رؤية المملكة 2030 وصناعة الحديد والصلب

قراءة في مخرجات المؤتمر السعودي الأول

* هذا المؤتمر الدولي الأول لصناعة الحديد والصلب حظي باهتمام كبير من جانب المملكة التي تنظر إلى هذه الصناعة على أنها واحدة من ركائز الصناعات الاستراتيجية التي يُعول عليها للعب دور محوري في تحقيق رؤية المملكة 2030
* حينما فرضت أميركا والاتحاد الأوروبي رسوماً وقائية على واردات الحديد، مما أدى إلى تحقق فائض من إنتاج الصلب العالمي بدأ يبحث عن أسواق لتصريف هذا الفائض الذي تزايد بشكل كبير مع تراجع الطلب على هذه المنتجات بسبب حالة انكماش الاقتصاد العالمي
* الموانئ السعودية شهدت أول شحنة تصديرية لشركة صلب ستيل لصناعة الحديد من مرفأ جازان إلى قارة أفريقيا في يناير 2018
* التوسع في التصدير يجب أن لا يكون على حساب السوق المحلية واحتياجاتها، إذ لا تزال السوق السعودية في مزيد من الحاجة إلى الحديد كما أشار إلى ذلك وزير الصناعة السعودي

«إن المؤتمر السعودي الدولي الأول للحديد والصلب سيلقي الضوء على الفرص الاستثمارية في صناعة الحديد بالسعودية... إن فرص الاستثمار ستتضمن تطوير المنتجات الحالية من خلال شراكات مع شركات عالمية لها خبرة في هذا المجال» بهذه الكلمات افتتح المهندس بندر الخريف وزير الصناعة والثروة السعودي «المؤتمر السعودي الأول لصناعة الحديد والصلب» الذي نظمته اللجنة الوطنية لصناعة الحديد المنبثقة من مجلس الغرف السعودية، في السابع عشر من سبتمبر (أيلول) الماضي (2019)، والذي استهدف دعم زيادة فرص الاستثمارات الأجنبية في مجال الصناعات الحديدية بمختلف أنواعها، وذلك من خلال جمع قادة صناعة الحديد والصلب على الصعيدين العالمي والإقليمي جنبا إلى جنب مع قادة صناعة الحديد والصلب الوطنية، حيث دارت محاور المؤتمر حول التوقعات والتطلعات في قطاع البناء السعودي، ومشاركة القطاع الخاص في مشاريع البناء المتنامية، إضافة إلى المدن الاقتصادية الجديدة، والمشاريع الاستراتيجية الكبرى في المملكة وانعكاسها على زيادة الطلب على الحديد والصلب، ومستقبل الأيدي العاملة في قطاع البناء.

وغني عن القول إن هذا المؤتمر قد اكتسب أهمية خاصة ليس فقط كونه الأول من نوعه الذي يُعقد على أرض المملكة، وإنما ثمة عوامل أخرى أكسبته تلك الأهمية، وأبرزها ما يأتي:

1- توقيت المؤتمر: إذ يأتي المؤتمر في وقت يتأكد للجميع فيه تعاظم الدور الريادي الذي تلعبه المملكة العربية السعودية على المستوى الاقتصادي الإقليمي والعالمي، حيث لفت المؤتمر انتباه قادة صناعة الحديد والصلب العالمية نحو التحولات الحالية الجارية في المملكة والفرص الاستثمارية المتاحة أمامهم في هذا القطاع. ومما يزيد من أهمية هذا المؤتمر كذلك أنه جاء في توقيت تواجه فيه صناعة الحديد في المملكة بل وفي العالم كله ظروفا بالغة التعقيد وعدم الاستقرار، وهو ما استوجب الالتفات لهذه الصناعة ذات الأهمية الاستراتيجية اقتصاديا وتنمويا. ومن ثم جاء هذا المؤتمر للنظر في جميع المستجدات الاقتصادية والصناعية على مستوى العالم، ومنها الحروب التجارية وأثرها في صناعة الحديد ومستقبله، والتحديات التي تواجه هذه الصناعة المهمة عالميا بوجه عام وسعوديا على وجه الخصوص.
 




انطلاق فعاليات المؤتمر السعودي الدولي الأول للحديد والصلب في الرياض

2- حجم المشاركين في المؤتمر: شهدت فعاليات المؤتمر مشاركة واسعة من الخبراء والمتخصصين، إذ تجاوز عددهم أكثر من 800 مشارك من داخل المملكة وخارجها، من بينهم 46 شركة من كبرى الشركات المتخصصة في صناعة الحديد والصلب سواء محلية أو عالمية، وتحدث في المؤتمر أكثر من 43 متحدثا يمثلون 23 دولة، الأمر الذي أعطاه زخما واسعا ساهم في خروجه بتوصيات ورؤى ومقترحات من شأنها أن تُسهم بشكل عملي في تطوير هذه الصناعة وتحفيزها.

