترول الوطنية منذ 2011 في المنطقة، أكدت أن البئر ينتج 7 ملايين قدم مكعب يوميًا، وهذا يرفع إنتاج حقل الريشة إلى 16 مليونا، والذي يشكل 5 في المائة من استهلاك المملكة اليومي والعمل ماضٍ على قدم وساق لاستكشاف آبار أخرى». والمقصود هنا 5 في المائة من استهلاك الغاز، وليس مجمل استهلاك الطاقة.

أما بالنسبة للفوسفات، فلم تتجاوز أرباح المؤسسة العامة للفوسفات أكثر من 67 مليون دولار عام 2018، وهو مبلغ لا يستحق الحديث عنه كثروة وطنية ذات ثقل. الغريب في الأمر، أن شركة الفوسفات الأردنية العامة كانت خاسرة عام 2017 وكادت تغلق أبوابها!

ثالثًا: دخل النفط لم يكن جزءًا من الميزانية السورية العامة قبل نشوب الأزمة

تنتشر هذه الخرافة منذ الثمانينات الميلادية؛ رغم عدم وجود ما يدعمها على أرض الواقع. وفي الحقيقة أنه من دون النفط لم تكن لتتمكن الحكومة السورية من تغطية نفقاتها أو حتى توفير العملة الصعبة اللازمة للاستيراد.

لنأخذ ميزانية عام 2010. التي وصل حجمها إلى 16.5 مليار ليرة، وهي آخر ميزانية أقرت وجرى تنفيذها قبل أزمة 2011. تقول الأرقام إن هذه الميزانية تعتمد على إيرادات النفط بنسبة 38 في المائة وإن الإيرادات الضريبية والتمويل الخارجي والداخلي يغطيان البقية. وإذا أخذنا ميزانية 2019 البالغة نحو 8.9 مليارات دولار، سنجد أنها خالية من إيرادات النفط بسبب فقدان الحكومة السيطرة على معظم آبار الغاز والنفط شرق البلاد. وإذا قارنا بين ميزانتي 2010 و2019. سيكون الفارق بينهما 7.5 مليار دولار لصالح الأولى؛ بسبب اختفاء إيرادات النفط بشكل رئيسي، إلى جانب ضعف التحصيل الضريبي والتحول نحو استيراد الطاقة بدل إنتاجها.

وقبيل حلول الأزمة السورية عام 2011. بلغ إنتاج النفط الخام نحو 385 ألف برميل يوميًا، إلى جانب 21 مليون متر مكعب من الغاز، فيما وصل حجم الصادرات النفطية الصافية إلى

150 ألف برميل يوميًا. ومن الجدير بالذكر أن ذروة الإنتاج النفطي في أواسط التسعينات من القرن الماضي بلغت نحو 600 ألف برميل يوميًا.

رابعًا: السعودية تصدر 10 ملايين برميل نفط يوميًا!

يخلط الكثيرون بين حجم الإنتاج الفعلي وصادرات النفط السعودية. الحقيقة أن صادرات النفط السعودية هي في حدود 6.9 إلى 7.3 مليون برميل يوميًا، بينما الإنتاج الكلي هو بمتوسط 10 ملايين برميل يوميًا بين عامي 2017 - 2019 (باستثناء هذه الأيام التي تشهد تداعيات الاعتداء التخريبي على منشأتي أرامكو السعودية في بقيق وخريص والتي خفضت الإنتاج السعودي إلى النصف).

أما الاستهلاك المحلي، فيأخذ حصته من الإنتاج الكلي ليكون معدل الاستهلاك العام نحو 2.3 مليون برميل ترتفع في شهور الصيف القائظ إلى أقل بقليل من 3 ملايين برميل على أساس يومي.

