لماذا تتجه البرازيل إلى تعزيز علاقاتها بالسعودية؟

ثمَّنت المملكة شجب الحكومة البرازيلية وإدانتها الهجمات الإرهابية على منشآت أرامكو في بقيق

* المملكة تُعتبر شريك البرازيل الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال السنوات الخمس الماضية ما يقرب من 24 مليار دولار، ليسجل زيادة بنسبة 6 % في 2018

* سعت الحكومة البرازيلية إلى استثمار هذه الزيارة في الترويج لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، كما كانت الزيارة فرصة مهمة لتشجيع المشاركة السعودية في برامج الامتيازات البرازيلية والخصخصة

* تحتل البرازيل المرتبة الثانية عالميًا بين الدول المصدرة للغذاء، والمرتبة الأولى عالميًا كأكبر منتج ومصدر للقهوة والسكر وفول الصويا واللحوم الحمراء كالبقر واللحوم البيضاء كالدجاج، وتصل عائداتها من المنتجات الغذائية إلى نحو مائة مليار دولار

* تقدم البرازيل نفسها كشريك محتمل للمملكة في المجال الأمني، في ظل تقارب رؤى البلدين بشأن التهديدات الأمنية الدولية وفي مقدمتها إرهاب إيران وحليفها «حزب الله»، خاصة مع التوتر الحادث في العلاقات البرازيلية – الإيرانية

* ثمَّن الجانب السعودي شجب الحكومة البرازيلية وإدانتها الهجمات الإرهابية على منشآت أرامكو السعودية في بقيق وخريص بالمملكة العربية السعودية، التي استهدفت أمن وإمدادات الطاقة الدولية والاقتصاد العالمي

* الشركات السعودية لديها استثمارات في البرازيل في قطاع الزراعة واللحوم والمنتجات الصناعية والكيميائية، في الوقت الذي تستثمر فيه الشركات البرازيلية في المملكة في مجالات الأغذية والدفاع والقطاعات الاستشارية

كشفت الزيارة التي قام بها الرئيس البرازيلي «غايير بولسونارو» إلى المملكة العربية السعودية خلال الفترة من 29 – 31 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. عن مدى حرص البرازيل على تعزيز علاقتها بالمملكة، حيث جاء الرئيس البرازيلي على رأس وفد رفيع المستوى ضم 140 من كبار المسؤولين والشركات البرازيلية، وعكس حجم الوفد البرازيلي ومستوى تمثيله الرفيع، الأهمية القصوى التي توليها البرازيل لتعزيز علاقاتها بالمملكة.

وخلال الزيارة، التقى الرئيس البرازيلي، بالعاهل السعودي الملك «سلمان بن عبد العزيز» وولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، حيث تم استعراض أوجه العلاقات السعودية البرازيلية، ومجالات التعاون الثنائي، إلى جانب مناقشة عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك بين البلدين، كما شهدت الزيارة التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لترسيخ التعاون الثنائي في مختلف المجالات.

وفي ظل ما شهدته زيارة الرئيس البرازيلي من زخم كبير، فمن الضروري التعرف على دلالاتها، وكذلك تحليل أبرز دوافعها وأهدافها، إلى جانب الوقوف على أهم ما تمخضت عنه الزيارة من نتائج على صعيد تطوير العلاقات السعودية البرازيلية.

 

دلالات الزيارة وأهميتها

اكتسبت الزيارة التي قام بها الرئيس البرازيلي إلى المملكة العربية السعودية أهمية خاصة، وذلك انطلاقًا من اعتبارات عدة، من أبرزها:

1 - الأهمية التاريخية للزيارة: تأتي الزيارة التي قام بها الرئيس بولسونارو إلى المملكة، تتويجًا لجولته الخليجية والتي استهلها بزيارته إلى دولة الإمارات العربية المتحدة يوم 26 أكتوبر 2019. وهي الجولة الأولى للرئيس البرازيلي في العالم العربي منذ توليه مهام منصبه في يناير (كانون الثاني) الماضي. كما أنها تُمثل الزيارة الثانية لرئيس برازيلي للمملكة العربية السعودية، حيث جاءت بعد مرور عقد من الزمان، على زيارة رئيس البرازيل الأسبق «لولا دا سيلفا» للمملكة في مايو (أيار) 2009. والذي كان أول رئيس برازيلي يقوم بمثل هذه الزيارة.

