15 تريليون دولار حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوهمية

الاستثمارات الوهمية... انعدام الاستقرار المالي في اقتصادات الأسواق الصاعدة
* 600 مليار دولار سنوياً إيرادات ضائعة بسبب الملاذات الضريبية 
* لكسمبرغ وهولندا تستحوذان على ما يقرب من نصف هذه الاستثمارات
* هونغ كونغ وجزر فيرجن وبرمودا وسنغافورة وجزر كايمان وسويسرا وآيرلندا أشهر الملاذات الضريبية

القاهرة: تؤدي الشركات الوهمية التي يتم إنشاؤها في الملاذات الضريبية إلى تقويض عملية تحصيل الضرائب في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، ويستحوذ عدد قليل من الملاذات الضريبية المعروفة على الغالبية العظمى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوهمية في العالم في الجوانب المستترة.
وعلى الصعيد العالمي، تبلغ الاستثمارات الوهمية مستوى 15 تريليون دولار، أو ما يعادل مجموع إجمالي الناتج المحلي السنوي للعملاقين الاقتصاديين، الصين وألمانيا. ورغم المساعي الدولية التي تهدف إلى الحد من التحايل الضريبي، وأبرزها مبادرة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح التي أطلقتها مجموعة العشرين والتبادل التلقائي للمعلومات المتعلقة بالحسابات المصرفية في إطار مبادرة معيار الإبلاغ المشترك، يستمر ارتفاع الاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي، متجاوزا نمو الاستثمار الأجنبي المباشر الحقيقي.
وقد ارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي من نحو 30 في المائة إلى نحو 40 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر العالمي خلال أقل من عقد من الزمان، ويقتصر هذا النمو على الاستثمار الأجنبي المباشر.
وارتفع الاستثمار الأجنبي المباشر بوتيرة أسرع مقارنة بإجمالي الناتج المحلي العالمي منذ الأزمة المالية العالمية، في حين لم يحدث ذلك بالنسبة لمراكز استثمارات الحافظة والاستثمارات الأخرى عبر الحدود.


 
تكلفة الملاذات
وتكلف الملاذات الضريبية مجتمعة الحكومات ما بين 500 مليار دولار و600 مليار دولار سنويا على هيئة إيرادات ضائعة من ضرائب الشركات من خلال وسائل قانونية ووسائل ليست قانونية بدرجة كبيرة. ويمثل نصيب الاقتصادات ذات الدخل المنخفض من تلك الإيرادات الضائعة نحو 200 مليار دولار، وهي نسبة من إجمالي الناتج المحلي أكبر من الاقتصادات المتقدمة وأكثر من القيمة البالغة 150 مليار دولار أو نحو ذلك التي تتلقاها كل عام في صورة مساعدة إنمائية أجنبية.
وقد احتفظت شركات «فورتشن 500» الأميركية وحدها بنحو 2.6 تريليون دولار في الخارج في عام 2017 وإن كان جزء صغير منها أُعيد إلى الوطن عقب الإصلاحات الضريبية الأميركية في عام 2018 والشركات ليست المستفيد الوحيد. فقد قام الأفراد بإخفاء 8.7 تريليون دولار في ملاذات ضريبية، وتشير التقديرات الأكثر شمولا إلى مجموع يصل إلى 36 تريليون دولار. ووفقا لتقديرات كل منهما، بافتراض معدلات عائد مختلفة بشكل كبير، تبلغ خسائر ضريبة الدخل الفردي العالمية نحو 200 مليار دولار سنويا، والتي يجب إضافتها إلى المجموع المتعلق
بالشركات.
وتتفاوت هذه التقديرات غير المؤكدة بشكل كبير بسبب السرية المالية والبيانات الرسمية غير المكتملة؛ وبسبب عدم وجود تعريف مقبول بشكل عام للملاذ الضريبي.
ورغم أن الاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي يتلقاه في الأساس عدد قليل من الملاذات الضريبية، فإن جميع الاقتصادات تقريبا، المتقدمة، والأسواق الصاعدة، ومنخفضة الدخل، والنامية، تكون عُرضة لهذه الظاهرة.
فمعظم الاقتصادات تستثمر بكثافة في الشركات الوهمية في الخارج وتتلقى استثمارات كبيرة من هذه الكيانات، حيث تتجاوز متوسطات هذه الاستثمارات عبر كل مجموعات الدخل 25 في المائة من مجموع الاستثمار الأجنبي المباشر.