خامسا: الناتج الإجمالي المحلي الإسباني أعلى من نظيره لدى الدول العربية مجتمعة

بدأ تداول هذه الخرافة الاقتصادية منذ أكثر من عقد من الزمن للدلالة على الضعف الاقتصادي العربي. الحقيقة أن الناتج الإجمالي العربي يساوي 2.78 تريليون دولار عام 2018، فيما بلغ

نظيره الإسباني 1.43 تريليون للعام ذاته، أي النصف تقريبًا. ورغم أن العالم العربي يتعرض لأزمات سياسية وعسكرية واقتصادية متنوعة، لم يتجاوز الدين العام 100 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي إلا في دولتين عربيتين هما السودان (160 في المائة) ولبنان (151 في المائة). أما الدين العام الإسباني، فقد وصل إلى 100 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي.

سادسًا: تركيا تقرض أموالاً لصندوق النقد الدولي!

لا تنفك تلك البروباغاندا الإخوانية تتكرر على لسان أنصار العثمانية الجديدة حول قوة الاقتصاد التركي تحت ظل الرئيس التركي إردوغان. صحيح أن الاقتصاد التركي ضمن أكبر اقتصادات الشرق الأوسط، إلا أن دينه العام وصل إلى 453. 42 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام الجاري، مقابل 444. 9 بنهاية عام 2018.

الحقيقة هي أن جميع دول العالم الأعضاء في صندوق النقد الدولي البالغ عددها 186 دولة، تدفع مساهمتها كل عام للصندوق، كل دولة بحسب حجم اقتصادها للحصول على حقوق السحب الخاصة، وهو ما يشبه العملة المتداولة ضمن الصندوق.

وإذا كان دفع المساهمة المستحقة إقراضا، فكل الدول حتى الغارقة منها في الديون، تقدم قروضًا لصندوق النقد طبقًا لذلك المقياس!

سابعًا: اقتصاد الدول لا يتأثر سلبًا بالنمو السكاني الجائر!

تستند هذه الخرافة إلى إرث ثقافي مختلط يجمع بين مفاهيم دينية وتفاخر اجتماعي ونمط إنجابي ريفي يقوم على تكثير النسل، لكن في بيئة المدينة. وإذا كان كل شخصين يتزوجان، وينتجان عائلة تتألف من 10 أشخاص بعد 20 أو 30 عامًا، فإن ذلك يسبب ضغطًا شديدًا على الاقتصاد والموارد، مهما كانت نسب النمو الاقتصادي مرتفعة.

الضغط الديموغرافي يتحدى الاقتصادات العربية، وبالذات غير المستقرة أو قليلة الدخل، حيث يكثر العرض العددي من جيوش العاطلين ويقل الطلب من الأنشطة التجارية والصناعية والخدمية وغيرها. بل إن التحدي طال اقتصادات نفطية عربية، تواجه تحدي الديموغرافيا الكثيفة من أجل خلق فرص عمل أكثر وتوفير الأموال اللازمة للتنمية والخدمات والدفاع وغيرها.

إن تفوق النمو الاقتصادي على نظيره السكاني؛ هو ما يزيد الثروة بين أيدي الدول والبشر، ويتمكن الإدارة الاقتصادية من توفير شروط الكفاية وما بعدها من الرفاهية.

لنأخذ بلدًا عربيًا مثل السودان، الذي كان سكانه بحدود 7 ملايين بين أواخر الخمسينات وأوائل الستينات و43 مليونا حاليًا، أي إن عدد السكان تضاعف 6 مرات في 60 عامًا، الأمر الذي ضغط على الاقتصاد السوداني بجيوش من العاطلين وضعف الخدمات على عكس الأجيال السابقة التي عاشت في مستوى أفضل.

تلك الخرافات السبع هي الأكثر تداولا على ألسنة العرب، وهي مستمرة منذ عقود ومن المتوقع أن تبقى في التداول طالما أن مبادئ الاقتصاد لم تدخل إلى مناهج التعليم الأساسي حتى الآن.


اشترك في النقاش