انتخابات مجلس الشورى العماني 2019... استحقاق نيابي جديد

* شهد الاستحقاق الانتخابي لاختيار أعضاء مجلس الشورى العماني في دورته التاسعة مشاركة واسعة من جانب المواطنين العمانيين ترشحاً وانتخاباً
* حققت المرأة العمانية وجوداً ملموساً في الحياة السياسية أعطاها زخماً وتفاعلا في الشأن العام، من خلال حرصها على المشاركة الفعالة في كافة الاستحقاقات الانتخابية
* أهمية هذه الانتخابات، تتعلق بتوقيت إجرائها، حيث تتزامن بداية أولى فعاليات اجتماعات المجلس بعد انتخابه، مع بدء السلطنة في العام القادم (2020) في تنفيذ رؤية عمان 2040 والتي تعتبر أشمل خطة تنموية تنجزها السلطنة
* تجربة الشورى العمانية تطورت على امتداد العقود الماضية، ليس فقط على الصعيد المؤسسي والتنظيمي تشريعياً، ولكن أيضاً على صعيد الممارسة والدور الذي تقوم به مؤسسات الشورى

مع الاحتفالات بقرب التتويج بمسيرة نصف قرن على الانتقال التدريجي لسلطنة عمان من المجتمع القبلي العشائري إلى دولة المؤسسات العصرية، إذ تزامنا مع احتفالات السلطنة بعيدها الوطني التاسع والأربعين في الثامن عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) القادم (2019)، شهدت السلطنة في السابع والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري (2019) استحقاقا نيابيا لتشكيل مجلس الشورى في دورته التاسعة (2019 - 2023)، وهو الاستحقاق الذي عبر عنه بيان السفارة العمانية بالقاهرة بكلمات عكست الرؤية العمانية واستراتيجيتها في كيفية بناء نموذج حضاري مستقل يحقق التوازن بين الحفاظ على الهوية العمانية من ناحية والعصرنة ومتطلباتها من ناحية أخرى، إذ جاء في البيان: «إن هذه الانتخابات تأتي في إطار من الخصوصية العُمانية بكل تجلياتها وفق استراتيجية التدرج وفقًا للخصوصية التي تنتهجها سلطنة عمان منذ عقد السبعينات من القرن الماضي في سياق بناء نموذجها الحضاري في الشورى والديمقراطية، مرتكزة في ذلك على مبدأ الجمع المتوازن بين مفهوم الأصالة العمانية في الحفاظ على هويتها الحضارية وتقاليدها الأصيلة، وبين مفهوم المعاصرة التي تعني الانفتاح على تجارب الآخرين واستيعاب مقومات الحضارة الحديثة والاستفادة من معطياتها في بناء الدولة العصرية الحديثة وهي دولة المؤسسات والقانون».
وفي ضوء ذلك يستعرض هذا التقرير انتخابات مجلس الشورى العماني في دورته التاسعة (2019 - 2023) من خلال المحاور الآتية:
 