 
الشركات متعددة الجنسيات
وتشير دراسة نشرت في مجلة التمويل الدولية الصادرة عن صندوق النقد الدولي، إلى أن الشركات متعددة الجنسيات الخاضعة للسيطرة المحلية تقوم بممارسات التحايل الضريبي. وبالمثل، تشير الاستثمارات التي يتم تلقيها من الشركات الوهمية الأجنبية إلى أن الشركات متعددة الجنسيات الخاضعة للسيطرة الخارجية تسعى إلى تجنب دفع الضرائب في الاقتصاد المضيف. ومن غير المستغرب أن تعرُّض اقتصاد ما للاستثمار الأجنبي المباشر الوهمي يزداد مع ارتفاع معدل ضريبة الشركات.
وتؤدي العولمة إلى ظهور تحديات جديدة أمام الإحصاءات الاقتصادية الكلية. ففي الوقت الحالي، يمكن لأي شركة متعددة الجنسيات الاستفادة من الهندسة المالية في تحويل مبالغ مالية كبيرة في جميع أنحاء العالم، أو نقل أصول غير ملموسة عالية الربحية بسهولة، أو بيع خدمات رقمية من الملاذات الضريبية دون أن يكون للشركة وجود مادي فيها.
ويمكن أن تؤثر هذه الظواهر بشكل كبير على الإحصاءات الاقتصادية الكلية التقليدية، وتؤدي على سبيل المثال إلى تضخيم أرقام إجمالي الناتج المحلي والاستثمار الأجنبي المباشر في الملاذات الضريبية.
 
آيرلندا... نموذجا
ومن الحالات البارزة في هذا الصدد نمو إجمالي الناتج المحلي في آيرلندا بنسبة 26 في المائة في عام 2015 بعد قيام بعض الشركات متعددة الجنسيات بنقل حقوق الملكية الفكرية إلى آيرلندا، ووضعية لكسمبرغ كواحدة من أكبر البلدان المتلقية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم.
وفقا للإحصاءات الرسمية، تتلقى لكسمبرغ، البلد الذي يبلغ عدد سكانه 600 ألف نسمة، استثمارات أجنبية مباشرة تعادل ما تتلقاه الولايات المتحدة وتتجاوز بكثير ما تتلقاه الصين من هذه الاستثمارات. والاستثمارات الأجنبية المباشرة التي تبلغ قيمتها 4 تريليونات دولار في لكسمبرغ تعني أن نصيب الفرد من هذه الاستثمارات 6.6 مليون دولار.
ومن المؤكد أن وجود استثمارات أجنبية مباشرة بهذا الحجم لا يعكس حجم الاستثمارات التقليدية في اقتصاد لكسمبرغ الصغير للغاية. وغالبا ما يكون الاستثمار الأجنبي المباشر محركا مهما للتكامل الاقتصادي الدولي الحقيقي، إذ يؤدي إلى تحفيز النمو وخلق فرص العمل وزيادة الإنتاجية من خلال انتقال رؤوس الأموال والمهارات والتكنولوجيا. لذلك، يضع الكثير من البلدان سياسات لجذب المزيد من هذا الاستثمار.
 
