جورج عدوان: «انتفاضة الجوع» الحالية نتيجة تراكمات طويلة

قال لـ«المجلّة» إن حالة النكران التي يمارسها البعض هي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم!
* أثمّن موقف الرئيس الحريري وهذه الخطوة ستكون المدخل الرئيسي للمرحلة المقبلة، بتأليف حكومة جديدة من اختصاصيين تستعيد ثقة الناس
* مطالب الشعب اليوم حياتيّة وإصلاحيّة محقّة
* ممارسة المتظاهرين السلميين طوال هذه الفترة برهنت عن ممارسة ديمقراطية وحضارية لم يشهد العالم مثيلها
 

بيروت: استفاق الشارع اللبناني أخيرًا وانتفض على واقعه السياسي والاقتصادي والمعيشي المتأزّم، وقام بظرف أسبوعين تقريبًا بقلب الطاولة رأسًا على عقب وخلط الأوراق المحلية والإقليمية تحت وطأة الضرائب الثقيلة وارتفاع نسبة البطالة والفقر في لبنان، وأكثر ما كان لافتا هو الطريقة الديمقراطية والحضارية التي رسمت خط الحركات الاحتجاجية التي شملت كل المناطق اللبنانية بمختلف خلفياتها السياسية وانتماءاتها المذهبية والطائفية.
وقبل استقالة الحكومة عبر تقديم رئيسها الشيخ سعد الحريري استقالته، قدّم وزراء القوات اللبنانية استقالتهم مع بداية الانتفاضة الشعبيّة، وتم تصوير حزب القوات اللبنانية وكأنّه يحاول الالتفاف على التحركات الشعبية وقطف ثمارها، الأمر الذي دفعنا إلى إجراء هذه المقابلة الشاملة مع نائب رئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية، رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية النائب المحامي جورج عدوان، لمعرفة موقف القوات الحقيقي من كل ما يجري اليوم وفي المرحلة المقبلة.
وإليكم النص الكامل للمقابلة:
 
* كيف تجدون موقف الشارع اللبناني الكبير المعارض للأحزاب السياسية كافة في لبنان اليوم، مع العلم أن الأحزاب السياسية هم مكون أساسي للمجتمع اللبناني؟
- أنا شخصيًا لا أضع الموضوع في هذا الإطار، لأن الانتفاضة الحاصلة اليوم أسبابها حياتية معيشية اقتصادية يعيشها اللبنانيون كافة، وحين نتحدث عن هذه الأسباب لا نستطيع التمييز ما بين المواطن الحزبي والمواطن غير الحزبي، لأنها تطال جميع الناس بكافة أطيافهم وخلفياتهم، وبالتالي رأيي أن انتفاضة الجوع هذه هي نتيجة تراكمات طالت لسنين كثيرة من الملفات المتراكمة والمطالب البديهية التي لا تزال تنقص مثل الكهرباء والمياه والبطالة المتفشية في المجتمع الشبابي.
كلها أزمات متتالية تتمحور حول المطالب الحياتية والمعيشية للمواطن، لذلك لم يعد هناك مجال للتميز بين مواطن وآخر.
وبالتالي نخطئ حين نتلهى عن المطالب الأساسية عبر إطلاق التصنيفات على الناس، فالصرخة أطلقتها الأكثرية الساحقة من اللبنانيين بوجه وضع معيشي لم يعد يحتمله أحد.
 