3- موضوع المؤتمر: تحظى صناعة الحديد والصلب باهتمام كبير دوليا وإقليميا ومحليا نظرا لدور هذه الصناعة في كافة الصناعات الأخرى، حيث تعد هذه الصناعة واحدة من أهم وأكبر الصناعات الاستراتيجية، بل تعتبرها كثير من الدول عصب اقتصادها والمولد الأكبر للوظائف كما أشار إلى ذلك المهندس «رائد العجاجي» رئيس لجنة صناعة الحديد ورئيس هذا المؤتمر حينما أكد على أن: «صناعة الحديد وبحسب الدراسات تخلق 48 مليون وظيفة عالميا، من بينها وظائف الأعمال الرئيسية وقدرها مليونا وظيفة، ووظائف الدعم وقدرها 1.5 مليون وظيفة، ووظائف الصناعات التحويلية (2.5 مليون وظيفة)، ووظائف غير مباشرة (نحو 42 مليون وظيفة)... وأن تطوير هذه الصناعة والالتفات لها سيسهم أيضا في القضاء على البطالة لدينا شأنها شأن بقية الصناعات الأخرى التي تعتبر المحرك الرئيسي في توليد الوظائف عالميا».
 




رئيس المؤتمر ورئيس اللجنة الوطنية لصناعة الحديد المهندس رائد العجاجي

من هذا المنطلق، يأتي هذا التقرير ليلقي الضوء على ما تشهده المملكة من تحولات جارية منذ ما يزيد على أربع سنوات أي منذ إطلاق رؤية المملكة 2030 وتأثيرات ذلك على صناعة الحديد والصلب، وهو ما عبر عنه وزير الصناعة «الخريف» بقوله: «إن المملكة تستهدف من خلال رؤيتها إلى توسيع مقومات التنمية المستدامة، ورفد الاقتصاد الوطني بقطاعات جديدة واعدة، وفي سبيل ذلك أطلقت برنامج تطوير الصناعات الوطنية والخدمات اللوجستية، الذي نجح في تنفيذ ما يقارب 300 مبادرة، تُشكل ثلث مبادرات الرؤية لتعزيز تنويع القاعدة الاقتصادية والصادرات غير النفطية، وذلك بالارتكاز على أربعة قطاعات رئيسية متمثلة في: الصناعة، والتعدين، والطاقة، والخدمات اللوجستية». وفي القلب من كل هذه القطاعات الأربعة يأتي الحديث عن صناعة الحديد والصلب التي تتمتع بتاريخ طويل من العناية والرعاية الحكومية، إدراكا لأهمية هذه الصناعة في تحقيق التنمية الشاملة.

لذا، شهدت تلك الصناعة اهتماما كبيرا ضمن مرتكزات رؤية المملكة 2030. خاصة في ظل السعي نحو رفع مستوى مساهمة القطاع التعديني في إجمالي الناتج المحلي الإجمالي من 17 مليار دولار حاليا ليصل إلى 64 مليار دولار بحلول عام 2030.
الأمر الذي ساهم في تعظيم دور المؤسسات السعودية العاملة في هذا المجال والبالغ عددها 7551 مصنعا مرخصا بإجمالي قوى عاملة يزيد عددها عن 800 ألف عامل وبحجم استثمارات تصل إلى أكثر من تريليون ريال وبطاقة إنتاجية تبلغ نحو 13 مليون طن سنويا. ويمكن استعراض أبرز المصانع السعودية العاملة في صناعة الحديد والصلب في الجدول الآتي:
 
أبرز شركات الحديد والصلب في المملكة العربية السعودية

الشركة السعودية للحديد والصلب
تأسست الشركة في منطقة الجبيل عام 1979 م، وهي مملوكة بالكامل لشركة سابك السعودية. وقد بدأت الإنتاج عام 1983. حيث تنتج آسياخ وقضبان التسليح ولفات الأسلاك والمقاطع الحديدية ومسطحات الصلب. وفي عام 2000 بدأت إنتاج مسطحات الصلب، وقد شهدت توسعة جديدة، رفعت من خلالها طاقتها الإنتاجية من منتجات الصلب الطويلة والمسطحة. ويعمل بها 3500 موظف.
ويذكر أن منتجات شركة (سابك) المعدنية شاركت في صناعة النهضة العمرانية على المستويين المحلي والإقليمي، كما تلعب دورا بارزا في برامج التنمية الصناعية والعمرانية في عدد من أسرع الاقتصادات نموا على الخريطة العالمية.
 
