نحو استراتيجية تعبوية لضمان مستقبل الذهب الأسود

هل ينجح أرباب صناعة النفط في التعبئة ضد الراديكاليين البيئيين في قضية التغير المناخي؟
* يعتبر التغير المناخي هو القضية الأخطر والتي تؤثر سلباً على موثوقية صناعة النفط
* وضع استخدام بعض وسائط الإعلام «الإطار المتسبب» في التغير المناخي على الوقود الأحفوري، ومنها النفط، يهدف إلى إيجاد علاقة سببية بين صناعة النفط، على وجه الخصوص، وارتفاع معدل درجة حرارة الأرض
* إن تبني المملكة العربية السعودية للمدرسة الواقعية هو قرار استراتيجي سوف ينعكس بلا شك على مستقبل النفط وموثوقيته

جدة: تحول نقاش تغير المناخ تدريجيًا بعد اتفاق باريس 2015 من طاولات المفاوضات، حيث ساهم الخبراء وممثلو الأمم بشكل أساسي في صياغته، إلى التعبئة بمواقف الراديكاليين والتي تهدف إلى كسب قلوب وعقول صانعي السياسة والجمهور إلى إيقاف استخدام الوقود الأحفوري على أنه الحل الأوحد. حديثا، بدأ الراديكاليون في استغلال قنوات العولمة، والقوى الناعمة، والمؤسسات الدولية في نقل تأثيرهم من المستوى المحلي إلى العالمي، فهل سيسمح أرباب صناعة النفط لهذه التعبئة بالنجاح؟ يقوم الهدف الأساسي لصناعة النفط على الحفاظ على قيمته بإطالة استخدامه حتى آخر قطرة باعتباره المورد الموثوق الأساسي للطاقة وتجنب حجز الأصول النفطية المستثمرة والاحتياطيات تحت الأرض.
في هذا الإطار، هنالك تحديات لا بد من التصدي لها ومنها تحدي التغير المناخي، والتحدي المتعلق بالتقليل من موثوقية الطلب على النفط على المدى البعيد. في كلا التحديين، يستخدم الإعلام، التعليم، والضغط المباشر على صانعي القرار لتعبئة الرأي العام ضد النفط.
هناك مسلمة مفادها أن وسائل الإعلام هي أدوات بيد مجموعة من اللاعبين الرئيسيين، وغالبا ما تتسم أجنداتهم بعدم الموضوعية. فهي ليست فاعلة بحد ذاته، أما اتسامها السلبي في طرحها قضايا النفط فيرجع لأسباب كثيرة، لعل من أهمها، أن خصوم صناعة النفط، وخصوصا من جماعات المنفعة المنظمة، يستخدمونها بشكل مكثف ضد صناعة النفط، مسلحة بأجندات مركبة وتتسم بالديناميكية. فمثلا، تتقاطع أهداف كل من سياسات أمن الطاقة لدى الدول المستوردة وجماعات المنفعة المنظمة، مما يعزز التأثير اللاعقلاني على استهلاك النفط على المدى البعيد.