* كيف تقرأون خطوة استقالة الرئيس سعد الحريري اليوم؟ وما هي خلفياتها برأيكم؟
- الخطوة التي قام بها الرئيس سعد الحريري تجاوب طبيعي من قبله لطلب الشارع اللبناني المنتفض، إذ إن أي حكومة تصب اهتمامها عادة على كسب ثقة المواطنين وتستمد شرعيتها منهم، ومن دون هذه الثقة تصبح الحكومة عاجزة عن القيام بمهامها وهذا ما نحن عليه اليوم.
وبما أن المواطنين انتفضوا أمام هذا الواقع، ونزلوا إلى الشوارع وشلّوا البلد طيلة هذه الفترة (وهم محقون) ليقولوا للحكومة وللسلطة السياسية بأن لا ثقة لديهم بها ولا بأدائها، فمن الطبيعي أن يقدم الرئيس الحريري على تقديم استقالته الجريئة والجيدة تجاوبًا مع مطالب الشعب.
وقد أوصل الرئيس الحريري رسالة واضحة للشعب أنه غير متمسك بالموقع ولا بالحكومة بوجه الثورة، وأنا أثمن موقف الحريري وتجاوبه مع صرخة الشارع، وهذه الخطوة ستكون المدخل الرئيسي للمرحلة المقبلة، بتأليف حكومة جديدة من اختصاصيين تستعيد ثقة الناس.
 
* واقعيًا، هل من إمكانية لتشكيل حكومة أخصائين مصغرة اليوم؟ وفي معرض الحديث عن انتخابات نيابية مبكرة، ألا يعتبر هذا المطلب تجاهلاً لنتائج الانتخابات النيابية التي حصلت منذ سنة ونصف؟
- نحن أمام موضوعين منفصلين حقيقة، وأفضل التركيز على الموضوع الأساسي اليوم وهو تشكيل حكومة اختصاصيين لعدم خلط الأمور ببعضها ولكي نكون هادفين في قراءة ما يجري.
أعتقد أن الموضوع البديهي الآن والذي يحوز تأييد وإجماع الأكثرية الساحقة من الشعب اللبناني هو تشكيل حكومة حيادية متخصصة، تنطلق بالإصلاحات المنشودة ومكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة وهي مطالب محقة وحقيقية وواقعية في ظل الأزمة الراهنة.
لذلك علينا أن نحصر الهم اليوم بمسألة تشكيل الحكومة الجديدة، التي إذا لم تتألف من أخصائيين، فهي لن تحصل على تأييد وثقة الناس ولن تكون مقبولة، لا بل ستشعل الحركات الاحتجاجية من جديد.
فصرخة الناس اليوم تحمّل أكثرية الطبقة السياسية الساحقة مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع اليوم، وبالتالي لإعادة كسب ثقة الناس وتجاوبهم، يقتضي تقديم صيغة جديدة وأشخاص جدد لديهم كفاءة ومصداقية وأصحاب اختصاص.
وعليه أرى أنها الآلية المثلى التي ينتظرها الناس وتعيدهم إلى أعمالهم وتفتح الباب أمام الحلول، خاصة أن هذه الحكومة ستقوم بتطبيق الإصلاحات التي لطالما طالبنا بها كقوات لبنانية والتي بسببها لم نصوت على موازنة 2019 ولم نلق الآذان الصاغية وبالتالي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.
وبالتالي أعتقد أننا بحاجة اليوم إلى صورة جديدة في الشكل بقدر ما هي في الجوهر، وهذه الصورة هي كفيلة بتغيير واقع الحال وإعادة الأمور إلى حيث يجب أن تكون، وتكون معها انطلاقة جديدة تحظى بدعم جميع الإصلاحيين الحقيقيين أكانوا من خارج الأحزاب أم من ضمنهم لأنها بحاجة لتأييدهم للمباشرة بالإصلاحات وإعادة الدولة إلى سكتها الصحيحة.
 
