روسيا في سوريا: لاعب أساسي «لا يُقرر»

* يعلم بوتين جيدًا أن المستنقع السوري، لن يقرر فيه وحده مهما حشد حوله من دول لها ما لها على الأرض، لأن حسابات المكسب مختلفة

شكل التدخل العسكري الروسي المباشر في سوريا نقطة تحوّل في شكل ومفهوم الصراع الدائر في البلاد منذ أكثر من 8 سنوات.

ففي 30 سبتمبر (أيلول)، حلت الذكرى الرابعة لهذا التدخل العسكري، حيث تعهد حينها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه سيكون لثلاثة أو أربعة أشهر فقط، ومضت أربع سنوات ولا يزال التدخل العسكري مستمرًا، بل ولا يلوح في الأفق القريب بوادر أي انسحاب روسي، ولا بوادر أي حل جدي في البلاد.

التدخل الروسي الذي ما كان ليحصل لولا التخبط الغربي وتحديدًا الأميركي حيال الأزمة السورية، ولولا انسحاب أوباما من المنطقة غير آبه بما سيتركه خلفه، وهو الذي اعتبر أنه حقق انتصارًا كبيرًا بوصوله لاتفاق حول الملف النووي مع إيران، ليترك بعدها المنطقة في فوضى غير خلاقة.

فبعدما فقد النظام السيطرة على أكثر من 60 في المائة من الأراضي السورية وبعدما أُنهكت قوات الأسد والقوات الإيرانية والميليشيات الشيعية المقاتلة معه، كانت حجة بوتين أن عليه التدخل لحماية مؤسسات الدولة من الانهيار، بينما صرح بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق البابا يوحنا العاشر وهو يبارك الجنود قبل سفرهم إلى سوريا للمشاركة في القتال، بأن «التدخل الروسي هو لحماية المسيحيين»، واعتبر بعض المسؤولين الروس أن روسيا تدخلت لمحاربة الإرهاب، أو كما قال أحد باحثيها في جلسة مغلقة في بيروت قبل أسابيع، إن «روسيا أرادت أن تقضي على (الإرهابيين) في سوريا كي لا تضطر إلى محاربتهم لاحقًا على الأراضي الروسية».

أما في هذا الجانب من العالم، فاعتبر بعض السياسيين والمسؤولين العرب، أو كما أوحت لهم روسيا، أنها تتدخل في سوريا للحد من الانتشار الإيراني وعبث الميليشيات الشيعية في البلاد. وإذا غضضنا النظر عن السبب الأساسي لهذا التدخل، ما علينا إلا أن ننظر إلى ما حققته فعلاً روسيا بعد أربعة أعوام على مشاركتها العسكرية في سوريا، إذ أسفر التدخل الروسي عن مقتل أكتر من 6682 مدنيًا بينهم 1928 طفلاً كما ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في تقريرها

المنشور قبل أيّام، ولم تساهم أو لم تنجح روسيا في تطبيق مبادرتها لإعادة اللاجئين إلى سوريا كما وعدت، بل تفاقمت أزمة اللجوء والنزوح، إذ للمفارقة تسبب القصف الروسي بتهجير ونزوح 3.3 مليون سوري من منازلهم (كما ذكر تقرير الشبكة).

وفي المقابل، ضمنت روسيا لنفسها مكاسب اقتصادية واستثمارية في سوريا على المدى الطويل، فوقعت مع النظام عقودًا طويلة الأمد، لاستخدام قاعدة حميميم الجوية، وميناء طرطوس، وعقودا لصناعة وإنتاج الفوسفات، وحصلت على الحق الحصري للتنقيب عن الغاز والنفط في المياه الإقليمية السورية.

وبعد أكثر من عام على تدخلها العسكري، شكلت روسيا مع كل من تركيا وإيران تحالف آستانة، ووقعت لاحقًا دول هذا التحالف اتفاقية خفض التصعيد، التي تسببت بخسارة المعارضة المسلحة المقربة من تركيا الكثير من الأراضي والمدن وسقوط مئات القتلى، بل وتدمير مدن بأكملها في مناطق خفض التصعيد في إدلب مثلا كما صرح مارك لوكوك وكيل الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية والإغاثية.

وسياسيا وبعد عامين على بداية التدخل العسكري الروسي، حلت اتفاقات آستانة وتوصيات مؤتمر سوتشي الذي رعته روسيا، مكان مفاوضات جنيف، وتحولت الأمم المتحدة إلى مراقب ومسير لتطبيق الاتفاقات الثلاثية في سوريا، وقد ظهرت نتائج هذا الأمر مؤخرًا بتشكيل اللجنة الدستورية.

أما داخل منظومة النظام السوري، فتحدثت بعض المصادر عن إعادة هيكلة روسية لبعض مراكز القوى في هيئة أركان النظام وقواته العسكرية، حيث وضعت فيها موالين لها في مراكز القرار، دون أن يعني ذلك الحد من النفوذ الإيراني، بل تقاسم النفوذ داخل «المؤسسات» السورية بين موالي إيران وروسيا، في الوقت الذي حافظ فيه الإيرانيون على ميليشياتهم وتواجدها بالتعاون مع النظام.

إذن، أربعة أعوام من التدخل العسكري الروسي المباشر، استطاعت خلاله روسيا إعادة سيطرة «النظام» على أكثر من 60 في المائة من الأراضي السورية، كما استطاعت انتزاع لقب المفاوض الأول واللاعب الأساسي، لتحل توصياتها واتفاقاتها مكان قرارات مجلس الأمن المتعلقة بسوريا، والتفاهمات العربية والدولية حيال الشأن السوري.

روسيا التي كادت تخسر نفوذها في الشرق الأوسط بعد سقوط نظام صدام حسين ومعمر القذافي، أعادت دورها وثبتت أقدامها من خلال تدخلها المباشر في سوريا، وتحالفها مع كل من إيران وتركيا وإسرائيل. ولكن السؤال المطروح، هل بإمكان روسيا إنهاء الحرب في سوريا وفرض حل يناسب مصالحها وحلفاءها دون الأخذ بالاعتبار مصالح القوى الأخرى الغائبة حاليًا عن الساحة السورية لانشغالها بملفات أخرى، أم إن روسيا باتت ترى نفسها كمن يصرخ في الوادي ولا أحد يسمع، أو بالأصح لا أحد يرغب اليوم بالجلوس معها كقوة عظمى ليفاوضها على ملفات تملكها؟

في المحصلة، يعلم بوتين جيدًا أن المستنقع السوري، لن يقرر فيه وحده مهما حشد حوله من دول لها ما لها على الأرض، لأن حسابات المكسب مختلفة.