«مظاهرات العراق»... رسالة غضب ضد طهران

موجهة ضد الأحزاب الشيعية وفساد الحياة السياسية وسوء الأوضاع المعيشية
* توسع التدخل الإيراني للقضاء على الاحتجاجات سيزيد الوضع التهاباً
* المظاهرات العراقية رسالة واضحة إلى إيران بعد أن «طفح الكيل»
* مدير أسبق لكلية الدفاع الوطني: الحراك الشعبي في العراق لمواجهة التغول الشيعي
* رفض سلوك الميليشيات الإيرانية الشيعية في العراق وهيمنتها على الوضع أحد أهم أسباب المظاهرات

القاهرة: أثارت المظاهرات العراقية خلال الأيام الماضية الكثير من التساؤلات عن حقيقة الوضع داخل المدن العراقية، خاصة بعد التوسع الفجائي والمتصاعد لدائرة الاحتجاجات التي تحولت لغضب شعبي يمثل تحديا كبيرا لرئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الذي تولى السلطة العام الماضي بدعم عدد من الأحزاب الشيعية، خاصة مع زيادة واستمرار تدهور مستوى المواطن العراقي، ويبرز تساؤل مهم هل ما يحدث هو نتيجة منطقية لممارسات بعض الأحزاب العراقية الشيعية المرتبطة بإيران والتي ما زالت أصابعها تعبث بالداخل العراقي خاصة مع تفاقم واستشراء الفساد الحكومي الذي أدى إلى فساد الحالة السياسية، ورغبة المحتجين في تحسين الأوضاع المعيشية والاجتماعية.
التخوف الأكبر من احتدام الاحتجاجات يكمن في توسع التدخل الإيراني للقضاء عليها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال أذرع طهران داخل العراق، وهو سيناريو سيزيد التهابا في حالة دخول العشائر الشيعية والسنية في تداعيات الأزمة.
وأعلن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي مناقشته للتطورات الأخيرة مع كل من وزير الخارجية الأميركي والروسي، ودعا الرئيس العراقي برهم صالح كذلك إلى حوار وطني من دون تدخل أجنبي بعد أكثر من أسبوع من أعمال العنف أدت إلى مقتل أكثر من مائة شخص وإصابة أكثر من ستة آلاف من العراقيين بسبب المظاهرات المطالبة بتغيير الحكومة والقضاء على الفساد، وتوجيهه كلمة عبر التلفزيون العراقي إلى الشعب حذرهم فيها ممن سماهم المتربصين والمجرمين وأعداء الوطن الذين واجهوا كلا من القوات الأمنية والمتظاهرين بالرصاص داعيا إلى منع استخدام القوة المفرطة من القوى الأمنية والذي لم تنفه الأخيرة في مواجهتها للاحتجاجات وأكدت أنها ستحاسب المتسببين في ذلك من عناصر الأمن، ودعا إلى تعديل وزاري وطالب البرلمان بتطبيق إصلاحات لتلبية مطالب المحتجين خاصة في المجال الانتخابي، وإلى تعويض من تضرروا جراء الاحتجاجات.
 
اتهامات للأحزاب الشيعية
وكان لمدينة الصدر أحد معاقل الشيعة في العراق النصيب الأكبر من العنف ضد المتظاهرين وهي معقل الزعيم الشيعي مقتدي الصدر الذي دعا إلى استقالة الحكومة العراقية ردا على ما يحدث، وفي المقابل اتهمت الحكومة العراقية من سمتهم «المندسين» و«القناصة المجهولين» بالتسبب في وفاة المتظاهرين والقوات الأمنية من دون تفرقة، ومع الاتهامات التي تطال الأحزاب الشيعية بالمسؤولية عما يحدث في العراق وتدهور الأوضاع هناك أعلن فالح الفياض رئيس هيئة الحشد الشعبي أن فصائله المقربة من إيران وغالبيتها شيعية ستقوم بمنع أي انقلاب أو تمرد داخل العراق إذا طلبت الحكومة منه ذلك، منددا بمن سماهم المتآمرين على استقرار العراق ووحدته، ملمحا إلى أن الحشد الشعبي يريد إسقاط الفساد وليس النظام العراقي في رد على هتافات المتظاهرين «الشعب يريد إسقاط النظام»، ملمحا إلى معرفته بمن يقف وراء المظاهرات– بحسب تعبيره– والقصاص منهم.