* يتم اتهام القوات اللبنانية بأنها تحاول قطف ثمار هذا الحراك من جهة وأنها تقوم بإقفال الطرقات في مناطق محددة لأهداف سياسية معينة، وأنها تريد الاستفادة مما يحصل لإسقاط العهد وإسقاط رئيس الجمهورية... ما حقيقة الأمر؟
- سأبدأ إجابتي بشكلٍ جازم وواضح ولا يقبل أي لبس: القوات اللبنانية هدفها محدد جدًا طالبت به في اجتماع بعبدا الاقتصادي ومحصور باستقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة من الأخصائيين، ولا يتجاوز ذلك إلى أي أمر آخر.
مطلبنا كقوات واضح في هذا الخصوص وهو متعلق بالاستقالة الحكومية والذهاب فورًا إلى تشكيل حكومة جديدة قلبًا وقالبًا قادرة على العمل لأن الحكومة الحالية فشلت في إجراء المطلوب منها وفي تطبيق الإصلاحات ونحن كنا طيلة فترة مشاركتنا فيها نطالب ونلح على ضرورة تطبيقها. حاولنا أن نقوم بكل ما بوسعنا للضغط من الداخل ولم نتمكن من ذلك، وأصبحنا على يقين بأنه لا إصلاحات ممكنة بظل هذه الصيغة الحكومية.
إذن، المطلب القواتي يذهب حصرًا بهذا الاتجاه ولا يمكن أن يتناول إطلاقًا موقع رئاسة الجمهورية التي ترفض القوات المساس به ونقولها بكل وضوح.
أما بالنسبة للخطوات اللاحقة، فإن القوات اللبنانية لا تقبل بحصول أي منها إلا وفق الآليات الشرعية ووفق أحكام الدستور اللبناني واحترام القوانين والحفاظ على الاستقرار والسلم الأهلي والمؤسسات الدستورية.
وبالتالي فإن نظرية إطاحة القوات اللبنانية بالعهد وكل ما شابه هي عارية تمامًا من الصحة ومجرّد دسّ رخيص لا يستقيم، وتنم على عدم معرفة وفهم لمرتكزات الفكر القواتي القائم على احترام الدستور والقوانين والمؤسسات وبناء الدولة القوية القادرة.
وفيما خص المشاركة بالحراك الشعبي، فسبق لي أن أجبت في بادئ الأمر بالتدرج حين أوضحت أن صرخة الناس هي صرخة واحدة معيشية لأنها طالت الجميع.
وبما أن القوات هي من الناس ومع الناس وتتشارك همومهم، فهذه المشاركة الشعبية هي بديهية، عفوية وطبيعية. فهل المواطن اللبناني القواتي هو مختلف عن باقي المواطنين الجائعين والعاطلين عن العمل؟
أما عن قطف الحراك وإقفال الطرقات وما شابه من أخبار ملفقة، فهي لا تمت إلى الحقيقة بصلة فالذي يعرف طبيعة الحراك وحقيقته يدرك تمامًا أن هذا الأمر غير ممكن وغير حقيقي، وقد تواصلنا مع قيادة الجيش اللبناني والقوى الأمنية كافة لتأكيد موقفنا الواضح، وهذه الأجهزة تمتلك كافة المعلومات والأدلة، ومن يريد أن يستفسر عن حقيقة الأمر، فليسأل القوى الأمنية الشرعية بدلاً من كيل الاتهامات جزافًا، وما أقوله هو حرفيا الحقيقة.
أريد أن أضيف نقطة مهمة، مفادها أن أحد الأسباب الرئيسية التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم هي حالة نكران وهي موجودة لدى جزء كبير من الطبقة السياسية الحاكمة. وهذه الحالة تتضمّن اتهام القوات اللبنانية بكل ما يجري بدلاً من السماع لمطالب الشعب. فلنخرج من حالة النكران هذه ولنعترف أننا أمام مشكلة كبيرة تنم عن التصرفات الكيدية والتقاعس والخوف من المستقبل، لأننا إن لم نقرأ الحقيقة كما هي، فلن نستطيع تشخيص المرض ووصف العلاج المناسب له.
 
