إيران والمغامرة بمصير لبنان

* مصير لبنان الذي كان يومًا سويسرا الشرق ستحدده مغامرة من يمسك حقًا بزمام السلطة ومقامرة أصحاب النفوذ الإقليميين والدوليين، وطاولة حوار قد تُعالج بعض أسباب الأزمة، إلا أن علاج السبب الأساسي، ألا وهو سلاح «حزب الله»، لا يبدو أن الظروف اليوم مواتية لبحثه بشكل جدي

بعد استقالة رئيس مجلس الوزراء اللبناني سعد الحريري، عادت الأصوات المعارضة للتسوية الرئاسية التي أوصلت العماد ميشال عون إلى قصر بعبدا لمطالبتها جميع القوى السيادية والتي كانت تُعرف سابقًا بقوى الرابع عشر من آذار، بعدم المشاركة بأي حكومة في ظل هيمنة «حزب الله» على الدولة اللبنانية. حجة هذه القوى، أن «حزب الله» إن حكم سيفشل، وسيبرهن لجميع اللبنانيين أن ثنائية الدولة والدويلة لا يمكن لها أن تنهض بلبنان، ولا أن تُقدم أي حلول جدية لأي من مشكلات لبنان وخصوصًا مشكلاته الاقتصادية المتراكمة والمتصاعدة في ظل العقوبات الأميركية على إيران و«حزب الله».
وجهة النظر هذه ليست محصورة ببعض الشخصيات اللبنانية، بل هي امتداد لوجهة نظر إقليمية ترى أن أفضل وسيلة لإنهاء هيمنة إيران على لبنان هو بتسليم حلفاء إيران جميع مفاصل الحكم، فلا يختبئ «حزب الله» خلف حكومة الحريري أو غيره، بل يكون هو في مواجهة الشارع مع ازدياد الضغوطات على لبنان والاستمرار في تراجع الوضع الاقتصادي، الذي عبر عنه حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بمقابلته قبل أيام على محطة ««CNN. فوجود سعد الحريري على رأس أي حكومة يعطي بعضًا من الثقة بلبنان وإمكانية الاستثمار به وتقديم الدعم له، وهذا ما يرغب «حزب الله» بتأكيده، وما يُعبر عنه من أن تبعيته وسلاحه لإيران لا يؤثر سلبًا على لبنان.
في مقابل وجهة النظر هذه، ثمة وجهة نظر لبنانية تتطابق مع وجهة نظر بعض الدول الغربية وتحديدًا الأوروبية منها، فبعض الدول الأوروبية كانت قد تمنت على الحريري التريث في تقديم استقالته والتمسك بورقته الإصلاحية التي قدمها بعد أيام من بدء الاحتجاجات في الشارع اللبناني بسبب الوضع الاقتصادي المتردي. هم يتخوفون، وخصوصًا الأوروبيين من انهيار لبنان، لا معركة سياسية أساسية بينهم وبين إيران، بل قد تكون مفاوضات جديدة مع إيران قاب قوسين أو أدنى من أن تحصل أو يُعلن أنها حصلت فعلاً، بعد محاولاتهم التمسك بالاتفاق السابق الذي توصل إليه الإيرانيون مع المجتمع الدولي والتزامهم بالمحافظة على ما أعطاه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لإيران، وبالتالي صيغة التهدئة مع «حزب الله» مناسبة تمامًا لرؤيتهم، مع الأخذ بالاعتبار وجود ما يُقارب مليون لاجئ سوري في الداخل اللبناني، وهذا ما يعطونه أهمية كبيرة، فأي انهيار في لبنان قد يتسبب بوصول أعداد كبيرة من اللاجئين إلى أوروبا، وهذا حتمًا ما لا يرغبون برؤيته.
كما فتحت الاحتجاجات في لبنان نافذة أمل على إمكانية تخطي اللبنانيين لخلافاتهم واختلافاتهم الطائفية والوقوف معًا من أجل لبنان أفضل، فتحت استقالة الحريري الباب أمام عدة احتمالات يبدو أحلاها مر، فلا مطالب الشارع تحققت من إلغاء الطائفية إلى إسقاط العهد بكامل رموزه، (كلن يعني كلن)، مرورًا بمحاسبة الفاسدين والمفسدين، ولا مؤشرات من أن الوضع الاقتصادي والمعيشي قابل للمعالجة في وقت قريب، ولا أموال ومشاريع «سيدر» أتت. فهل يُترك لبنان لإيران لتحكمه بمفردها من خلال ثنائية «حزب الله» وعون، أم نعود إلى صيغة توافقية بشروط محسنة تحفظ لبنان في ظل ما تمر به المنطقة.
يبدو أن «حزب الله» قد أدرك أن اللبنانيين بمختلف طوائفهم وانتماءاتهم لم يعودوا يقبلون أن يستخدمهم في معارك إيران ومفاوضاتها، وصار لزامًا عليه أن يجلس معهم على طاولة حوار مستديرة من دون أي خطوط حمراء، ليشاركهم في الحكم وفي اتخاذ القرارات المصيرية المتعلقة بلبنان، وليتم إنقاذ البلد من انهيار اقتصادي تتبعه انهيارات عدة، وحده «حزب الله» يتحمل مسؤلياتها وتبعاتها؟
بعد كلام خامنئي المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية في إيران، وما سُرب عن مصادر «حزب الله»، بات واضحًا أن الحزب فهم بعضًا مما جاء في رسالة اللبنانيين إليه، وقد يكون أحد الحلول العملية المطروحة اليوم هو تشكيل حكومة مصغرة إنقاذية، غير مستفزة للبنانيين أولاً، وللمجتمع الدولي ثانيًا.
مصير لبنان الذي كان يومًا سويسرا الشرق ستحدده مغامرة من يمسك حقًا بزمام السلطة ومقامرة أصحاب النفوذ الإقليميين والدوليين، وطاولة حوار قد تُعالج بعض أسباب الأزمة، إلا أن علاج السبب الأساسي، ألا وهو سلاح «حزب الله»، لا يبدو أن الظروف اليوم مواتية لبحثه بشكل جدي.