 
قوة مفرطة
المظاهرات والاحتجاجات التي طالبت بالتوظيف والخدمات العامة ورحيل النظام العراقي تركزت بشكل أكبر في مدينة الصدر وحولها في أطراف العاصمة بغداد، ورغم عودة الحياة إلى طبيعتها بشكل تدريجي إلا أن التوتر ما زال قائما في البلد الغني بالنفط والذي لم يشهد استقرارا حقيقيا منذ عام 2003 بسبب محاولات فرض السيطرة من قبل الشيعة المرتبطين روحيا وسياسيا بإيران.
وأعربت منظمة العفو الدولية في وقت سابق بعد اعتراف القوات الأمنية العراقية باستخدام القوة المفرطة بضرورة وقف العنف تجاه المتظاهرين من قبل قوات الشرطة والجيش، ومحاسبة المتسبب في قتل العشرات، وإصابة الآلاف، في الوقت الذي طالبت فيه اللجنة الدولية للصليب الأحمر بضرورة توفير ممرات آمنة للوصول إلى الجرحى
 
تداعيات مقلقة
التداعيات الجديدة للتوترات في العراق بتجمع المتظاهرين في مدينة الصدر مؤخرا تمثل تحديا جديدا للسلطات العراقية خاصة بعد أن امتد العنف والاشتباكات إلى المدينة حيث تعتبر الاضطرابات الأسوأ منذ القضاء على تنظيم داعش قبل نحو عامين، وتعد صعوبة الوضع في هذه المدينة تحديدا بسبب ضيق أزقتها، وافتقادها للبنية التحتية المناسبة، وكذلك نسب البطالة المرتفعة فيها.
كتلة مقتدي الصدر التي يقاطع نائبها جلسات البرلمان انتقدت التجاوزات الأمنية في حق المتظاهرين وقطع وسائل الاتصال والإنترنت مما ساهم في تأجيج الغضب ولم يشأ الجيش العراقي التصعيد في مدينة الصدر وسحب قواته تاركا المهمة لقوات الشرطة وذلك لتجنب الاشتباك مع رجال مقتدي الصدر رجل الدين الشيعي المعارض الذي طالب الحكومة العراقية بالاستقالة رداً على توسع نطاق الأزمة التي لم تشهدها العراق منذ عودة الهدوء النسبي والذي استمر على مدار العامين الماضيين والتي كان أحد بواعثها الذي ردده المتظاهرون تفشي للفساد وسط الحكومة العراقية والذي يمنع الاستفادة من حالة الاستقرار النسبي خلال الأعوام الأخيرة عقب سنوات عجاف من الاحتلال والتناحر الطائفي الذي أعقبه، وهو ما قوبل برد فعل عنيف وقتل مباشر من قناصة تواجدوا على أسطح المنازل وزاد من وتيرة الاحتجاجات التي تأججت أيضا بسبب قطع وسائل الاتصال والإنترنت التي عادت بشكل جزئي مؤخرا، فيما حاولت الحكومة تدارك الموقف من خلال عرضها بعض المزايا، ومنها وعود بدعم الإسكان الشعبي ودفع إعانات بطالة للعاطلين، ومبادرات لإقراض الشباب.
 
سلوك إيراني
رفض سلوك الميليشيات الإيرانية الشيعية في العراق وهيمنتها على الوضع هناك بحسب الكثير من المراقبين كان أحد أهم أسباب المظاهرات التي قام بها العراقيون خاصة مع ارتباط هذه الهيمنة بحالة من الفساد المنتشر في ربوع أجهزة الدولة العراقية، مع تنامي البطالة والفقر مع ثراء لعدد من المسؤولين والمقربين من دوائر السلطة والبيروقراطية الحكومية التي اقترنت بالكثير من الممارسات السلبية، وكان اللافت ظهور مراحل سنية صغيرة في المظاهرات مما يدل على نمو الوعي بين هذه الفئات في ظل الرغبة في التخلص من الممارسات الحكومية التي كانت سبباً قبل ذلك في الكثير من الانتفاضات داخل العراق ومنها داخل المناطق السنية وفي كردستان العراق والتي قمعها الحشد الشيعي وذلك رغم رفض الأكثرية الشيعية ما تقوم به إيران داخل العراق ولكن كان تخوفها من المواجهة مع الميليشيات الشيعية ومن داعش في ظل ضعف المعارضة المدنية في مواجهة النفوذ الإيراني المتمثل في الميليشيات الموجودة والمنتشرة في كل مكان داخل مؤسسات الدولة.


 
ترقب أميركي... وروسيا على الخط
الموقف الأميركي من الأزمة العراقية كان مثل غالبية المواقف الأميركية متربصا ومراقبا للوضع القائم ومنتظرا لتطورات اللحظة الأخيرة مثلما فعلت أميركا في الكثير من المواقف بعدد من الدول، ودلل على ذلك تأكيد وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في اتصاله برئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي على ثقته في القوات العراقية، وتأييده للحكومة في خطواتها لاستعادة الأمن داخل العراق، فالمصالح الأميركية ما زالت مرتبطة بالحكومة العراقية الحالية وفي نفس الوقت رافضة للتدخل الإيراني في العراق على الأقل بحسب المعلن من واشنطن التي تطالب في كل موقف مشابه بضرورة وقف العنف وضبط النفس وغيرها من العبارات الدبلوماسية الشائعة، وتزيد حدة المواقف الأميركية المحايدة إلى حد ما في هذه المرحلة تحديدا والتي يعاني فيها الرئيس ترامب من مشاكل داخلية، ومحاولات عزله.
الموقف الروسي ظهر واضحا من خلال تفعيل أول زيارة لسيرغي لافروف وزير خارجية روسيا إلى العراق منذ خمس سنوات وهو ما يدلل على أهمية الأحداث بالنسبة للقوى الكبرى في المنطقة، وقام لافروف بإجراء مباحثات مع الرئيس العراقي برهم صالح ورئيس الوزراء عادل عبد المهدي ووزير الخارجية علي الحكيم قبل أن يتوجه إلى إقليم كردستان.
ومن جانبه وفي محاولات لحلحلة الأزمة صوّت مجلس الوزراء العراقي خلال جلسته التي أقيمت مؤخرا على إلغاء مكاتب المفتشين العموميين التي تتواجد داخل الوزارات والهيئات وهي غير مرتبطة بوزارة معينة لفحص ومراجعة جميع سجلات الوزارة وكل ما تقوم به من نشاط بهدف ضمان النزاهة والشفافية، ويعمل بها نحو 10 آلاف موظف.

