ثورة الجياع

* أمام التطورات الأخيرة، تقف الحكومة عاجزة... هناك ثورة جياع حقيقية لا يمكن لأحد التغاضي عنها أو حتى تحريفها، حتى الساعة، طائفياً أو مذهبياً... فالجوع لا دين له.

ثمة سببان أساسيان أديا إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعاني منها لبنان، والتي دفعت في نهاية المطاف الشعب اللبناني بكل أطيافه للنزول إلى الشارع والمطالبة بإقالة كل الطبقة الحاكمة.
السبب الأول هو العقوبات الأميركية على «حزب الله» وأفراده ورجال أعماله، والتي ضيقت الخناق على الاقتصاد اللبناني الذي كان يستفيد بشكل مباشر من أعماله الإجرامية وغير الشرعية. أضف إلى ذلك الحصار العربي والخليجي الذي فُرض اضطراريا جراء الصراع الكبير التي تعيشه المنطقة بين الدول الخليجية وإيران. 
ولم تكتف قيادات «حزب الله» بالتهديد والتهجم على تلك الدول التي تساعد لبنان اقتصاديا وماليا بل انخرطت في مواجهة مباشرة ضد تلك الدول لا سيما في اليمن والبحرين.
السبب الثاني للأزمة الاقتصادية التي يرزح تحتها لبنان تكمن في افتضاح مدى فساد الطبقة السياسية فيه وشراهتها في نهب المال العام ومساهمتها في إفلاس الدولة. وهي لم تهتم للمأزق الاقتصادي بل ذهبت إلى فرض ضرائب جديدة على المواطنين المنهكين من دون أن تقدم على أي إصلاح يذكر للتخفيف من الهدر والسرقة في أكثر من مجال، وهي باتت كمن يريد من الشعب اللبناني تمويل هذا الهدر والفساد.
ومن الواضح أن التسوية التي سعى إليها أركان السلطة مع «حزب الله» وصلت إلى الحائط المسدود اليوم، وهي- أي تلك التسوية- لم تستطع تحقيق أهدافها في إرساء الاستقرار، بل فاقمت الأزمات، لتصبح اقتصادية، ومالية، واجتماعية. لذلك لم يكن مفاجئا انفجار غضب الناس في كل مناطق لبنان.
الغضب الشعبي لم يدفع الحريري لتقييم نتائج تلك التسوية التي أعادته إلى السراي الكبير رئيساً للحكومة بصلاحيات مسلوبة من صهر رئيس الجمهورية، جبران باسيل، بالنيابة عن «حزب الله». كثر كانوا ينتظرون استقالة ما، تعيد الأمور إلى نقطة البدايات: رفض فكرة المساكنة بين دولة وميليشيا مسلحة تملك قرار الحرب والسلم في لبنان.
من هذا المنطلق، تبدو الحكومة عاجزة عن إيجاد حلول لتلك المعضلة. هي لا تستطيع إقناع الإدارة الأميركية بالتراجع عن سياسة العقوبات تجاه «حزب الله» وشركائه، كما لم تستطع إقناع الدول الخليجية بمساعدة لبنان مالياً، ما دامت في مواجهة مع إيران و«حزب الله»، هذا من ناحية، أما من ناحية أخرى فلم تعمد الحكومة إلى معالجة مكامن الفساد الحقيقية، وتركت- على سبيل المثال- صناديق الهدر- مثل صندوق الجنوب أو صندوق المهجرين- قائمةً، ولو خفضت ميزانيتهم بنحو كبير.
إقرار الحكومة للموازنة جاءت أيضا لتؤكد ما يردده الناس عن عدم ثقتهم فيها، فكيف يمكن مثلا أن يقتنع عاقل بتخفيض ما يقارب 40 في المائة من ميزانية وزارة الكهرباء أي 1000 مليار ليرة، بعد أن كان موضوعاً خلافياً كبيراً بين باسيل وكل من يعترض من الوزراء على خطته؟
ولكن السؤال الأهم كيف يمكن لتلك الحكومة أن تحصل على الأموال الموعودة من المشاركين في مؤتمر «سيدر» في ظل عدم إقرارها لضرائب إضافية، كزيادة الضريبة على القيمة المضافة أو زيادة تعريفة الكهرباء، وهو مطلب الدول المانحة والبنك الدولي، كشرط لإرسال أموال الإنقاذ؟
هذه عينة من المشاكل التي تواجه تلك الحكومة وهذا النهج، ولكن هناك أيضاً سعر صرف الدولار في السوق اللبنانية المرشح إلى الارتفاع بشكل دراماتيكي. كيف ستتصرف الحكومة أمام غضب موظفيها الذين ستنخفض قيمة رواتبهم إلى النصف؟
أمام كل هذه التطورات تقف الحكومة عاجزة. هناك ثورة جياع حقيقية لا يمكن لأحد التغاضي عنها أو حتى تحريفها حتى الساعة طائفياً أو مذهبياً... فالجوع لا دين له.