* هل تعتبرون أن خطوة استقالة الحكومة عبر رئيسها الحريري هي هزيمة بوجه «حزب الله» وأمينه العام الذي أكد مرارًا أن الحكومة لن تستقيل؟ وكيف تنظرون إلى أعمال الشغب والعنف التي سبقت الاستقالة في شوارع بيروت؟
- إنّ كل ما يجري اليوم، ينحصر بالهموم الحياتية الداخلية والمعيشية للمواطنين، فالانتفاضة التي حصلت، لم تطل سلاح «حزب الله» لأننا أمام موضوعين مختلفين والأولوية هي للمطالب الحياتية المعيشية اليوم بالذات.
وبمعزل عن وجهة نظرنا بسلاح الحزب، فهو غير مطروح بتاتًا على طاولة مطالب وصرخات الناس وعفوية هذا الحراك والانتفاضة، وبالتالي من الخطأ أن نخرج هذه المطالب من سياقها الواضح ومفاعيلها الداخلية.
هذه النقطة يجب أن تكون واضحة تمامًا لدحض الاتهامات الرامية إلى تسييس الحراك الشعبي واتهامه جزافًا بمواضيع غير مطروحة ضمن المطالب اليوم إطلاقًا.
أما النقطة الثانية المتعلقة بما حصل مع المتظاهرين السلميين من أعمال عنفٍ مفرط وشغب، فهذا مرده إلى وجود ممارستين مختلفتين في الواقع اللبناني اليوم:
ممارسة المتظاهرين السلميين من جهة، وهي ممارسة تعتبر من أرقى ما شهده العالم بأسره من مظاهرات من خلال نزول نصف الشعب اللبناني إلى الشوارع من دون حصول ضربة كف واحدة وبفرح.
من غير الشعب اللبناني ينتفض ويعبّر عن جوعه ومأساته وآلامه بهذا الفرح، وهذا الرقي، وهذه السلمية؟ فقد قام الشعب اللبناني بإظهار أكبر صورة حضارية للعالم بأسره.
وفي المقابل، رأينا مشهدًا آخر، مختلفا تمامًا ويتمثل بالتكسير والتدمير والشغب واستعمال العنف المفرط، وهذه الصورة بحد ذاتها تضع مرتكبيها خارج ما يريده وما ينظر إليه اللبنانيون بغدهم ومستقبلهم. فهم لا يستطيعون أن يكونوا جزءًا من حاضر لبنان ولا غاده إذا ما استمروا بهذه الممارسات الشاذة والشنيعة.
هم الذين يصنفون أنفسهم بهذه الحالة ولست أنا من أقوم بذلك.
 
* هل سيقوم نواب ووزراء تكتل الجمهورية القوية برفع السرية المصرفية عن حساباتهم أسوة بما فعله تكتل لبنان القوي؟ وهل تعتبرون هذه الخطوة كافية لإدانة وتبرئة الذين يتولون الشأن العام؟
- ليست لدينا أي مشكلة في هذا الخصوص إطلاقًا، ونحن ذاهبون إلى أبعد من ذلك حتى، وكل القوانين التي تتم المطالبة اليوم بإقرارها، سنكون رأس حربة في تسويقها والتسريع بإقرارها، والجميع على بينة من الجهود التي بذلتها شخصيًّا في لجنة الإدارة والعدل النيابية في كل الملفات التي أثرتها من الجمارك مرورًا بنهر الليطاني وصولاً إلى القضاء، وأعتبرها بمثابة باكورة التحركات الاحتجاجية التي نشهدها اليوم، وخضنا أشرس المعارك لتحقيق هذه الغاية.
وبالتالي ما بدأنا به كتكتل الجمهورية القوية سنكمله اليوم وغدًا، وهذا الحراك سيزيدنا قناعة وإصرارًا على الاستمرار بهذا الجهد الذي سبق وبدأنا به.
وهذا ليس كافيا وحده، لأن المدخل الرئيسي لتحقيق هذه الإصلاحات وحسن تطبيق القوانين، هو بوجود قضاء نزيه ومستقل، وللأسف نحن لا نمتلكه اليوم وأقولها صراحة. وعليه، حين نمتنع عن تعيين القضاة وفقًا لمعايير مذهبية وسياسية وتبعية، نستطيع أن نحصل على قضاء نزيه ومستقل.
فالخطوة الأولى تكون بإقرار قانون استقلالية القضاء ووضع أسس واضحة وشفافة لآليات التعيين القضائية بحسب الكفاءة، ومن ثم الإتيان بقضاة مستقلين نزيهين وعليه يصبح كل شيء ممكنًا!

المحامي بول مرقص: والعبرة ليست دومًا في النصوص، بل في حسن نية النفوس أيضًا!