 




اللواء الدكتور محمد الغباري


 
الأحزاب الشيعية تعمل منفردة وهي سبب التوتر
اللواء الدكتور محمد الغباري مدير كلية الدفاع الوطني الأسبق بأكاديمية ناصر العسكرية العليا في مصر قال لـ«المجلة»: «كان السيناريو المعد قبل ذلك هو تقسيم العراق إلى ثلاث دول عند العدوان عليه عام 2003. وكان أول مرة يتم فيها تطبيق حروب الجيل الرابع على العراق، وكانت التجربة في بدايتها، فتم فصل الجيش العراقي وتقسيمه بين سنة وشيعة، وبناء على ذلك تم حل الجيش وضاعت العراق من دون معركة واحدة، وتم تمكين الشيعة من الحكم، وقاموا بإدارة ظهرهم لأميركا والتنكيل بالسنة من خلال مذابح متعددة شاهدها الجميع، وتم بشكل أو بآخر استدعاء تنظيم القاعدة في العراق للوقوف أمام الشيعة، وذلك بهدف إحداث التوازن هناك خاصة مع تغول الشيعة الذي لا ينفصل عن إيران».
وتابع الدكتور الغباري: «عندما دخل تنظيم داعش (النسخة الأخرى من تنظيم القاعدة) إلى سوريا، بدأت الشيعة تعود للسيطرة على العراق بالكامل، وهذا ضد فكرة إقامة الدولة السنية التي كانت تخطط لها الولايات المتحدة الأميركية، فاليوم تريد واشنطن إعادة الموضوع، وإحداث توازن مع الشيعة في العراق وذلك من خلال تنشيط السنة مرة أخرى».
وأضاف: «الحراك الشعبي الموجود في العراق حاليا هو بشكل أو بآخر لمجابهة التغول الشيعي في العراق بعد أن فاض الكيل بالسنة الذين يريدون استعادة جزء من مكانتهم في العراق لإقامة دولتهم».
 
تدهور الأوضاع المعيشية في العراق سببه سيطرة الشيعة
وعن مسؤولية الأحزاب الشيعية التي تتولى مقاليد السيطرة في العراق عن تدهور مستوى معيشة المواطن العراقي قال: «الأحزاب الشيعية تعمل منفردة، وهي مسؤولة عن تدهور الأواضع المعيشية للعراقيين، ولنتذكر التفجيرات المتبادلة في العراق بين الشيعة وبين تنظيم القاعدة، والتساؤل هنا – والحديث لا يزال للدكتور اللواء الغباري - عندما دخل تنظيم داعش إلى سوريا فهل كان هناك تفجيرات أم قام الشيعة بتفعيل الحشد الشعبي وتطهير العراق من القاعدة أو من تنظيم داعش (الاسم الجديد للقاعدة)، إذن تنظيم داعش يعمل من واقع الحرب بالوكالة المعروف من القوى العظمي التي تنتظر تسليم الأرض من القوى والتنظيمات الإرهابية المعروفة، فما زال الموضوع معلقا ولم يحسم بعد».
وتابع: «أميركا تريد تحجيم الحشد الشعبي في العراق بدعم الثورة الشعبية والتنظيمات المناوئة للشيعة لإحداث توازن مع القوى الشيعية الموجودة في العراق وفي المنطقة التي تدعمها إيران بالطبع»
وأضاف: «الهدف هو تحجيم الشيعة وإيران في العراق من خلال الضغط الأميركي على إيران في سياق دعم الانتفاضة العراقية الجديدة والضغط على الحشد الشعبي داخل العراق، وطرده من أماكن معينة ستجد أن أميركا تريد إعادة السنة مرة أخرى إلى العراق».
وشهدت الأحداث العراقية قلقا متزايدا لدى المنظمات الدولية خاصة بعد تهديدات وسائل الإعلام المختلفة والصحافيين الذين يقومون بتغطية الاحتجاجات خاصة أن العراق يمتلك تاريخا سيئا في مجال استهداف الصحافيين وكذلك قطع وسائل الاتصال والإنترنت، وعبرت بعض هذه المنظمات عن قلقها بعد تزايد حالة العنف من قبل عناصر ملثمة، وفرض حالة من التضييق على الصحافين من قبل القوات الأمنية، مطالبة السلطات الرسمية بحماية وسائل الإعلام والصحافيين.
 
 

 


اشترك في النقاش