من الممكن تلخيص استراتيجية خصوم صناعة النفط بالمثل الفرنسي «التركيز على المنازلة والحرب على حساب اكتشاف الحقيقة» أو (Sustain fighting instead of promoting facts). إن الآلية التي يتم بها التأثير هي عن طريق تسييس الرأي العام والذي بدوره يحفز عملية توجيه السياسات في مسار معين ومن ثم التأثير على صانعي السياسات. بينما تقابل صناعة النفط هذه التأثير المنظم بالسلبية، في أغلب الأحيان، أو التأثير عن طريق الضغط المباشر والممنهج على صانعي السياسات، ولكن فقط عندما يكون التأثير داهما، كتكتيك دفاعي وليس بناء على استراتيجية ممنهجة. أدى ذلك، من جهة أخرى، لتقوية موقف خصوم صناعة النفط وامتد تأثيرهم إلى التعليم والتأثير المباشر على صانعي القرار.
لا بد من أن تأخذ صناعة النفط المبادرة من خصومها الاستراتيجيين، فبقاؤها في موقف المتلقي يكلفها أكثر. نحتاج إلى استراتيجية تعبئة إعلامية. إن الهدف من هذه الدراسة هي التعرف على التأثير التراكمي السلبي لوسائل الإعلام في التأثير على موثوقية صناعة النفط والخروج باستراتيجية تعبوية فاعلة للحد من تأثير التراكمي السلبي والوصول إلى تعبئة الرأي العام بالصورة الحقيقية للنفط كسلعة أساسية لازدهار البشرية في المدى المنظور، وذلك بدحض الدعوات المنادية بالتخلي عن استخدامه بأنها تفتقر إلى العقلانية، مع تعذر إحلال بدائل النفط والحفاظ على رخاء البشرية في آن واحد. أن الحل الأمثل يكمن في وضع استراتيجية تعبويه في وسائل الإعلام لتصحيح الصورة النمطية السلبية عن صناعة النفط.
تعتبر قضية التغير المناخي القضية الأخطر والتي تؤثر سلبا على موثوقية صناعة النفط. إن وضع استخدام بعض وسائط الإعلام «لإطار المتسبب» في التغير المناخي على الوقود الأحفوري، ومنها النفط، يهدف إلى إيجاد علاقة سببية بين صناعة النفط، على وجه الخصوص، وارتفاع معدل درجة حرارة الأرض. إن تقييد التنمية الاقتصادية أو النمو الاقتصادي ليسا خيارين مطروحين لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة. من جانب آخر، إن زيادة متانة موثوقية سوق النفط تنبع من التأثير الإيجابي المتبادل بين السوق النفطية وكل من الصناعة النفطية والمستهلكين، فالعلاقة بينهما ليست لعبة صفرية، وإن تعظيم منفعتيهما تأتي بالتعاون بينهما وليس التنازع.
من الأجدى بعد هذه النقطة الحديث عن الاقتصاديات المختلفة كمقررين مميزين لموثوقية سوق النفط، حيث تختلف اتجاهات سياستها كدول مستهلكة للنفط أو منتجة له.
لقد استغلت وسائل الإعلام وضعية أسواق النفط بأنها «غير مكتملة» للتدخل والتأثير على اعتبار أن التدخل الحكومي والعالمي، إن وجد، لاستكمال السوق غير فعال في إعادة تصميم آليات السوق النفطية وتحديث أو وضع السياسات واللوائح، عن طريق تعبئة الرأي العام للتأثير على صانعي السياسات. يسعى كثير ممن هم خارج السوق من ذوي المصالح المختلفة والمنتفعين إلى ملء الفراغ والتأثير في عملية اكتشاف السعر، لغايات مختلفة وبعيدا عن أساسيات السوق مما يساهم في تعاظم تذبذب سعر النفط، بشكل أكبر.