وما بين عامي 2009 و2019. شهدت البرازيل وكذلك المملكة العربية السعودية تطورات داخلية عميقة، كما تعرضت المنطقة العربية وكذلك منطقة أميركا اللاتينية لتغيرات جوهرية على مختلف الصُعد، وهو ما يُعطي لهذه الزيارة أهمية خاصة لما تحمله من فرص واعدة لاستكشاف الإمكانات الكثيرة للتعاون والشراكة بين البلدين من ناحية، ولتنسيق الرؤى وتبادل وجهات النظر بشأن المواقف الإقليمية والدولية المستجدة من ناحية أخرى.

2 - توقيت الزيارة: تكتسب هذه الزيارة أهمية كبيرة من حيث توقيتها، كونها تزامنت مع مرور أكثر من خمسين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، حيث نشأت العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية والبرازيل عام 1968. وفي عام 1973. افتتح البلدان سفارتيهما في برازيليا وجدة، ثم أعقب ذلك نقل السفارة البرازيلية من جدة إلى الرياض في عام 1986. ومنذ ذلك التاريخ، تطورت العلاقات البرازيلية السعودية، وتنامت وازدهرت بشكل ملحوظ في مختلف المجالات، كما جمع البلدان الكثير من روابط الصداقة والاحترام المتبادل والعلاقات التجارية والسياسية القوية.

وجاءت هذه الزيارة تتويجًا لهذه العلاقات التاريخية والممتدة، فضلاً عن كونها تُمثل امتدادًا لزيارات كبار المسؤولين في البلدين، حيث قام خادم الحرمين الشريفين، الملك «عبد الله بن عبد العزيز آل سعود»، بزيارة البرازيل في عام 2000 (عندما كان وليًا للعهد)، وأعقب ذلك تبادل الزيارات رفيعة المستوى من الجانبين.

ومما يُكسب هذه الزيارة أهمية إضافية كونها جاءت متزامنة مع انعقاد منتدى «مبادرة مستقبل الاستثمار» (دافوس في الصحراء)، خلال الفترة من 26 - 31 أكتوبر 2019. الذي نظمه صندوق الاستثمارات العامة، بمشاركة قيادات وكبار مسؤولي دول وكبريات الشركات العالمية، بهدف المساهمة في بحث ومناقشة ملفات ومحاور ترسم ملامح مستقبل الاستثمار العالمي. وقد شارك الرئيس البرازيلي في فعاليات المنتدى في نسخته الثالثة، كما شارك في ملتقى الأعمال السعودي البرازيلي الذي عُقد بمجلس الغرف التجارية السعودية في 30 أكتوبر 2019. والذي شكَّل منصة فريدة لتسليط الضوء على الفرص الاستثمارية غير المكتشفة في البلدين.

3 - البناء على الجهود المبذولة: مثَّلت زيارة الرئيس البرازيلي للمملكة تتويجًا للجهود المبذولة من قبل الجانبين على مدار العام الحالي لتوطيد العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مرحلة بناء شراكة قوية، حيث حرص الطرفان على تبادل اللقاءات والزيارات رفيعة المستوى، ومثَّل لقاء الرئيس البرازيلي مع ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان» في يونيو (حزيران) الماضي على هامش اجتماعات قمة مجموعة العشرين في مدينة أوساكا اليابانية، نقطة الانطلاق نحو تعزيز العلاقات الثنائية، حيث حددا المجالات ذات الأولوية والمبادرات المشتركة التي تهدف إلى توسيع نطاق التعاون الاقتصادي والشراكة في مختلف المجالات.

علاوة على ذلك، فقد زارت وزيرة الزراعة البرازيلية «تيريزا كريستينا» وكذلك نائب وزير الدفاع البرازيلي، المملكة العربية السعودية في سبتمبر (أيلول) الماضي، كما قام نائب رئيس مجلس الشورى السعودي بزيارة البرازيل في أكتوبر الماضي، وهو ما يكشف عن توجه قوي من قبل البلدين نحو تعميق العلاقات الثنائية.

