معركة شرق الفرات... حروب الآخرين في سوريا

لا أمل بحل عادل وسلام، ما دام هناك من يقبل أن يخوض معارك الآخرين، وطالما أن من كانت مسؤوليته حماية البلاد، هو أول من استنجد بالغريب لمحاربة شعبه


ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الرئيس الأميركي دونالد ترامب نيته الانسحاب من سوريا، بل عاد وأعلن هذه المرة نيته الانسحاب من الشرق الأوسط، معتبراً أن أسوأ قرار اتخذته الولايات المتحدة كان الذهاب إلى الشرق الأوسط بذريعة باطلة، في إشارة منه إلى أسلحة الدمار الشامل أيام صدام حسين في العراق.
ترامب الذي سبق وأعلن في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، وبعد مكالمة هاتفية مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان، نيته الانسحاب من سوريا مما أثار موجة واسعة من الانتقادات، واستقال على أثرها وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس، ليعود ويصرح مسؤولون في البيت الأبيض بعد أسبوعين على الإعلان أن الرئيس تراجع عن قراره، وقرر تمديد خطة الانسحاب. كان هذه المرة أكثر حزماً بقراره، وبدا الأمر وكأنه غير قابل للنقاش رغم الانتقادات القاسية التي تعرض لها حتى من الجمهوريين بمن فيهم صديقه السيناتور ليندسي غراهام.
في أغسطس (آب) من هذا العام، اتفقت تركيا والولايات المتحدة على إقامة «مركز عمليات مشتركة» لتنسيق وإدارة إنشاء «منطقة آمنة» في شمال سوريا، لتنتهي المهلة المحددة لإقامة هذه المنطقة في نهاية سبتمبر (أيلول)، وليعلن إردوغان بعدها نيته إنشاء المنطقة الآمنة منفرداً. وليعود الرئيس الأميركي ويعلن انسحاب قوات بلاده من الحدود السورية التركية، حيث صدر بيان بهذا الخصوص من البيت الأبيض بعد مكالمة هاتفية بين ترامب ونظيره التركي فاجأ الجميع، بمن فيهم إدارة ترامب نفسه، هذا القرار الذي فُهم على أنه بمثابة ضوء أخضر لعملية عسكرية تركية داخل الأراضي السورية، وتخلٍّ عن الأكراد حلفاء واشنطن المعتمدين في سوريا لمحاربة داعش.
وبعد أيّام من إعلان ترامب قرار بلاده بالانسحاب، بدأت أنقرة عملية عسكرية باتجاه الأراضي السورية أطلقت عليها «نبع السلام»، رافقت العملية موجة إدانة واسعة من الدول العربية والأوروبية، ليكرر إردوغان إثر ذلك تهديده لأوروبا بإرسال اللاجئين إليها إِنْ هي وصفت العملية بـ«الاحتلال»، ولينتقد موقف الدول العربية وعلى رأسهم السعودية، مستنكرا إدانتها وهي التي تحارب حسب وصفه المدنيين في اليمن. وهو موقف فُهم منه أن إردوغان قد حسم بذلك خياره بالتحالف مع إيران في المنطقة.
في هذا الوقت بدت كل من روسيا وإيران، وبعيدا عن تصريحاتهما الناعمة المنتقدة لعملية «نبع السلام»، في حالة ترقب، لإعلان موعد الانسحاب الأميركي الكامل من سوريا، هذا الانسحاب الذي لا يمكن أن يُقرأ إلا كهدية لنظام الأسد، وقد يذهب البعض أبعد من ذلك ليعتبره بادرة حسن نية باتجاه إيران في انتظار مفاوضات جديدة و«اتفاق نووي» جديد.
فالفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأميركي سيملأه النظام وحلفاؤه، في ظل غياب كامل لمشروع عربي موحد في سوريا، لا بل إن البعض يرى أن الدول العربية قد تتجه إلى إعادة نظام الأسد إلى جامعة الدول العربية، ردًا على التدخل العسكري التركي في سوريا، أما إذا ما استمر التصعيد في العراق فقد نرى شكلاً جديدا من داعش يعود ليتحرك بين البلدين. والأكراد الذين يشعرون اليوم بالخيانة الأميركية لهم، سيجدون حلا كما صرح مسؤولون في قسد (قوات سوريا الديموقراطية) مع النظام، والرعاية الروسية دوما حاضرة للقيام بدور الوسيط.
أما المعارضة السورية فتبدو متماهية تماماً مع المصالح التركية، والتي تتوقف عند المشاركة بلجنة دستورية هي نتاج تحالف روسيا وتركيا وايران في آستانة، والمشاركة بمعركة تركية لمنع إقامة كانتونات كردية متواصلة على الحدود السورية التركية.
هذا الوصف العام والدقيق لواقع الحال، يفيد بأن الغائب الأكبر فيما يحصل في سوريا اليوم هم السوريون أنفسهم، أو المصلحة السورية، فبعد 8 سنوات من حرب أعلنها النظام بداية على السوريين المطالبين بالتغيير، وبعد تدخل كل من إيران وميليشيات شيعية تابعة لها ومن ثم التدخل العسكري الروسي لمصلحة النظام، إضافة إلى التدخل التركي، الرامي إلى إقامة حزام على الحدود السورية التركية يقطع أي تواصل محتمل بين المناطق الكردية، باتت المعارك اليوم معارك الآخرين بأدوات سورية على الأرض السورية، وباتت الأولويات والمصالح غير السورية هي التي تحدد سير المعارك. فقوى المعارضة التي قبلت بالمشاركة مع بشار الأسد ونظامه بلجنة دستورية، ترفض الدعوة إلى إقامة حوار جدي عربي-كردي يجنب المدنيين ويلات معارك لا طاقة لهم على تحملها.
لا ننكر أن «قسد» قامت بالكثير من الجرائم بحق السوريين عرباً وأكراداً، بل وزجت الأطفال في نزاعاتها المسلحة، ولكن كذلك فعلت قوى غير كردية متطرفة، فكما رفضنا أن يُقال إن الجيش الحر هو عبارة عن متطرفين وقاعدة، على السوريين اليوم وتحديداً العرب السنة منهم، رفض التعميم الذي يتعرض له الأكراد.
8 سنوات من بداية الثورة السلمية التي طالب فيها السوريون بالحرية والكرامة لجميع مكونات الشعب السوري، استطاع النظام من خلال ممارسة العنف الممنهج والهمجي من تحويلها إلى حرب، حرب نظام ضد شعبه بداية، ولكن يبدو اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن هذه الحرب تحولت إلى حرب الآخرين على أرضنا، كما سبق ووصف الأستاذ الراحل غسان تويني الحرب اللبنانية، ولا أمل بحل عادل وسلام، طالما ما زال هناك من يقبل أن يخوض معارك الآخرين، وطالما أن من كانت مسؤوليته حماية البلاد، هو أول من استنجد بالغريب لمحاربة شعبه.