يدور النقاش حول تغير المناخ حول حرب الأفكار وتعريف الاستدامة. تتمثل استراتيجيات كلا الفريقين المتعارضين في كسب القلوب والعقول من خلال قنوات التعبئة.
هناك مدرستان رئيسيتان للتصدي لتحدي التغير المناخي وزيادة تركيز الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي، وهما المدرسة الراديكالية والمدرسة الواقعية. في المدرسة الراديكالية، يسعى نشطاء البيئة المتطرفون إلى الترويج لتفسيرهم لمفهوم «الاستدامة العميقة» من خلال مسار الحد الكلي من غازات الدفيئة أو «إزالة الكربون العميق» من خلال الدعوة إلى وقف استخدام الوقود الأحفوري بشكل دائم واستخدام الطاقة المتجددة، كبديل للفحم والنفط والغاز الطبيعي، من غير النظر إلى ما يمثله ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية سلبية على الاقتصاد العالمي والسلم العالمي. للأسف، رددت وسائل الإعلام العالمية هذه الدعوة من غير تفحص عقلاني لمآلاتها. تتمثل استراتيجية المدرسة الراديكالية في وضع أجندة وسائل الإعلام لمناقشة تغير المناخ باستمرار على سلم الأولويات، بوضع إطار للوقود الأحفوري، وليس غازات الدفيئة، كخطر داهم على المناخ، ومن ثم الحكم المسبق، ليكون «وقف استخراج الوقود الأحفوري التام» هو الحل الوحيد، وذلك عن طريق استخدام منافذ عاطفية لإقناع عامة المستهلكين، ومن ثم حصار خيارات المستهلك العقلاني وتحديدها.
لا يكشف العلماء الراديكاليون عن مبادئهم الأساسية على الجمهور في تعريف الاستدامة الدائمة، وإلا فسيتم رفضهم من خلال منظومة القيم الاستهلاكية المتأصلة في «الجنس البشري». بدلاً من ذلك، يقومون بتسويق أنماط استهلاك على أنها اقتصادية، وصديقة للبيئة في وقت واحد، من خلال قنوات التعبئة، دون أي دليل عقلاني على الفكرة. نتيجة لذلك، تنشأ إنماط استهلاكية تطوعية لبعض الأفراد النخبويين والذين يستجيبون للتعبئة لدوافع مختلفة، ومنها الحفاظ على ريادتهم النخبوية، حيث يقوم هؤلاء بدور التبشير ونشر هذه الأنماط بين بقية أفراد المجتمع، حتى تصبح هذه الأنماط الاستهلاكية التطوعية أنماطا اعتيادية، دون الرجوع إلى ما تمثله هذه الأنماط من نقض لمفهوم الاستدامة. وأيضا، تمثل العولمة والتأثير بالقوى الناعمة والمؤسسات الدولية قنوات فعالة لانتشارها بين الدول، وحيث تجد الدول المصدرة لهذه الأنماط أسواقا مهمة لسلعها.
من هذه الأمثلة استخدام السيارة الكهربائية الباهظة الاستخدام، والتي تستنزف معادن مختلفة غير قابلة للتجدد ولا يمثل إعادة تصنيعها أي جدوى اقتصادية.
في المدرسة الواقعية، يرى الواقعيون أن «إزالة الكربون العميق» هو طريق يؤدي إلى تنمية غير مستدامة، سواء اقتصاديا أو اجتماعيا، وأيضا، هو طريق محفوف بالمخاطر البيئية، وقد يؤدي إلى نتائج كارثية عواقب على الاقتصاد العالمي والحضارة الحديثة، على وجه العموم.