 



ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس البرازيل ناقشا فرص الاستثمار بين البلدين

 

دوافع الزيارة وأهدافها

جاءت زيارة الرئيس البرازيلي إلى المملكة العربية السعودية مدفوعة بعدة عوامل، وتحركها مجموعة من الأهداف، وذلك على النحو التالي:

1 - تنويع الشراكات الدولية: يسعى غايير بولسونارو، منذ توليه رئاسة البرازيل، إلى تنويع شركاء بلاده الدوليين، وتوسيع نطاق أصدقائها بحيث لا ينحصر في الحكومات اليسارية في أميركا اللاتينية أو الدول الأعضاء في تجمع بريكس وتحديدًا الصين وروسيا فحسب، مثلما كان الحال في عهد الأنظمة اليسارية التي حكمت البرازيل طوال العقد الماضي. وعلى مدار الشهور العشرة الأولى من رئاسة بولسونارو، قام بزيارة عشر دول، منها: الولايات المتحدة، إسرائيل، اليابان، الصين، الأرجنتين، شيلي، وسويسرا.

وجاءت زيارة الرئيس البرازيلي للمملكة العربية السعودية تتويجًا لجولة خارجية بدأها باليابان في الفترة 21 - 24 أكتوبر 2019. مرورًا بالصين في الفترة 24 - 26 أكتوبر 2019. واختتمها بزيارته للمملكة، وذلك إدراكًا منه لثقلها الاقتصادي والسياسي الكبير، على الصعيدين الإقليمي والدولي، خاصة مع تطلع البرازيل إلى أن تصبح الشريك الرئيس للمملكة في منطقة أميركا اللاتينية، وذلك من خلال دعوتها للمستثمرين السعوديين إلى الاستفادة من الفرص الاستثمارية المتاحة فيها في مجالات الطاقة والنقل والسكك الحديدية وغيرها والانطلاق منها لدول أميركا اللاتينية.

وفي الوقت نفسه، تكشف الزيارة عن اهتمام المملكة العربية السعودية بتعزيز أواصر التعاون مع القوى الصاعدة في العالم، وفي مقدمتها البرازيل التي تُعد القوة الإقليمية الأكبر في أميركا اللاتينية، إضافة إلى كونها صاحبة تاسع أكبر اقتصاد على مستوى العالم، كما أنها تتمتع بقاعدة صناعية وتكنولوجية راسخة.

2 - الارتقاء بمستوى التعاون الاقتصادي: تسعى البرازيل إلى الدفع بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية قدمًا، مستفيدة في ذلك من شراكتها الاقتصادية القوية معها؛ خاصة أن المملكة تُعتبر شريك البرازيل الأول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين خلال السنوات الخمس الماضية ما يقرب من 24 مليار دولار، ليسجل زيادة بنسبة 6 في المائة في 2018. وخلال عام 2018 وحده، وصل حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 4.4 مليار دولار، وتُمثل الواردات الغذائية نحو 72.4 في المائة من إجمالي واردات المملكة من البرازيل (المملكة هي سابع أكبر مستورد للمنتجات الزراعية البرازيلية في العالم). وفيما يتعلق بواردات البرازيل، يأتي النفط الخام في مقدمتها، وذلك بنسبة بلغت نحو 71 في المائة من إجمالي السلع البرازيلية المستوردة من المملكة، التي توفر نحو 33 في المائة من إجمالي النفط المستورد من قِـبَـل البرازيل.

وفي ظل الإصلاحات الاقتصادية التي تشهدها البرازيل في الوقت الراهن، والتي ستسمح للبلاد بالانتقال إلى مرحلة من النمو المطرد، وزيادة الانفتاح أمام التجارة والاستثمار الدوليين، وتعظيم دور القطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية، فقد سعت الحكومة البرازيلية إلى استثمار هذه الزيارة في الترويج لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، كما كانت الزيارة فرصة مهمة لتشجيع المشاركة السعودية في برامج الامتيازات البرازيلية والخصخصة.

وفي ذات السياق، تسعى المملكة إلى أن تكون البرازيل شريكا استراتيجيا في تحقيق رؤيتها لعام 2030. والتي تسعى من خلالها إلى تحقيق الأمن الغذائي، والارتقاء بالاقتصاد السعودي إلى مصاف الدول المتقدمة، وذلك من خلال العمل على فتح أسواق جديدة للمنتجات السعودية غير النفطية في البرازيل، التي تعتبر سوقا تجارية ضخمة وقوة استهلاكية لا يُستهان بها، وذلك بعدد سكان يبلغ 210 ملايين نسمة (أكبر دول القارة اللاتينية من حيث عدد السكان والمساحة).