* الدستور اللبناني ليس نظام مدرسة، وهو يفترض حسن النية في تطبيقه، شأنه شأن أي نص أو اتفاق إن كان محكما على النحو الجيد

هذه كانت وجهة النظر السياسية للأوضاع المستجدة على الساحة اللبنانية، إلا أن هذا الوضع يطرح عدّة علامات استفهام قانونية ودستورية لا بدّ من توضيحها...
لذلك كانت مقابلتنا المختصرة التي تصوب بعض المفاهيم المطروحة على الساحة اليوم مع رئيس منظّمة Justiciaوالخبير القانوني والدستوري المحامي بول مرقص:
 
 
* تتضارب وتتكاثر التسميات في الإعلام المرئي والمسموع ومواقع التواصل الاجتماعي ما بين ثورة وانتفاضة وحراك شعبي..ما التوصيف القانوني للحالة الشعبية التي يشهدها الشارع اللبناني اليوم؟
- التوصيف الدقيق لما يحصل اليوم في لبنان هو أنها «حركات احتجاجية» لأن الثورة وإن كانت غير منظمة وعفوية بطبيعتها، إلا أنها تحمل الحد الأدنى من المعايير التنظيمية والتنسيق المباشر فيما بين أعضائها والتخطيط للمستقبل.
والحركات الاحتجاجية اليوم، هي بعيدة كل البعد عن متطلبات علم التحرك المعروفة بـ(ADVOCACY PLANNING)، رغم أنها حميدة بانطلاقتها وبشرارتها، كونها رمت إلى مطالب معيشية وحقوقية وإصلاحية، إلا أنها لم تسلك بعد مسلك التحرك المطلبي المنظم، بحسب ما يشترطه علم التحرك السابق ذكره أعلاه.
وقد وضع هذا العلم، توجيهاً تلو الآخر يسمى «WIN»، على التحركات اتباعها لتصبح منظمة.
إلا أن هذه الحركات الاحتجاجية ما زالت غير واضحة المعالم والأهداف والتنظيم والتخطيط حتى اللحظة، رغم أنه بلغني أن مجموعات يفوق عددها المائة مجموعة، بدأت تنتظم وتتجمع بما سموه «هيئة تنسيق الثورة» والتي آمل أن تضع لها أهدافًا واضحة ومهلاً للتنفيذ، وأن تشرع ببناء خطط بديلة ورديفة، ومشاريع قوانين كي تكتمل الجهوزية إلى حين تغيير بنية السلطة القائمة.
 
* نلحظ مواقف من جهات موالية للسلطة السياسية تدين خطوة إقفال الطرقات العامّة، في المقابل شدّدت الكثير من المنظمات الدولية ومنها منظمة العفو الدولية، على شرعية هذه الخطوة كتجمّع سلمي يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان وأن أي محاولة لإزاحة المحتجين بالقوة من قبل السلطات اللبنانية ستشكّل انتهاكًا للحق بالاحتجاج السلمي... ما هو موقفكم وتحليلكم القانوني لهذا الموضوع؟
- إن مكمن القوة بالنسبة لهذه الحركات الاحتجاجية يستند إلى أمرين: الأول هو لامركزية الاحتجاج في مناطق مختلفة ومتوزعة على الأراضي اللبنانية وهذه سابقة في لبنان، حيث إن الحركات الاحتجاجية السابقة التي شهدها تاريخ لبنان الحديث، كانت تقتصر على وسط العاصمة بيروت وجواره.
الأمر الثاني هو أن هذه الحركة الاحتجاجية، ترتكز في حركيتها على شل حركة التنقل في البلاد. وهذا ما جعل السلطة السياسية اليوم آبهة ومنتبهة لمطالب الحركة الاحتجاجية، خلافًا للمرات السابقة التي كانت تدير فيها السلطة ظهرها لمطالب المواطنين بسبب اقتصار الحركة على تجمع بسيط من هنا ومن هناك.
إلا أن قطع الطرق، وإن كان تعبيرًا مقبولاً حقوقيًا في زمانٍ معين ومكانٍ معين، لكنه لا يمكن أن يمتد بالزمن دون تحديد، حتى لا ينقلب الحق إلى تعسف.
وهنا أعرج على القوى الأمنية في ضبطها للمظاهرات، حيث شهدنا في الأيام الأولى لها وتحديدًا في اليوم الثاني منها، استعمالاً مفرطًا للقوة بطريقة تحط من الكرامة الإنسانية من حيث الجر والضرب، وهو ما يتنافى مع تعهدات لبنان الدولية باحترام حقوق الإنسان والالتزام بالمواثيق الدولية لهذه الجهة، لا سيما من ناحية جميع أشكال العنف والممارسات المهينة للكرامة الإنسانية. إلا أن مجمل استعمال القوة لم يتعد المألوف، إذا ما عدنا إلى مختلف الحركات الاجتماعية السابقة.
إن التعسف باستعمال الحق «ABUS» سواء كان في التظاهر من قبل المحتجين أو في ضبط المظاهرات من قبل قوى الأمن، له حدود، ولذلك كل حق لديه تعريف «DE FINIS» أي رسم الحدود حتى لا يتجاوز الحق حدوده فينقلب إلى تعسف وإساءة.
 
