الهلال الشيعي يكتمل

* اليوم قد يكون العرب أمام فرصة أخيرة- كما في لبنان كذلك في العراق وسوريا- لبناء استراتيجية واضحة توقف إيران، بل وترغمها، على التراجع إلى الداخل الإيراني.

في لقاء مع صحيفة «واشنطن بوست» قبل 15 عاما، أي في عام 2004، حذر الملك الأردني عبد الله بن الحسين من قيام الهلال الشيعي، وكان يُعبر حينها عن تخوفه من قيام حكومة عراقية موالية لإيران. لم يؤخذ تحذيره على محمل الجد ربما، ولَم يضع العرب استراتيجية واضحة وعملية للحد من التمدد الإيراني، حتى بات الهلال الشيعي اليوم وبعد 15 عاما على تحذيره، أمرا واقعا. فالعراق، كما دمشق يُحكم من طهران، وفي لبنان الكلمة الفصل هي لممثل طهران في ضاحية بيروت الجنوبية، أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله، الذي يحدد بخطاباته سقف التغيير، ويهدد ويتوعد من لا يلتزم بخطوطه الحمراء.
انتفض السوريون على نظامهم، فدخلت إيران بجيوشها وميليشياتها، وبعد ثماني سنوات، صار الاحتلال الإيراني مباشراً وليس فقط من خلال وكيلها بشار الأسد، فتحولت سوريا إلى محافظة إيرانية بفضل الدعم الروسي الذي أتى في لحظة انهيار الميليشيات الإيرانية، وتُرك مصير سوريا «قلب العروبة النابض» ليحدده محور دول آستانه أي روسيا وإيران وتركيا في غياب عربي تام...
وبالأمس انتفض العراقيون، مجددا، ضد الهيمنة الإيرانية، وقبل ذلك ضد الفساد والفقر، فأينما حلت إيران، حل الفساد وساءت أوضاع الناس.
واليوم في لبنان، ثورة مليونية فاجأت العالم، توحد اللبنانيون من مختلف مناطقهم ومذاهبهم لأول مرة في تاريخ لبنان، للمطالبة بمحاربة الفساد، والإصلاح، بل وليطالبوا عشية الذكرى المئوية للبنان الكبير، بجمهوريتهم الثالثة بعيدا عن المحاصصات الطائفية والمذهبية.
للمتظاهرين مطالب، ودوما مطالب الشعب محقة، من استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري إلى المطالبة بانتخابات مبكرة على أساس قانون غير طائفي، إلى إسقاط عهد الرئيس ميشال عون. ومع تشبث السلطة بمواقعها، عرضت الحكومة لسلسلة إصلاحات لطالما نادى بها اللبنانيون، لكنها أتت متأخرة، فالشارع اللبناني، كما المصري والسوري وغيرهما، سبق قياداته أو من كانوا قياداته حتى الأمس القريب.
حجة السلطة دوما جاهزة، منع الانهيار، ولكن الحقيقة التي يعلمونها جيدًا أن الانهيار آت لا محالة، فلا دولة قادرة على أن تحكم، ولا حكومة قادرة على أن تنفذ إصلاحات، طالما أن هناك ميليشيا مسلحة تابعة لإيران تتحكم بمصير لبنان واللبنانيين.
حزب الله بدوره يدرك أن الانهيار اليوم ليس من مصلحته، في ظل العقوبات المتزايدة على طهران، هو لا يريد أن يكون واجهة هذا الانهيار، بل كل ما يتمناه أن تستمر الدولة اللبنانية بتأمين غطاء له، كل ما يرغب فيه هو الضغط على القطاع المصرفي لكي يخفف من إجراءاته الناجمة عن العقوبات الأميركية إن كانت هذه العقوبات على أشخاص ممولين للحزب، أو أشخاص لهم علاقة مباشرة بطهران. 
لقد كان حسن نصر الله واضحًا في خطابه، ممنوع إسقاط العهد، وممنوع الاستقالة من الحكومة، وقد فهمت الأطراف بمجملها رسالته، فلم يقدم أحد على الاستقالة إلا وزراء القوات اللبنانية، لحسابات تتعلق بالبيئة المسيحية، ولخلافات بدأت مع العهد منذ اليوم الأول بعدما تنصل رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل من اتفاق معراب. فيما تراجعت بقية الأطراف التي لمحت إلى إمكانية الاستقالة قبل كلمته عن قراراها.
إذن بين مطالب المتظاهرين بإسقاط كامل المنظومة الحاكمة، ووجود سلاح غير شرعي يكفي التلويح به لتغيير مسارات وسياسات في لبنان، يبقى لبنان أمام منعطف خطير، واليوم قد يكون العرب أمام فرصة أخيرة، كما في لبنان كذلك في العراق وسوريا، لبناء استراتيجية واضحة توقف إيران، بل وترغمها تحت ضغط الشوارع في هذه البلدان- بما فيهم شريحة آخذة في التوسع من الشارع الشيعي الذي يرفض اختطاف طهران لصوته- وترغمها تحت ضغط العقوبات كذلك، على التراجع إلى الداخل الإيراني.