3 - توسيع نطاق التعاون المشترك: استهدفت البرازيل والمملكة توظيف زيارة الرئيس البرازيلي من أجل توسيع نطاق التعاون بين البلدين بحيث لا يظل متركزًا في قطاعي الزراعة والنفط. وفي هذا الإطار، اتفق الجانبان البرازيلي والسعودي خلال زيارة الرئيس بولسونارو على تكثيف التعاون في مجالات الاستخدام السلمي للطاقة النووية، التعاون الثقافي، استخدام الفضاء الخارجي، والرياضة. وحدد الجانبان عدة مجالات ذات أهمية مشتركة للتعاون والاستثمار، مثل: القطاعات الزراعية، الصناعية، الطاقة والتعدين، البنية التحتية، النقل، والعلوم والتكنولوجيا والابتكار.

إلى جانب الكشف عن فرص التعاون المتاحة في مجال السياحة، وفي هذا السياق، استعرض الرئيس البرازيلي خلال مشاركته في إحدى جلسات منتدى مبادرة مستقبل الاستثمار، الفرص الاستثمارية في قطاع السياحة ببلاده، مشيرًا إلى أن لدى البرازيل 100 جزيرة يمكن تحويلها لمقاصد سياحية. كما رحب الجانبان بالإعلان عن بدء مفاوضات تجنب الازدواج الضريبي، وتيسير الاستثمار لتوسيع التدفقات الاستثمارية بين البلدين.

وهناك جهود مبذولة لتوسيع نطاق التعاون في قطاع الصناعات الغذائية، حيث تحتل البرازيل المرتبة الثانية عالميًا بين الدول المصدرة للغذاء، والمرتبة الأولى عالميًا كأكبر منتج ومصدر للقهوة والسكر وفول الصويا واللحوم الحمراء كالبقر واللحوم البيضاء كالدجاج، وتصل عائداتها من المنتجات الغذائية إلى نحو مائة مليار دولار، فيما تبلغ مساحة الأراضي الصالحة للزراعة 79 مليون هكتار، كما تخطط البرازيل لزيادة حصتها من صادرات الأغذية العالمية من 7 في المائة إلى 10 في المائة خلال السنوات الخمس القادمة.

4 - تعزيز التعاون السياسي والاستراتيجي: مع التطور الحادث في مستوى العلاقات الاقتصادية البرازيلية السعودية، والذي يتحسن بوتيرة سريعة، كان من الضروري إيلاء اهتمام مماثل بتطوير العلاقات السياسية والاستراتيجية، في ظل تنامي التحديات التي تواجه البلدين والتي تتطلب درجة أعلى من التنسيق المشترك في المجالات السياسية والأمنية. وفي هذا الإطار، تقدم البرازيل نفسها كشريك محتمل للمملكة في المجال الأمني، في ظل تقارب رؤى البلدين بشأن التهديدات الأمنية الدولية وفي مقدمتها إرهاب إيران وحليفها «حزب الله»، خاصة مع التوتر الحادث في العلاقات البرازيلية – الإيرانية، منذ وصول غايير بولسونارو إلى سدة الحكم، حيث أيد العقوبات الأميركية المفروضة على إيران، كما توترت علاقات بلاده مع طهران مؤخرًا عقب رفض البرازيل تزويد سفينتين تجاريتين إيرانيتين قبالة سواحلها بالوقود امتثالاً للعقوبات الأميركية المفروضة على طهران، وهو ما دفع الأخيرة إلى تهديد البرازيل بوقف الاستيراد منها ما لم يتم حل مشكلة السفينتين.

هذا بالإضافة إلى بروز بعض المؤشرات الدالة على أن البرازيل سوف تحذو حذو كل من الأرجنتين وباراغواي، وتصنف «حزب الله» منظمة إرهابية، وهو ما يمكن أن يُسهم من ناحية في تعزيز الجهود الدولية لمحاصرة إرهاب «حزب الله»، خاصة في نصف الكرة الغربي، كما أن هذه الخطوة المحتملة من شأنها إحداث مزيد من التوتر والقطيعة بين البرازيل وإيران من ناحية أخرى.