* يتم التخويف من أن المطالبة بإسقاط الحكومة سيدخل لبنان في الفراغ، فما وجهة نظركم القانونية، وكذلك بالنسبة لمطالب المتظاهرين؟
- النصوص وجدت لملء أي حالة فراغ والتصدي له. ومن ذلك مسألة انتقال السلطة دون حصول فراغ على صعيد السلطة التنفيذية، لذلك هناك حلّان: الأول يتعلق بخلو سدة رئاسة الجمهورية، حيث تنتقل صلاحياتها بالوكالة بحسب المادة 62 من الدستور إلى مجلس الوزراء، والحال الثاني الذي يحول دون الفراغ أن الحكومة المستقيلة تستمر في تصريف الأعمال إلى حين تشكيل حكومة جديدة، كما أن مجلس النواب يصبح في دورة انعقاد استثنائية في محاولة للتصدي لأي فراغ، وبالتالي فإن النظام الدستوري اللبناني يتصدى للفراغ المزعوم بكل جوانبه.
أما إذا حصل، فيكون ذلك نتيجة سوء نية متولّي السلطة السياسية، وعدم اعتدادهم بالأخلاقيات السياسية، كأن يتم تجاوز المهل لانتخاب رئيس الجمهورية اللبنانية، وهي محددة في الدستور اللبناني في المواد 73 و74 و75 منه، أو بالنسبة لتشكيل الحكومة، وإن كانت هذه المهلة ليست بمهلة نصية، أي ليس منصوصا عليها صراحة، إلا أنها مستقاة من القواعد والمبادئ العامة القانونية وتسمى «المهلة المعقولة» أو «DELAI RAISONNABLE».
فهذه المهلة وإن لم تكن مذكورة في النصوص، إلا أنه لا يعني أنها غير موجودة، فهي موجودة ضمن المبادئ العامة ومكفولة بالأخلاقيات السياسية التي يجب أن تحكم المسؤولين الذين هم في أغلب الأحيان غير مسؤولين.
ولدينا في ذلك شواهد من الإطالة بانتخاب رئيس للجمهورية مدة سنتين ونصف السنة قبل انتخاب العماد عون رئيسًا للبلاد، كذلك استغراق تشكيل الحكومة أحد عشر شهرًا أيام تكليف الرئيس تمام سلام أو بضعة أشهر مع تكليف الرئيس المستقيل سعد الحريري.
كل ذلك يعني أن ثمة تراخيا واضحا في تطبيق النصوص والقواعد الدستورية والأخلاقيات السياسية التي تجعل الحكم رشيدًا.
وبالفعل الدستور اللبناني ليس نظام مدرسة، وهو يفترض حسن النية في تطبيقه، شأنه شأن أي نص أو اتفاق إن كان محكما على النحو الجيد، فإن لم يكن هناك نية طيبة لتطبيقه، فهنا تكمن المشكلة الأساسية.
والعبرة ليست دومًا في النصوص، بل في حسن نية النفوس أيضًا!
 


اشترك في النقاش