أولا: مجلس الشورى العماني في الحياة النيابية... السلطات والاختصاصات
يرجع تاريخ إنشاء مجلس الشورى العماني إلى عام 1991 حينما تم تأسيسه كبديل عن مجلس المستشارين المنشأ عام 1981. وكان الهدف من هذه الخطوة هو تحقيق خطوات إصلاحية على طريق ترسيخ المشاركة الشعبية في اتخاذ القرارات، حيث يتشكل مجلس الشورى من 86 عضوا (بدلا من 84 عضوا في مجلس المستشارين سابقا) ينتخبون مرة كل أربع سنوات، ويمثلون جميع الولايات بالسلطنة، حيث يتم انتخاب اثنين من المرشحين في الولايات التي يصل عدد سكانها 30 ألف نسمة أو أكثر، وانتخاب مرشح واحد في الولايات التي يقل عدد سكانها عن 30 ألف نسمة. ويذكر أن من بين 61 ولاية في السلطنة، هناك 25 ولاية يزيد عدد سكان كل منها على 30 ألف نسمة (يمثلون بعدد 50 نائبا)، و36 ولاية يقل عدد سكان كل منها عن 30 ألف نسمة (يمثلون بعدد36 نائبا) ليصل إجمالي عدد أعضاء مجلس الشورى (86 نائبا) كما سبقت الإشارة.
ويشكل مجلس الشورى (المنتخب) ومجلس الدولة (المعين) معا ما يسمى بمجلس عمان والذي مُنح مزيدا من الاختصاصات بموجب المرسوم السلطاني السامي رقم 99-2011، حيث يحق لمجلس الشورى العماني وهو مجلس استشاري مراجعة مشروعات القوانين قبل اتخاذ إجراءات إصدارها، ما عدا القوانين التي تقتضي المصلحة العامة يتم رفعها مباشرة إلى السلطان. ويحيل المجلس مشروعات القوانين التي يتولى مراجعتها وما يُقترح من تعديلات على القوانين الاقتصادية والاجتماعية النافذة مشفوعة بتوصياته إلى مجلس الوزراء. كما يشارك المجلس في دراسة خطط التنمية والميزانية والاتفاقيات، سواء من خلال مشاركة رئيس المجلس في اللجنة العليا الرئيسية التي تضع الخطوط العامة لخطة التنمية، أو من خلال مناقشة مشروع الخطة في المجلس قبل إصدارها. وتعرض الحكومة مشروع الموازنة العامة للدولة على مجلس الشورى، ويقوم المجلس بدراسته ومناقشته في ضوء تقرير اللجنة الاقتصادية للمجلس، ويحضر جلسة المناقشة عادة وزير الاقتصاد الوطني، للرد على استفسارات الأعضاء، أو لإيضاح ما قد تطرحه المناقشة من جوانب. كما يملك المجلس عددا من الوسائل والأدوات البرلمانية المتاحة له في أداء صلاحياته الرقابية حول مختلف الموضوعات مع الأجهزة التنفيذية بالدولة، ومن هذه الأدوات: البيان العاجل، والسؤال، وطلب الإحاطة، وإبداء الرغبة، وطلب المناقشة، وتشكيل لجان تقصي الحقائق، والاستجواب، ومناقشة البيانات الوزارية.
 
ثانياً: مجلس الشورى العماني وشروط الترشح والانتخاب
يتيح القانون العماني الترشح والانتخابات لكلا الجنسين، حيث حدد القانون مجموعة من الشروط الواجب توافرها فيمن يترشح لعضوية المجلس، وكذلك الشروط الواجب توافرها فيمن ينتخب هؤلاء الأعضاء، وذلك على النحو الآتي:

  1. شروط الترشح

استوجب القانون توافر الشروط الآتية فيمن يترشح لعضوية المجلس، وهي:

  • أن يكون عُماني الجنسية بصفة أصلية.
  • أن لا تقل سنه عند فتح باب الترشح عن ثلاثين سنة ميلادية.
  • أن لا يقل مستواه العلمي عن دبلوم التعليم العام.
  • أن لا يكون قد سبق الحكم عليه نهائيًا بعقوبة جنائية أو في جريمة مخلة بالشرف أو الأمانة، ولو رد إليه اعتباره.
  • أن يكون مقيدًا في السجل الانتخابي.
  • أن لا يكون منتسبًا إلى أي جهة أمنية أو عسكرية
  • أن لا يكون محجورًا عليه بحكم قضائي.
  • أن لا يكون مصابًا بمرض عقلي.

كما يجوز لمن انتهت فترة عضويته الترشح ثانية لعضوية المجلس.

  1. شروط الانتخاب

حدد القانون مجموعة من الشروط الواجب توافرها فيمن يختار أعضاء هذا المجلس، وهي:

  • أن يكون عمانيا بالغا من العمر واحدا وعشرين عاما ميلاديا فـي الأول من شهر يناير (كانون الثاني) من سنة الانتخاب، ويعتد فـي ذلك ببيانات البطاقة الشخصية.
  • أن يكون من أبناء الولاية أو من المقيمين فـيها.
  • أن لا يكون منتسبا لجهة أمنية أو عسكرية.