وفي ضوء ما سبق، أكد الجانبان خلال زيارة الرئيس البرازيلي للمملكة، ضرورة تعزيز التعاون في مجال الدفاع، واتفقا على استمرار التعاون في مجالات التدريب. وفي ذات السياق، ثمَّن الجانب السعودي شجب الحكومة البرازيلية وإدانتها الهجمات الإرهابية على منشآت أرامكو السعودية في بقيق وخريص بالمملكة العربية السعودية، التي استهدفت أمن وإمدادات الطاقة الدولية والاقتصاد العالمي. كما ثمَّن الجانب البرازيلي الجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة العربية السعودية لحفظ الأمن والسلم إقليميًّا ودوليًّا. وأكد الجانبان على الحاجة إلى تكثيف التعاون في مجال مكافحة الجريمة والتطرف والإرهاب الدولي بجميع أشكاله، واتفقا على أهمية الحفاظ على أمن الطاقة وتأمين الممرات البحرية في الخليج والبحر العربي.

 

مجالات الشراكة

تتنوع مجالات التعاون والتنسيق بين البرازيل والمملكة العربية السعودية، بحيث تشمل مختلف القضايا ذات الصلة بالعلاقات الثنائية بين البلدين، إلى جانب علاقات التعاون على المستويين الإقليمي والدولي متعدد الأطراف، كما يتضح فيما يلي:

1 - التعاون على المستوى الثنائي: يُعتبر الاستثمار أحد أهم ركائز العلاقات الاقتصادية السعودية البرازيلية؛ فالشركات السعودية لديها استثمارات في البرازيل في قطاع الزراعة واللحوم والمنتجات الصناعية والكيمائية، في الوقت الذي تستثمر فيه الشركات البرازيلية في المملكة في مجالات الأغذية والدفاع والقطاعات الاستشارية. وتستهدف الحكومة البرازيلية تقوية التجارة والاستثمار والتعاون مع المملكة في القطاع الزراعي، لذا فقد عينت في يناير 2018 ملحقًا زراعيًا بالسفارة البرازيلية بالرياض، من أجل تعزيز التواصل مع الجهات الحكومية السعودية والمصدرين لتقوية التعاون في هذا الجانب.

وخلال الزيارة، شهد العاهل السعودي والرئيس البرازيلي، تبادل 4 اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين حكومتي المملكة العربية السعودية، والبرازيل الاتحادية، وهي: اتفاقية تعاون في مجال الدفاع، اتفاقية بشأن تنظيم إجراءات منح مواطني البلدين تأشيرة زيارة، مذكرة تفاهم في مجال التعاون الثقافي، ومذكرة تفاهم في مجال جودة وسلامة وفعالية المنتجات الصحية.

وعلى هامش مشاركته في ملتقى الأعمال السعودي البرازيلي، شهد الرئيس بولسونارو التوقيع على 5 مذكرات تفاهم بين جهات سعودية وبرازيلية لتعزيز مجالات التعاون المشترك بين البلدين، وهي: مذكرة تفاهم بين الهيئة العامة للاستثمار ووكالة ترويج التجارة والاستثمار البرازيلية، مذكرة تفاهم بين الهيئة العامة للاستثمار وغرفة التجارة العربية البرازيلية، مذكرة تفاهم بين البرنامج الوطني لتطوير التجمعات الصناعية وغرفة التجارة العربية البرازيلية، مذكرة تفاهم بين الصندوق السعودي للتنمية وبنك التنمية البرازيلي، ومذكرة تفاهم بين وكالة الأنباء البرازيلية العربية وصحيفة «عرب نيوز».

وخلال الزيارة، صدر بيان مشترك عن «الشراكة الاستراتيجية بين السعودية والبرازيل في مجال الاستثمار»، حيث أعرب الجانبان عن دعمهما لتطلع صندوق الاستثمارات العامة لوضع خريطة طريق تهدف إلى بحث فرص الاستثمار المحتملة التي تعود بالنفع على البلدين وتصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار.