شركات وهمية
لكن ليس كل استثمار أجنبي مباشر يجلب رأس المال الأزم لزيادة الإنتاجية. ففي الواقع العملي، يُعرَّف الاستثمار الأجنبي المباشر بأنه الاستثمارات المالية العابرة للحدود بين الشركات التي تنتمي إلى نفس المجموعة متعددة الجنسيات، والكثير من هذه الاستثمارات وهمي بطبيعته، فهي استثمارات تنتقل عبر شركات وهمية. ولا تقوم هذه الشركات الوهمية، التي يُطلق عليها أيضا الكيانات ذات الغرض الخاص، بأي أنشطة تجارية حقيقية، بل تقوم بأنشطة الشركات القابضة، أو بتقديم تمويل داخلي، أو بإدارة أصول غير ملموسة، غالبا بهدف تقليل الفاتورة الضريبية العالمية للشركات متعددة الجنسيات. وتؤدي هذه الهندسة المالية والضريبية إلى عدم وضوح إحصاءات الاستثمار الأجنبي المباشر التقليدي وصعوبة فهم التكامل الاقتصادي الحقيقي.
وهناك حاجة لبيانات أفضل لمعرفة المكان الذي توجَّه إليه مبالغ قيمتها 40 تريليون دولار في صورة استثمارات أجنبية مباشرة في جميع أنحاء العالم ومن الذي يقوم بذلك ولماذا. وعن طريق الجمع بين البيانات التفصيلية للاستثمار الأجنبي المباشر الصادرة عن منظمة التعاون والتنمية في المجال الاقتصادي والتغطية العالمية للمسح المنسق للاستثمار المباشر الذي أعده صندوق النقد الدولي.
ومن المثير للاهتمام أن عددا قليلا من الملاذات الضريبية المعروفة يتلقى الغالبية العظمى من الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوهمية في العالم. وتتلقى لكسمبرغ وهولندا ما يقرب من نصف هذه الاستثمارات. وعند إضافة منطقة هونغ كونغ الإدارية الخاصة، وجزر فيرجن البريطانية، وبرمودا، وسنغافورة، وجزر كايمان، وسويسرا، وآيرلندا، وموريشيوس إلى القائمة، نجد أن هذه الاقتصادات العشرة تتلقى أكثر من 85 في المائة من جميع الاستثمارات الوهمية.
 
استراتيجية مدروسة
وفي بعض الحالات، تكون هناك استراتيجية مدروسة على مستوى السياسات لجذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية من خلال تقديم مزايا مربحة، مثل جعل معدلات ضريبة الشركات الفعلية منخفضة للغاية أو صفرية. وحتى إذا كانت الشركات الوهمية بها موظفون أو يعمل فيها عدد قليل من الموظفين في الاقتصاد المضيف ولا تدفع ضرائب الشركات، فإنها لا تزال تسهم في الاقتصاد المحلي من خلال شراء المشورة الضريبية، والخدمات المحاسبية وغيرها من الخدمات المالية، وكذلك من خلال دفع رسوم التسجيل والتأسيس.
وبالنسبة للملاذات الضريبية في منطقة الكاريبي، تشكل هذه الخدمات النسبة الرئيسية في إجمالي الناتج المحلي، إلى جانب السياحة. وفي آيرلندا، تم تخفيض معدل الضريبة على الشركات إلى حد كبير من 50 في المائة في ثمانينات القرن العشرين إلى 12.5 في المائة في الوقت الحالي. وإلى جانب ذلك، تستفيد بعض الشركات متعددة الجنسيات من الثغرات التي تشوب القانون الآيرلندي عن طريق استخدام أساليب الهندسة الضريبية الحديثة ذات الأسماء الرمزية المبتكرة وهو أسلوب ينطوي على تحويل الأرباح بين شركات تابعة في آيرلندا وهولندا له ملاذات ضريبية في منطقة الكاريبي باعتبارها المقصد النهائي المعتاد. وينتج عن استخدام هذه الأساليب فرض معدلات ضريبية أقل أو تجنب الضرائب تماما.