 
ثالثاً: التصويت الإلكتروني... آلية جديدة لترسيخ الديمقراطية
شهد الاستحقاق الانتخابي لاختيار أعضاء مجلس الشورى العماني في دورته التاسعة مشاركة واسعة من جانب المواطنين العمانيين ترشحا وانتخابا، إذ ترشح في هذه الانتخابات 637 مرشحا بينهم 40 امرأة لاختيار 86 عضوا هم عدد أعضاء المجلس كما سبقت الإشارة. وقد بلغ عدد الناخبين في هذه الانتخابات عدد 713 ألفًا و335 ناخبًا بزيادة قدرها 20 في المائة مقارنة بالدورة الماضية، من بينهم 337 ألفًا و534 ناخبة بنسبة 47.3 في المائة، يشاركون من خلال 110 مراكز للتصويت موزعين في 61 ولاية، ومقسمين إلى 19 مركزا للذكور ومثلها للإناث بالإضافة إلى 72 مركزًا مشتركًا، كما تم تحديد 8 مراكز انتخاب موحدة موزعة على خمس محافظات على مستوى السلطنة.
وفي هذا الخصوص تبرز الإشارة إلى ما شهدته هذه الانتخابات من ممارسة جديدة هدفت إلى ترسيخ مزيد من الديمقراطية والشفافية في العملية الانتخابية، تمثلت في إجراء التصويت الإلكتروني للمرة الأولى، وهو ما يعكس مدى حرص السلطنة على استخدام أحدث التقنيات في العملية الانتخابية، بهدف التسهيل على الناخبين للإدلاء بأصواتهم داخل المراكز الانتخابية من خلال 994 جهاز تصويت، حيث يتولى التطبيق الإلكتروني توثيق مشاركة الناخبين عن بُعد باستخدام 10 إجراءات، من بينها التأكد من أن المستخدم عماني الجنسية، ومقيد بالسجل الانتخابي، من خلال إدخال بطاقة الرقم القومي للناخب في الجهاز الإلكتروني للتصويت، ثم يطلب منه الجهاز بصمة إصبعه، بعدها تظهر له على شاشة الجهاز قائمة المرشحين في ولايته، ثم يختار الناخب مرشحه، بعدها يضغط على خانة تأكيد اختياره لمرشحه، وتنتهي عملية التصويت التي تبدأ من الساعة السابعة صباحا وتستمر حتى السابعة مساء. وعقب انتهاء عملية التصويت، تُجمع استمارات التصويت الإلكتروني المطبوعة عبر الجهاز في أظرف أمنية مخصصة لذلك الغرض ويتم تسليمها إلى المستوى الأعلى حتى تصل للجنة المعنية بالجمع والفرز وإعلان النتائج في وقت لاحق لم يحدد بعد وذلك كله تحت إشراف قضائي.
ويذكر في هذا الشأن أنه في 19 أكتوبر الجاري (2019)، تم أيضا اعتماد هذا النظام في عملية تصويت العمانيين المقيمين بالخارج، إذ استخدم التصويت الإلكتروني للمرة الأولى عن بُعد من خلال الهواتف الذكية التي تعمل بشريحة الهاتف المتنقل لشركات الاتصالات العاملة بالسلطنة المعززة بإجراءات توثيق مشددة.
 
رابعاً: المرأة العمانية... حجر الزاوية في العملية الانتخابية
حققت المرأة العمانية تواجدا ملموسا في الحياة السياسية أعطاها زخما وتفاعلا في الشأن العام، من خلال حرصها على المشاركة الفعالة في كافة الاستحقاقات الانتخابية التي تجرى في السلطنة، حيث كفلت التشريعات المنظمة ضمانة للمرأة العمانية في ممارسة حقوقها السياسية (ترشحا وانتخابا)، فتمثل المرأة في مجلس الدولة بنسبة 17 في المائة خلال الدورة السادسة الحالية، بينما كانت تمثل نسبة 1 في المائة في مجلس الشورى في دورته الثامنة. كما تواجدت المرأة بصورة واضحة في المجالس البلدية، إذ أفرزت التجربة عن انتخاب أربع عضوات في المجالس البلدية في دورتها الأولى، ثم ارتفع العدد في الدورة الثانية الحالية (2016 - 2020) حيث فازت سبع نساء. وشكلت نسبة الناخبات في المجالس البلدية ارتفاعا من 28.6 في المائة في الدورة الأولى لتصل إلى 46 في المائة في الدورة الثانية. الأمر الذي ترسخ وجوده مع انتخابات مجلس الشورى في دورته الحالية (التاسعة)، حيث سجلت حضورا لافتا، فقد ارتفع عدد المترشحات ليصل إلى 40 مترشحة، فازت منهن نائبتان لعضوية المجلس هما: الدكتورة طاهرة بنت عبد الخالق اللواتية عن ولاية مطرح، وفضيلة بنت عبد الله الرحيلية عن ولاية صحار لترتفع نسبة حضورها في المجلس من 1 في المائة في دورته الثامنة لتصل إلى 2.3 في المائة في دورته الحالية.
 