شركة مصنع جدة الوطني للحديد
أنشئت الشركة عام 1976م، وهي شركة تابعة لقطاع الصناعات التحويلية، عدد الموظفين بها نحو 35 موظفا. وتقوم الشركة بتصنيع المواسير، والمراجل، والسفع الرملي، وصهاريج التخزين، وتركيب وطلاء الهياكل الفولاذية.
 
مصنع بولان الحديد
تأسس المصنع عام 2005م، وهو مؤسسة شركات ومؤسسات لحاء، وتقدر مساحة المصنع نحو 11.000 متر مربع، برأسمال يقدر بـ20 مليون ريال سعودي.
 
شركات حديد الراجحي
هي إحدى شركات محمد عبد العزيز الراجحي، قام بإنشائها الشيخ محمد عبد العزيز الراجحي وذلك عام 1984م وهو العضو المنتدب لشركة التنمية الزراعية، وأيضا عضو مجلس إدارة شركة الخزف السعودي.
ويذكر أنه قد تم في مدينة الرياض تشغيل أول خطوط إنتاج التسليح عام 1996. أما خطوط الدرفلة فكانت عام 2007م، وفي مدينة جدة عام 2012 تم إنشاء مصنع الدرفلة الجديد. ويذكر أن هذه الشركة هي إحدى ثلاث شركات تابعة لها، وهي: مصنع الراجحي للصناعات الحديدية في العاصمة الرياض، والمصنع الثاني مصنع العاصمة للمنتجات الحديدية، ويوجد أيضا في الرياض، والمصنع الثالث مشروع كتل الصلب في مدينة جدة.
المصدر: ميرفت عبد المنعم، أسماء شركات الحديد السعودية بالترتيب، أغسطس (آب) 2017 

https://www.almrsal.com/post/513271
 
وفي ضوء ما سبق، نخلص إلى القول إن هذا المؤتمر الدولي الأول لصناعة الحديد والصلب قد حظي باهتمام كبير من جانب المملكة التي تنظر إلى هذه الصناعة على أنها واحدة من ركائز الصناعات الاستراتيجية التي يُعول عليها للعب دور محوري في تحقيق رؤية المملكة 2030 عبر دفع عجلة النمو الاقتصادي نحو تعزيز تنويع مصادر الدخل ودعم تطوير الصناعات التحويلية المرتبطة بها، خاصة في ظل ما تمتلكه المملكة من احتياطي الحديد الخام يبلغ نحو 780 مليون طن، وهو ما يمكن استخدامه في توفير احتياجات مصانع الحديد والصلب بما يمثل الدافع القوي لزيادة المحتوى المحلي كفرصة للمستثمرين لتطوير قدراتهم الإنتاجية من الحديد، وهو ما خرج به هذا المؤتمر من توصيات بلغ عددها 13 توصية تركزت أبرزها في العمل على تخفيض أسعار المواد الأولية محليا، وإعادة تدوير الأفران الكهربائية، وتقليل الهدر في صناعة الحديد، وتشجيع الاستثمار الخاص وتقديم التسهيلات، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وفرض معايير الجودة لمنع الواردات غير المطابقة، والاهتمام بالتعليم من خلال إنشاء أكاديمية متخصصة في صناعة الحديد والصلب.

وإذا كان صحيحاً أن هذه التوصيات التي خرج بها المؤتمر تنسجم مع رؤية المملكة 2030 باعتبارها خطوة مهمة في سبيل تعزيز دور هذه الصناعة في رفد الاقتصاد الوطني، إلا أنه من الصحيح أيضا أن ضمان النجاح في الوصول إلى هذا الهدف يتطلب وضع هذه التوصيات موضع التنفيذ من خلال العمل على مسارين مهمين:

الأول، دعم الصناعة بمزيد من التسهيلات لتعزيز قدرتها التنافسية في السوق الداخلية، خاصة في ظل تزايد ثقة المستهلكين المحليين في الحديد السعودي بعد أن اعتمدت الهيئة السعودية للمواصفات والمقاييس والجودة، بداية من 2017، مواصفات قياسية جديدة في صناعة الحديد الوطنية، وهو ما يستوجب إعادة النظر في التحديات التي تواجه هذه الصناعة المحلية والتي يتركز أبرزها في عدم توافر خام الحديد كما أشار إلى ذلك عضو اللجنة الوطنية للحديد في مجلس الغرف السعودية «محمد الجبر» بقوله: «إن عدم توافر خام الحديد الذي يعتبر المادة الرئيسية في التصنيع يعتبر من العوائق التي تواجه صناعة الحديد بالمملكة وهو ما يترتب عليه ارتفاع تكاليف الإنتاج ورسوم التصدير والمنافسة من المنتجات المستوردة للسوق المحلية»، مطالبا في ذات الوقت بحماية المنتجات المحلية، وذلك من خلال: «فرض رسوم على مثيلاتها من الواردات من الحديد لحماية المنتج الوطني... كون أن تطبيق الإجراءات الحمائية يقلص حتما قدرة الدول المصدرة التي تتمتع بفوائض إنتاج على تصدير منتجاتها إلى الدول المتمتعة بالحماية، مما سيدفعها إلى البحث عن أسواق بديلة لا تتمتع بالحماية». وهو ما شهده بالفعل عام 2018.
حينما فرضت أميركا والاتحاد الأوروبي رسوما وقائية على واردات الحديد، مما أدى إلى تحقق فائض من إنتاج الصلب العالمي بدأ يبحث عن أسواق لتصريف هذا الفائض الذي تزايد بشكل كبير مع تراجع الطلب على هذه المنتجات بسبب حالة انكماش الاقتصاد العالمي، ودخول منتجات ذات جودة منخفضة للأسواق العالمية وهو ما قلص من فرص منافسة المنتج السعودي على المستوى الداخلي في ظل الفائض العالمي من إنتاج الحديد والذي صاحبه تراجع أسعاره.
 




وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر بن إبراهيم الخريف

أما المسار الثاني فيتمثل في العمل على التوسع في تصدير المنتج المحلي للخارج، في ضوء ما منحته وزارة التجارة والاستثمار السعودية من رخص للتصدير وصل عددها حتى أواخر عام 2018 نحو (54 رخصة)، وهو ما طالب بتوسعه عضو اللجنة الوطنية للحديد في مجلس الغرف السعودية «محمد بن درجم» بقوله: «يجب العمل على تشجيع ودعم تصدير الحديد لزيادة القدرة التنافسية والتعامل بشكل إيجابي مع الفائض لسنوات طويلة، خاصة أن هناك فائضا في الإنتاج في السوق المحلية يبلغ 7 ملايين طن، وتبلغ الطاقة الإنتاجية لمصانع الحديد بالمملكة 13 مليون طن».

ويذكر أن الموانئ السعودية شهدت أول شحنة تصديرية لشركة صلب ستيل لصناعة الحديد من مرفأ جازان إلى قارة أفريقيا في يناير (كانون الثاني) 2018، ليصل إجمالي ما تم تصديره خلال ذلك العام (2018) نحو 473.1 ألف طن بقيمة مليار ريال، وهو ما مثل بدوره نقطة الانطلاق الأولى للبدء في تصدير المملكة لمنتجاتها من الحديد والصلب، مستفيدة في ذلك من تزايد عدد الجهات المستوردة. مع الأخذ في الحسبان أن التوسع في التصدير يجب أن لا يكون على حساب السوق المحلية واحتياجاتها، إذ لا تزال السوق السعودية في مزيد من الحاجة إلى الحديد كما أشار إلى ذلك وزير الصناعة السعودي بقوله: «إننا نظل من أعلى دول العالم استيرادًا لمنتجات الحديد والصلب بأكثر من 4 ملايين طن سنويًا، ما يستوجب تضافر الجهود والعمل على تقوية قاعدة صناعة الصلب الراهنة، وتطوير إمكاناته والخدمات المرتبطة به كالنقل والخدمات اللوجستية، ومضاعفة الاستفادة من تقنيات الثروة الصناعية الرابعة إحدى وسائل التمكين الرئيسية في هذه الصناعة وباقي الصناعات التعدينية»، وهو ما يعني ضرورة الالتزام الجدي بالاشتراطات الأربعة التي وضعتها وزارة التجارة السعودية والتي بمقتضاها تم السماح بتصدير الحديد، والمتمثلة فيما يأتي:

أن يكون المصدر مصنعا مرخصا، أن يكون التصدير مقتصراً على المنتجات النهائية التي تستوفي القدر الكافي من القيمة المضافة المحلية والتي تمثل 40 في المائة من قيمة المنتجات النهائية.

أن يكون المعروض من المنتجات المراد تصديرها يفي باحتياج السوق المحلية وفقا لما تحدده وزارة التجارة والصناعة، وتحصيل فرق أسعار الطاقة على الحديد ومنتجاته بين الأسعار المحلية والأسعار العالمية عند الاقتضاء وفقا لما تحدده لجنة التموين الوزارية، وذلك سعيا لتحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلية من ناحية، وخوض غمار المنافسة العالمية في سوق الحديد والصلب من ناحية أخرى، والتي من شأنها أن تعزز قوة الحركة الإنتاجية للمصانع، وهو ما ينعكس على مستويات الأسعار، وفي الوقت ذاته يسهم بشكل واسع في توفير مزيد من فرص العمل والتوظيف.

 


اشترك في النقاش