بدلا من ذلك، يقترح الواقعيون مسارا متدرجا للتخفيف من الغازات الدفيئة حيث يتبع «سيناريو الدرجتين المئويتين» من دون تجاوز الحد الأقصى في 450 جزء في المليون مكافئ ثاني أكسيد الكربون عن طريق برمجة خفض الانبعاثات المسموح بها عالميا. أيضا، نجاح هذا المسار يعتمد على الابتكار في خفض الانبعاثات الناتجة عن الاستخدام الحالي للوقود الأحفوري حتى تنضج التقنيات الحادة من الانبعاثات، كمسار مستدام متكامل مع تقنيات بدائل النفط، والتي لا تمثل بديلا اقتصاديا محتملا على المدى المنظور. إن الاستثمار في استخدام التقنيات الانتقالية مثل «استخدام ثاني أكسيد الكربون» وتقنيات حبس الكربون، واستخراج الهيدروجين، من خلال البحث العلمي المثابر، يمثل النواة الاستراتيجية للمدرسة الواقعية.

يكمن خطر المدرسة الراديكالية في دعوتها الصريحة لتغير الأنماط الاستهلاكية القائمة على استهلاك النفط كالدعوات إلى تقنين الملكية الخاصة لوسائل النقل للحد الأدنى واستبدالها باستخدام وسائل النقل المشتركة، أو جعل امتلاك وسائل النقل الخاصة مقصورا على السيارات الكهربائية، سواء عن طريق التشريعات الحكومية أو التأثير المباشر لجعل استخدام وسائل النقل المشتركة وامتلاك السيارات الكهربائية واجبا اجتماعيا على الفرد القويم. ويكمن الخطر الآخر في توجيه البحث التقني لخدمة مفهوم «الاستدامة العميقة» على حساب الاستثمار في تقنيات «تخضير» النفط الأكثر حضا في نضجها وتحولها إلى الاستخدام الاقتصادي.
إن تبني المملكة العربية السعودية للمدرسة الواقعية هو قرار استراتيجي سوف ينعكس بلا شك على مستقبل النفط وموثوقيته، ويمثل بعدا عقلانيا عن المدرسة، سيئة السمعة وغير العقلانية، والتي ترى أن التغير المناخي لا أساس علميا له، وأن التغير المناخي عبارة عن دورة طبيعية. يترتب على هذا التبني ضرورة قيادة المملكة إعادة تأطير الدعوات التي ترى أن التقنية قادرة على تخضير صناعة النفط، وذلك بإعداد استراتيجية تعبوية ممنهجة.
يقوم مفهوم التعبئة على مجموعة من الأنشطة الاستراتيجية المخطط لها والمصممة للتأثير على التفضيلات الاستهلاكية الفردية والآراء حول الاستهلاك الجماعي في قرارات الأفراد والحكومات والمنظمات الدولية والتي تهدف لتغيير السياسات العامة أو اللوائح الدولية عن طريق توزيع الموارد أو تغيير المواقف الاجتماعية أو التأثير في العمليات السياسية. هنالك ثلاث قنوات رئيسية للتعبئة: الضغط المباشر على الحكومات والمنظمات الدولية؛ والتعليم العام؛ والأهم من ذلك النشاط الإعلامي.
أقترح مسارين استراتيجيين للتعبئة. الأول يقوم على التعبئة لجعل سياق النقاش بفعالية المدرسة الواقعية، ودحض التفسيرات الخاطئة لمفهوم الاستدامة.
التركيز في هذه الاستراتيجية يجب أن يكون في الحد من نقل أنماط الاستهلاك التطوعية غير المستدامة، عن طريق القوى الناعمة والمؤسسات الدولية. وتشتمل هذه الاستراتيجية على إعادة تعريف جهود التخفيف من آثار تغير المناخ ضمن إطار التنمية المستدامة، ورصد مؤشرات تغيير الأنماط الاستهلاكية. ويزيد من نجاعة هذه الاستراتيجية وضع أجندة مشتركة ترتبط بمواقف أو قيم أو تجارب بين مجموعات تتحالف بين الدول المختلفة وتهدف إلى التأثير على المناخ التشريعي والإعلام.

والثاني أن يتوجب أن توجه التعبئة لصالح الاستثمار في البحث العلمي الفعال بحيث لا تقتصر على تخضير النفط والحفاظ على قيمته فحسب، بل بإمكانية خلق أسواق إضافية لاستهلاكه، كاستخدامه في اقتصاديات الهيدروجين وتقنيات خزن الطاقة المتعددة. وتقوم الفكرة الرئيسية لهذه الاستراتيجية للتعبئة نحو صناع القرار لإعادة تعريف ثاني أكسيد الكربون كعنصر محتمل لكثير من الصناعات ذات العائد الاقتصادي والذي يساهم بدوره في تكلفة حجز الكربون بواسطة: البحث العلمي، وتطوير حلول تشريعية، وتطوير العلاقات والتواصل العلمي مع مجتمعات الأعمال ووسائل الإعلام الإخبارية وحملات وسائل الإعلام.
إن نمو الطلب على النفط سيتشكل أساسا من نمو الاستهلاك من اقتصادات الصين والهند. فخطورة تعبئة الراديكاليين لمفهوم الاستدامة العميقة في الاقتصاديات التي تتشكل فيها الأنماط الاستهلاكية أكبر بكثير من تلك التي تحاول التأثير على أنماط استهلاكية متجذرة. لأننا لا بد أن نولي اهتماما أكبر بنشر مفهوم «الاستدامة الدائمة» في هذه المجتمعات، لأن مستقبل النفط سيبقى مشرقا ما دام الطلب على النفط ينمو مع نمو الطبقة المتوسطة بها.
 
 


اشترك في النقاش