خامساً انتخابات مجلس الشورى في دورته التاسعة... دلالتان ذات أهمية
أعلن السيد حمود بن فيصل البوسعيدي وزير الداخلية العماني نتائج انتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة وذلك استنادًا إلى قانون انتخابات أعضاء مجلس الشورى الصادر بالمرسوم السلطاني رقم (58 - 2013)، وبناءً على مذكرة اللجنة الرئيسية لانتخابات أعضـاء مجلـس الشورى للفترة التاسعة رقم (م ك- 1113- 407 - 2019م) المؤرخة بتاريخ 28 أكتوبر 2019م، بشأن النتائج النهائية للتصويت المعتمدة من اللجنة العليا لانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة، حيث سجلت بيانات الوزارة أن إجمالي عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم في هذه الانتخابات بلغ 350 ألفًا و581 ناخبًا وناخبة وبنسبة مشاركة فاقت 49 في المائة، وسجلت ولاية صلالة أعلى نسبة مشاركة بنسبة بلغت 71 في المائة.
وقد شهدت هذه الانتخابات دلالتين لهما أهمية كبرى، الأولى تتعلق بالجانب التنظيمي، إذ شهدت هذه الانتخابات التجربة الأولى - وإن شهدت الانتخابات السابقة المرحلة التمهيدية لهذه التجربة - في استغناء السلطنة عن صناديق الاقتراع واستبدلتها بأجهزة إلكترونية وهو ما لقي إشادة من صحافيين وإعلاميين من مختلف أنحاء العالم حضروا لتغطية الانتخابات بعد أن شاهدوا سهولة الانتخابات وسرعتها وضمان شفافيتها دون أي مشاكل أو أزمات وهو ما أشار إليه المهندس خالد بن هلال بن سعود البوسعيدي وكيل وزارة الداخلية، رئيس اللجنة الرئيسية لانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة بقوله: «إن عملية التصويت لانتخابات أعضاء المجلس للفترة التاسعة مضت بكل انسيابية ويُسر ودون أي عوائق تُذكر»، ويؤكد على ذلك أيضا أنه مع كثافة الإقبال على التصويت من جانب الناخبين تم تمديد فترة التصويت لمدة ساعتين حيث ظلت مراكز الاقتراع تشهد إقبالاً إلى اللحظات الأخيرة، ولم يستغرق وقت التصويت في أغلب الأحيان أكثر من دقيقتين وهو ما ضمن ارتفاع نسبة المشاركة.
أما الأهمية الثانية لهذه الانتخابات، فتتعلق بتوقيت إجرائها، حيث تتزامن بداية أولى فعاليات اجتماعات المجلس بعد انتخابه، مع بدء السلطنة في العام القادم (2020) في تنفيذ رؤية عمان 2040 والتي تعتبر أشمل خطة تنموية تنجزها السلطنة، وهو ما يلقي بمزيد من المسؤولية على أعضاء هذا المجلس في التفاعل بإيجابية مع المسؤولين التنفيذيين لضمان وضع ما تضمنته الرؤية من سياسات وإجراءات تحقق تطلعات الشعب العماني في مستقبل أفضل.
وعليه؛ نخلص إلى التأكيد على أن تجربة الشورى العمانية تطورت على امتداد العقود الماضية، ليس فقط على الصعيد المؤسسي والتنظيمي تشريعيا، ولكن أيضا على صعيد الممارسة والدور الذي تقوم به مؤسسات الشورى وتهيئة المناخ العام لمشاركة أوسع وأعمق من جانب المواطنين العمانيين في صياغة وتوجيه التنمية الوطنية، ولعل ما أسهم في تحقيق ذلك أن التجربة العمانية في ميدان العمل الديمقراطي ارتكزت على تراث عماني خصب ومتواصل في هذا المجال من ناحية، وعلى رؤية واضحة للسلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان من ناحية أخرى، وهي رؤية استطاعت أن تمزج بنجاح بين خبرة الماضي، ومعطيات الحاضر، ومتطلبات التطور الاجتماعي والسياسي والتفاعل الإيجابي معه بخطى متدرجة ومستمرة دون توقف.


اشترك في النقاش