2 - التعاون الإقليمي: تتعاون البرازيل والمملكة العربية السعودية في المجالات ذات الصلة بالقضايا الإقليمية، ولا يخفى على أحد أن الانطلاقة الأولى لقمة الدول العربية ودول أميركا الجنوبية (أسبا)، كانت من البرازيل التي دعت إلى عقدها، كما استضافت على أراضيها القمة الأولى في عام 2005، بينما عُقدت القمة الرابعة بالمملكة العربية السعودية في عام 2015. وهو ما يعكس حرص البلدين على تعزيز التعاون بين الإقليمين في مختلف المجالات، خاصة أن قمة أسبا تُعد ملتقى للتنسيق السياسي، وآلية للتعاون بين دول المنطقتين في مجالات الاقتصاد والثقافة والتربية والتعليم والعلوم والتكنولوجيا وحماية البيئة والسياحة، وغيرها من المجالات ذات الصلة، لتحقيق التنمية المستدامة في تلك البلدان، والمساهمة في تحقيق السلام العالمي.

وفي هذا السياق، اتفق الجانبان السعودي والبرازيلي خلال البيان المشترك الصادر في ختام زيارة الرئيس بولسونارو للمملكة، على أهمية استقرار منطقة الشرق الأوسط باعتباره ركيزة أساسية في حفظ الأمن والسلم الدوليين. كما اتفقا على ضرورة تكثيف وتضافر جهود المجتمع الدولي لمواجهة ظاهرة الإرهاب والتطرف. وأكدا مجددًا على أن هذه الظاهرة الخطيرة لا ترتبط بأي عرق أو دين أو وطن، وأنها باتت من أهم القضايا في هذا العصر.

3 - التعا­ون الدولي متعدد الأطراف: تشترك البرازيل والمملكة العربية السعودية في عضوية الكثير من المنظمات الدولية، وهناك تقارب في الرؤى حول كثير من القضايا الدولية داخل أروقة الأمم المتحدة ومنظمة التجارة العالمية، وقد دعمت البرازيل المملكة لإدراج واحة الأحساء بقائمة التراث العالمي في اليونيسكو. إضافة إلى العضوية المشتركة داخل مجموعة العشرين، وهو ما يوفر فرصة جيدة أمام البلدين لتعزيز الحوار والتنسيق في المواقف والرؤى بشأن بعض القضايا الاقتصادية العالمية مثل الأزمة المالية العالمية، وكذلك زيادة القوة التصويتية لدول المنطقتين في بعض المؤسسات المالية الدولية، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس غايير بولسونارو، ترحيب ودعم بلاده الكبير لرئاسة المملكة المرتقبة لقمة العشرين في عام 2020، وتطلعه إلى المشاركة في قمة قادة دول المجموعة القادمة التي ستُعقَد في مدينة الرياض، مثمنًا الجهود الكبيرة التي تبذلها المملكة في إطار مجموعة العشرين.

وخلال زيارته للرياض، أعرب الرئيس البرازيلي عن تطلعه إلى انضمام بلاده إلى عضوية منظمة أوبك، مما سيجعل البرازيل ثالث أكبر منتج في المنظمة بعد المملكة العربية السعودية والعراق، إذ تضخ ما يُوازي أكثر من عشرة في المائة من الإنتاج الحالي للمنظمة، وفي حال حدوث ذلك ستتجاوز البرازيل، بإنتاجها الحالي البالغ 3.5 مليون برميل يوميًا، أعضاء جددا بمنظمة أوبك، مثل: الكونغو وغينيا الاستوائية. ومن شأن انضمام البرازيل إلى عضوية أوبك، دعم الجهود التي تبذلها المملكة العربية السعودية من أجل تحقيق الاستقرار في سوق النفط العالمية.

في ضوء ما سبق، يمكن القول: إن زيارة الرئيس البرازيلي للمملكة العربية السعودية، تُمثل خطوة مهمة لتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، ومن المتوقع أن يكون لها أثر قوي على صعيد تعزيز التعاون في مختلف المجالات، في ظل توافر الفرص والإمكانات الواسعة لتطوير العلاقات الثنائية. ومع ما تشهده البرازيل والمملكة من مسيرة تنموية وإصلاحية رائدة، يمكن أن تفتح هذه الزيارة المجال واسعًا أمام الكثير من الفرص الاستثمارية المشتركة، بما يعود بالنفع ليس فقط على البلدين، ولكن أيضًا على دول المنطقتين. والأمر مرهون بتوظيف الإرادة السياسية القوية لدى الجانبين لتعزيز الشراكة في المجالات كافة، وتعظيم النتائج الإيجابية المتوقعة على أثر هذه الزيارة.

* باحثة متخصصة في شؤون أميركا اللاتينية


اشترك في النقاش