انهيار لبنان

* لبنان في نفق مظلم لا تبدو له نهاية. ويبدو أن الطبقة الحاكمة عاجزة عن إيجاد حلول للأزمات التي سببتها هي نفسها.. أين الحل؟ ربما انتداب اقتصادي مباشر من قبل البنك الدولي يلزم على من هو في الحكم القيام بإصلاحات تستطيع رويداً رويداً إخراج لبنان نسبياً من هذه الأزمة لتبقى الأزمة الأكبر: «حزب الله»

 
سقوط الحكومة لن تحل أزمات لبنان الكثيرة طبعاً، ولكنها في الحد الأدنى ستهدئ من فورة الشارع الذي انتفض بوجه الأزمة الاقتصادية الحادة التي يعيشها البلد.
في أساس هذه الأزمة ثلاثة أسباب.
أولا: العزلة العربية التي سببتها تصريحات وزير خارجية لبنان، صهر رئيس الجمهورية، التي خرجت عن سياسة الحياد التي لطالما اتبعها لبنان، لتصب في صالح «جبهة الممانعة»، كما أفعال «حزب الله» العدائية لبلاد الخليج. الكل يعلم علم اليقين أن الدول الخليجية لطالما ساعدت لبنان اقتصاديا ودعمته، إن كان من خلال تمويل مشاريع أو على شكل ودائع مصرفية أو من خلال سياحها الذين كانوا يقصدون لبنان بأعداد كبيرة. حتى عند حرب تموز ساهم العرب في إعادة إعمار ما هدته حرب «لو كنت أعلم».
السبب الثاني للأزمة الحادة التي يعيشها لبنان يعود إلى العقوبات الأميركية التي أخرجت «حزب الله» وشركاءه من المنظومة المصرفية العالمية، ما انعكس سلبا على التحويلات من الخارج وسبب نقصا في العملات الأجنبية لدى المصارف لا سيما الدولار. هذه العقوبات مرشحة إلى التشدد أكثر في ظل الكلام عن استهداف أشخاص ليسوا من بيئة «حزب الله» ولكن تربطهم به مصالح كبرى.
السبب الثالث يتعلق بفساد الطبقة السياسية التي لم تعد تبدي أي حياء إزاء علنية أعمالها الفاسدة. يقول نائب «حزب الله» حسن فضل الله في مداخلة له في مجلس النواب عند مناقشة موازنة حكومة الحريري، إن تلكؤ الحكومة اللبنانية في طلب المساعدة من إيران في موضوع الكهرباء لا يعود إلى خشيتها من العقوبات الأميركية إزاء هذا التعامل، إنما إلى يقين المسؤولين عن هذا الملف أنهم لن يحصلوا على عمولة من الإيرانيين. 
وفي هذا اتهام واضح لحليفه صهر رئيس الجمهورية المسؤول الأول عن ملف الكهرباء منذ أكثر من عدّة سنوات.
إزاء هذه التعقيدات، فإن أي حكومة جديدة ستفشل في معالجة الأزمات التي تطال لبنان طالما أن لبنان الرسمي ينفذ أجندة «حزب الله» ويتماهى مع سياسات جبهة الممانعة في وقت الصراع العربي الإيراني في أوجه في المنطقة.
تبقى محاربة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة كخطوة يمكن أن تخفف من عبء الأزمة التي يعيشها لبنان. لكن هذه الخطوة تصطدم باستحالة محاكمة الطبقة السياسية لنفسها. فهذه الطبقة السياسية ترى الدولة على أنها وسيلة لتثبيت زعامتها من خلال الخدمات التي توزعها على المناصرين أو من خلال توزيع أموال الدولة على شكل مناقصات على شركائهم من رجال الأعمال.
فالفساد بلغ ذروته في لبنان خاصة مع شح أموال خزينة الدولة، ما دفعها إلى زيادة ضرائب على المكلف من دون اللجوء إلى إصلاحات تحد من سرقة تلك الخزينة.
حتى الدول والجهات المانحة في مؤتمر «سيدر» التي تبنت تمويل مشاريع بقيمة 11 مليار يورو تطالب الحكومة بإصلاحات جدية في البنية الاقتصادية لكن من دون جدوى. وكانت اللجنة المنبثقة عن هذا المؤتمر ارتأت تأجيل اجتمعا كان مقررا عقده في نوفمبر (تشرين الثاني) مع الحكومة اللبنانية نظرا لعدم شروعها في أي إصلاحات جدية، شرطا للإفراج عن الأموال للشروع بتنفيذ بعض من المشاريع المتعلقة بالبنى التحتية.
رغم كل تلك العقبات التي تواجه لبنان يبدو أهل الحكم أسرى حساباتهم الضيقة والتي تتعلق بالغالب بمدى بقائهم في السلطة واستفادتهم من جنة الحكم.
إذن لبنان في نفق مظلم لا تبدو له نهاية. ويبدو أن الطبقة الحاكمة عاجزة عن إيجاد حلول للأزمات التي سببتها هي نفسها. أين الحل؟ ربما انتداب اقتصادي مباشر من قبل البنك الدولي يلزم على من هو في الحكم القيام بإصلاحات تستطيع رويداً رويداً إخراج لبنان نسبياً من هذه الأزمة لتبقى الأزمة الأكبر: «حزب الله».