العراق ولبنان: أوجه الشبه

* ليس هناك من مشروع يجمع مكونات المجتمع العراقي أو اللبناني في قالب وطني عابر للانتماءات الطائفية، بل هناك مشاريع طائفية صغيرة ومتناحرة تمنع في نهاية المطاف الاجتماع حول مطالب محددة والتحرك من أجل إجبار الحكومة إما على تنفيذها وإما الاستقالة

لبنان والعراق يتشابهان في أمور عدّة. أولا المجتمعات في البلدين هي مجتمعات طائفية، أو عبارة عن أقليات متنافسة فيما بينها على كل شيء، بدءا من عائدات البلد والسلطة فيها، وصولا إلى التحالفات الإقليمية. هذا الانقسام الطائفي والمذهبي يجعل هذه الأقليات تفتش دائما على ضمانات من خارج حدود البلد فتصبح خاضعة لتأثيرات الخارج الذي يتبناها ويدعمها ويرعاها فتمثل مصالحه في الداخل وتعمل بوحيها حتى لو أتت على حساب المصلحة العامة الوطنية.
هناك في التشابه بين الحالتين اللبنانية والعراقية أيضا فساد الطبقة السياسية المتهمة بنهب ثروات البلد من دون أن تقدم شيئا في المقابل، فترى في البلدين - مع الأخذ بعين الاعتبار فوارق قدرات كل بلد طبعا - اقتصادا ريعيا، وموازنة تعاني من مشاكل حقيقية نتيجة الترهل الوظيفي والإنفاق الحكومي الهائل ما يرتد سلبا على معيشة المواطنين.
أما التشابه الأهم بين لبنان والعراق فيبقى هيمنة وسطوة إيران على القرارات الاستراتيجية للبلدين. في لبنان تهيمن إيران من خلال «حزب الله» الذي تمكن من خلال العنف والاغتيالات من إخضاع الطبقة السياسية اللبنانية والسيطرة على القرار السياسي فيه وأيضا بعد إمساكها بقرار الحرب والسلم. اليوم هذا ما تحاول إيران تطبيقه في العراق من خلال الحشد الشعبي تحديدا الذي أصبح له نفوذ كبير جدا في العراق لا يمكن تجاهله إن كان في المجال السياسي كتشكيل الحكومة مثلا أو حتى في المجال العسكري «كمحاربة» داعش.
الاعتراض الأهلي على الأوضاع المعيشية، في لبنان كما في العراق، غالبا ما ينزل الشارع ويفجر غضبه بوجه «السلطة الجائرة» ولكنه للأسف لا يصل إلى أي نتائج ملموسة أو تغييرات يمكن أن تنعكس إيجابا على الواقع اليومي للمواطن.
لو أخذنا مثلا موضوع الكهرباء في لبنان. فالمجتمع المدني وقبل ثلاث سنوات لم ينجح في حث الدولة على إصلاح هذا القطاع. الاعتراض جاء على سوء إدارة الدولة لهذا القطاع كون الكهرباء جرحا نازفا في ميزانية الحكومة وما زال المواطن اللبناني يعاني من انقطاع التيار الكهربائي بشكل يومي.
كثيرة هي الأسباب التي تؤدي في الغالب إلى فشل الحراك الشعبي، يبقى أهمها الانقسام الطائفي والمذهبي الذي يقف حائلا أمام توحد الناس وراء مطلب معين. فمن السهولة بمكان تصوير الساسة والزعماء أي اعتراض شعبي على أنه استهداف لطائفة معينة أو حتى اتهامه على أنه مؤامرة من «العدو» ومحاولة لإثارة «الفتنة» ما هو كفيل بتحريف مطالب الناس عن أهدافها ومنع أي نقاش جدي لتلك المطالب وهذا الاعتراض.
في الاعتراض العراقي الأخير الذي انفجر غضبا في أكثر من مدينة وخلف قتلى وجرحى بأعداد كبيرة، وبعد أن هدأ زخمه جاء أحد المسؤولين ليتهم إسرائيل بالوقوف وراء هذا الحراك. للأسف مثل هذا الاتهام يقفل باب نقاش موضوعي بين المعترضين وأهل السلطة حول الأسباب التي دفعت الناس إلى الاعتراض، لا بل يصبح حتى مواصلته مستحيلة إذ يتحول الأهالي إلى عملاء ينفذون أجندة الأعداء فيصبح استهدافهم من قبل الذراع العسكرية لأهل السلطة مبررا.
هذا التصرف يلغي مبدأ المحاسبة في الحياة السياسية وبالتالي يسمح بتسلط الحاكم وتكراره لنفس الأخطاء وإلغاء الديمقراطية من الحياة السياسية.
المشكلة الأخرى في سبب فشل الحراك هي انتخاب الناس لنفس الطبقة السياسية ونفس الزعامات رغم مراكمة الفشل في أدائهم السياسي. حتى يقال إن الخيار السياسي للناخب ليس له علاقة بالنتائج بقدر ما له علاقة بالمذهبية والخوف والغريزة والقبلية.
من البديهي القول إنه ليس هناك من مشروع يجمع مكونات المجتمع العراقي أو اللبناني في قالب وطني عابر للانتماءات الطائفية، بل هناك مشاريع طائفية صغيرة ومتناحرة تمنع في نهاية المطاف الاجتماع حول مطالب محددة والتحرك من أجل إجبار الحكومة إما على تنفيذها وإما الاستقالة. فالمساءلة هنا تعتبر مباشرة تعديا على طائفة بأكملها حسب هوية المسؤول طبعا بغض النظر عن ارتكاباته.
الحراك للأسف سيظل من دون جدوى في العراق أو في لبنان طالما هذه هي حال بلداننا.