 
نخفيضات ضريبية
ورغم التخفيضات الضريبية، ارتفعت إيرادات آيرلندا من ضرائب الشركات كنسبة من إجمالي الناتج المحلي نظرا للنمو الكبير في الوعاء الضريبي، وهو ما يرجع في جانب كبير منه إلى التدفقات الوافدة الضخمة من الاستثمار الأجنبي. وقد تكون هذه الاستراتيجية مفيدة لآيرلندا، لكنها تؤدي إلى تآكل الأوعية الضريبية في اقتصادات أخرى. وقد انخفض المتوسط العالمي لمعدلات الضريبة على الشركات من 40 في المائة في عام 1990 إلى نحو 25 في المائة في عام 2017. مما يشير إلى الدخول في سباق نحو القاع وإلى أن هناك حاجة إلى تنسيق دولي.
والشبكة العالمية الجديدة للاستثمار الأجنبي المباشر ذات فائدة في تحديد الاقتصادات التي تتلقى الاستثمارات الوهمية والأطراف المقابلة لهذه الاقتصادات، كما أنها تتيح فهما أوضح لأنماط العولمة. وتوفر هذه البيانات رؤية أعمق للمحللين كما يمكن أن يسترشد بها صناع السياسات في سعيهم نحو التصدي للمنافسة الضريبية الدولية.
ولقي جدول أعمال الضرائب قبولا بين اقتصادات مجموعة العشرين في السنوات الأخيرة. وتعد مبادرة تآكل الوعاء الضريبي ونقل الأرباح ومبادرة معيار الإبلاغ المشترك مثالين على الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي لمعالجة مواطن الضعف التي تشوب تصميم الضرائب منذ قرن من الزمان، غير أن قضايا المنافسة الضريبية وحقوق البلدان في فرض الضرائب لا تزال دون معالجة إلى حد كبير. لكن على ما يبدو أن هذا الأمر يتغير الآن مع ظهور اتفاق واسع النطاق حول الحاجة إلى إصلاحات كبيرة. وفي واقع الأمر، طرح صندوق النقد الدولي هذا العام بدائل مختلفة لهيكل ضريبي دولي منقح، يشمل الحد الأدنى للضرائب وقصر الحق في فرض الضرائب على اقتصادات المقصد. وبغض النظر عن السبيل الذي يختاره صناع السياسات، هناك حقيقة تظل واضحة، وهي أن التعاون الدولي هو العنصر الأساسي للتعامل مع الضرائب في البيئة الاقتصادية المعولمة اليوم.
 
قياس الأضرار السياسية
ونظرا لأن المؤسسات المالية الكبيرة وغيرها من الشركات متعددة الجنسيات هي الشركات الرئيسية المستخدمة الملاذات الضريبية، فإن النظام بذلك يرجح الكفة لغير مصلحة الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يعزز الاحتكار.
وعلى الرغم من عدم إمكانية قياس الأضرار السياسية كميا، ففي المقام الأول، توفر الملاذات الضريبية أماكن للاختباء للأنشطة غير المشروعة للنُخب التي تستخدمها، على حساب الأغلبية الأقل قوة. وتدافع الملاذات الضريبية عن نفسها بكونها تساعد التمويل والاستثمار «بالحياد الضريبي» في قنوات تتسم دوليا بالتدفق بسلاسة.
ولكن في حين أن المنافع التي تعود على الجهات الفاعلة الخاصة المعنية واضحة، فقد لا يكون الأمر ذاته صحيحا بالنسبة للعالم ككل؛ فمن المقبول الآن بشكل واسع أنه بالإضافة إلى الخسائر الضريبية، فإن السماح بتدفق رءوس الأموال بحرية عبر الحدود ينطوي على مخاطر، بما في ذلك خطر عدم الاستقرار المالي في اقتصادات الأسواق الصاعدة.
وكقاعدة عامة، كلما كان الفرد أكثر ثراء والشركة متعددة الجنسيات أكبر، بعضها يضم مئات من الشركات التابعة في الخارج، كانا أكثر اندماجا في النظام الخارجي وأكثر دفاعا عنه بقوة. والحكومات القوية لها أيضا مصلحة؛ فمعظم الملاذات الكبرى تقع في الاقتصادات المتقدمة أو في أقاليمها. وبحسب مؤشر الملاذ الضريبي للشركات التابعة لشبكة العدالة الضريبية تحتل جزر فيرجن البريطانية وبرمودا وجزر كايمان المراكز الثلاثة الأولى، وكلها أقاليم بريطانية فيما وراء البحار. ومؤشر السرية المالية التابع للمنظمة يصنف سويسرا والولايات المتحدة وجزر كايمان باعتبارها أكبر ثلاثة بلدان من حيث الثروة الخاصة.
 


اشترك في النقاش